صفحة 5 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 55
صحابة وصحابيات
  1. #41
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    عقبة بن عامر الجهنيّ

    هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يبلُغ مشارف يثرب ، بعدَ طُول لهفة وترقب …

    وها هم أولاء رجال المدينة الطّيّبة؛ يتزاحمون في الدّروب مُهلّلين مكبّرين فرحاً بلقاء نبيّ الرحمة وصاحِبه الصّدّيق …

    وها هُنَّ نِسوةُ المدينة المستقرات في بيوتهن وصباياها الصّغيرات عَلَونَ سطوح المنازل ، وجعلن يتراءينَ الرسول صلى الله عليه وسلم ويقلن :

    أيّهم هُوَ؟ … أيّهم هُوَ؟…

    وهذا موكب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتهادى بين الصفوف؛ تحفّه المُهج المُشتاقة ، وتحوطه الأفئدة التّوّاقة ، وتُنثر حواليه دموع الفرح، وبسمات السّرور .



    * * *

    لكنّ عُقبة بن عامر الجُهنيّ لم يشهد موكب رسول الله صلوات الله عليه ولم يسعد باستقباله مع المُستقبلين .

    ذلك ، لأنَّه كان قد خرج إلى البوادي بغُنيمات له؛ ليرعاها هناك، بعد أن اشتدّ عليها الجوع وخاف عليها الهلاك، وهي كلّ ما يملك من حُطام الدنيا - حطام الدنيا: أي مالها الفاني - .

    لكنّ الفرحة التي غمرت المدينة المنوّرة ما لبِثت أن عمَّت بواديها القريبة والبعيدة ، وأشرقت في كلّ بقعة من بُقاعها الطّيبة ، وبلغت تباشيرها عقبة بن عامر الجهني ؛ وهو مع غنيماته بعيداً في الفلوات .

    فلنترك الكلام لِعقبة بن عامر ليروي لنا قصّة لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    قال عقبة:

    قدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في غُنيمة لي أرعاها ، فما إن تناهى إليَّ خبر قدومه حتى تركتها ومضيت إليه لا ألوي على شيء، فلمّا لقِيتُهُ قلتُ: تُبايعني يا رسول الله ؟!

    قال: ((فمن أنت؟)) .. قلتُ: عقبة بن عامر الجهني، قال صلى الله عليه وسلم : ((أيّما أحبّ إليك: تُبايعني بيعةً أعرابيّةً أو بيعةَ هِجرةٍ ؟)) .

    قلتُ: بل بيعة هجرة، فبايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه المُهاجرين، وأقمت معه ليلةً ثمّ مضيت إلى غنمي .



    * * *

    وكنّا اثني عشر رجلاً ممّن أسلموا نُقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها .

    فقال بعضنا لبعض: لا خيرَ فينا إذا نحنُ لم نَقدَم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعدَ يوم، لِيُفقِّهنا في دِيننا، ويُسمعنا ما ينزل عليه من وحي السّماء، فليمضِ كلّ يومٍ واحد منّا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا فنرعاها له .

    فقلتُ : اذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر وَليترك لِي الذّاهِب غنمه، لأنّي كنتُ شديد الإشفاق على غُنيمتي من أن أتركها لأحد .



    * * *

    ثمّ طفِق أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء، أخذتُ منه ما سمع، وتلقّيتُ عنه ما فقهَ، لكنّي ما لبِثتُ أن رجعتُ إلى نفسي وقلتُ: وَيحَكَ !! … أمِن أجلِ غُنيمات لا تُسمنُ ولا تُغني تُفوّت على نفسك صُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ عنه مُشافهةً من غير واسِطةٍ ؟! … ثمّ تخلّيتُ عن غنيماتي، ومضيتُ إلى المدينة لأقيم في المسجد بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم .



    * * *

    لم يكن عقبة بن عامر الجهني يخطر له على بال -حين اتّخذ هذا القرار الحاسم الحازم - أنّه سيغدو بعد عقدٍ من الزمان عالِماً من أكابر علماء الصّحابة، وقارئاً من شُيوخ القُرّاء، وقائداً من قوّاد الفتح المرموقين، ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين .

    ولم يكن يتخيّل - مجرّد تخيّل - وهو يتخلّى عن غُنيماته، ويمضي إلى الله ورسوله أنّه سيكون طليعة الجيش الذي يفتح أمّ الدنيا ((دمشق)) ويتّخذ لِنفسه دياراً بين رياضِها النّضِرة عندَ ((بابِ توما)) - باب تُوما: أحد أبواب دِمشق القديمة - .

    ولم يكن يتصوّر - مجرّد تصوّر - أنّه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون زُمرّدة الكون الخضراء ((مِصر))، وأنّه سيغدو والياً عليها، ويختطّ لِنفسه دياراً في سفح جبلها ((المُقطّم)) - المقطّم: جبل مطل على القاهرة من جهة الجنوب قليل الارتفاع-؛ فتِلك كلّها أمور مُختبئة في ضمير الغيب، لا يعلمها إلا الله .



    * * *

    لزمَ عقبة بن عامر الجهني رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوم الظل لصاحبه، فكان يأخذ له بِزمام بغلته أينما سار، ويمضي بين يديه أنّى اتّجه، وكثيراً ما أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، حتّى دُعيَ ((برديف رسول الله))، وربّما نزلَ له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن بغلته ليكون هو الذي يركب، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يمشي .

    حدّث عقبة قال:

    كُنتُ آخذ بِزمام بغلةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غابِ المدينة، فقال لي : ((يا عُقبة، ألا تركب؟!)) فهممتُ أن أقول: لا؛ لكنّي أشفقتُ أن يكون في ذلك معصية لِرسول الله، فقلتُ: نعم يا نبيّ الله، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم عن بغلته وركبتُ أنا امتثالاً لأمره … وجعل هو يمشي . ثمّ ما لبثتُ أن نزلتُ عنها، وركب النبي عليه الصلاة والسلام، ثمّ قال لي : ((يا عقبة ألا أعلّمك سورتين لم يرَ مثلُهنّ قطّ ؟)) فقلتُ: بلى يا رسول الله ، فأقرأني :

    ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[وَ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[

    ثمّ أقيمت الصلاة فتقدّم وصلّى بهما ، وقال: ((اقرأهما كلّما نِمتَ وكلّما قُمتَ)) .

    قال عقبة: فما زِلتُ أقرؤهما ما امتدّت بي الحياة .



    * * *

    ولقد جعل عقبة بن عامر الجهنيّ همّه في أمرين اثنين: العِلم والجِهاد، وانصرف إليهما بروحه وجسده، وبذلَ لهما من ذاته أسخى البذل، وأكرمَه .

    أمّا في مجال العِلم فقد جعل يعُبُّ من مناهل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزيرة العذبة حتى غدا مُقرِئاً، مُحدّثاً، فقيهاً، فرضيا ً- فرضياً: عالماً بالفرائض، والمقصود بها هنا علم المواريث والتركات - أديباً، فصيحاً، شاعراً .

    وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان إذا سكنَ الليل وهدأ الكون انصرف إلى كتاب الله يقرأ من آياته البيّنات، فتُصغي لِترتيله أفئدة الصّحابة الكرام، وتخشع له قلوبهم وتفيضُ عيونهم بالدّمع من خشية الله .

    وقد دعاه عمر بن الخطّاب يوماً فقال: اعرِض عليّ شيئاً من كتاب الله يا عقبة، فقال: سمعاً يا أمير المؤمنين، ثمّ جعل يقرأ له ما تيسّر من آي الذّكر الحكيم، وعمرُ يبكي حتّى بلّلت دموعه لِحيته .

    وقد ترك عُقبة مصحفاً مكتوباً بخطّ يده، وبقيَ مصحفه هذا إلى عهد غير بعيد موجوداً في ((مِصر)) في الجامع المعروف بجامع عقبة بن عامر، وقد جاء في آخره: ((كَتبهُ عقبة بن عامر الجُهنيّ)) .

    ومصحف عقبة هذا من أقدم المصاحف التي وجدت على ظهر الأرض لكنّه فُقِدَ في جملة ما فقِد من تُراثنا الثّمين، ونحنُ عنه غافلون .



    * * *

    وأمّا في مجال الجهاد؛ فحسبنا أن نعلم أنّ عقبة بن عامر الجهنيّ شهِدَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أُحُداً)) وما بعدها من المغازي، وأنّه كان أحد الكُماة الأشاوس المغاوير، الذين أبلوا يوم فتح ((دِمشق)) أعزّ البلاء وأعظمه، فكافأهُ أبو عبيدة بن الجرّاح على حُسن بلائه بأن بعثهُ بشيراً إلى عمر بن الخطاب في المدينة ليبشّره بالفتح، فظلّ ثمانية أيام بلياليها من الجمعة إلى الجمعة يُغذُّ السير دونَ انقطاع، حتى بشّر الفاروق بالفتح العظيم .

    ثمّ إنّه كان أحد قادة جيوش المسلمين التي فتحت ((مِصر))، فكافأهُ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان بأن جعله والياً عليها ثلاث سنين، ثمّ وجّهه لغزو جزيرة ((رُودُسَ)) في البحر الأبيض المتوسط .

    وقد بلغ من ولع عقبة بن عامر الجهنيّ بالجهاد، أنّه وعى أحاديث الجهاد في صدره، واختصّ بروايتها للمسلمين، وأنّه دأب على حذقِ الرّماية حتى إنّه إذا أراد أن يتلهّى تلهّى بالرّمي .



    * * *

    ولمّا مرِضَ عقبة بن عامر الجهنيّ مرضَ الموت - وهو في ((مِصر)) - جمع بنيه فأوصاهم فقال: يا بنيَّ أنهاكم عن ثلاث خصال فاحتفظوا بِهنَّ:

    لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من ثقة، ولا تستدينوا ولو لَبِستم العباء- العباء: كساء مفتوح من الأمام - ، ولا تكتبوا شِعراً فتَشغلوا به قلوبكم عن القرآن .



    ولمّا أدركته الوفاة، دفنوه في سفحِ ((المُقطّم)) ثمّ انقلبوا إلى تركتِهِ يُفتّشونها، فإذا هو قد خلّف بضعاً وسبعين قوساً؛ مع كل قوس قرنٌ ونِبالٌ، وقد أوصى بهنّ أن يُجعلنَ في سبيل الله .



    * * *

    نضّرَ الله وجهَ القارئ العالِم الغازِي عقبة بن عامر الجُهنيّ ، وجزاهُ عن الإسلام والمسلمين خيرَ الجزاء .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله تعالى

    يتبع

  2. #42
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    عبد الله بن عمرو بن العاص

    القانِتُ، التائب، العابد، الأوّاب، الذي نستهل الحديث عنه الآن هو: عبد الله بن عمرو بن العاص…

    بقدر ما كان أبوه استاذاً في الذكاء والدهاء وسعة الحيلة.. كان هو أستاذاً ذا مكانة عالية بين العابدين، الزاهدين، الواضحين ..

    لقد أعطى العبادة وقته كله، وحياته كلها ..

    وثَمِلَ بحلاوة الإيمان، فلم يعد الليل والنهار يتَّسعان لتعبّده ونسكه ..

    * * *

    ولقد سبق أباه إلى الإسلام، ومُذ وضع يمينه في يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعاً، وقلبه مُضاء كالصبح النضير بنور الله ونور طاعته..

    عكف أولاً على القرآن الذي كان يتنزَّل مُنجَّماً، فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها، حتى إذا تمّ واكتمل، كان لجميعه حافظاً..

    ولم يكن يحفظه ليكون مجرد ذاكرة قوية، تضمّ بين دفتيها كتاباً محفوظاً..

    بل كان يحفظه ليعمر به قلبه، وليكون بعد هذا عبده المطيع، يُحلُّ ما أحلَّ، ويُحرّم ما حرّم، ويستجيب له في كل ما يدعو إليه ثم يعكف على قراءته ، وتدبّره، وترتيله، مُتأنقاً في روضاته اليانعات، محبور النفس بما تفيئه آياته الكريمة من غبطة، باكي العين مما تُثيره من خشية..!!

    كان عبد الله قد خُلق ليكون قدّيساً عابداً، ولا شيء في الدنيا كان قادراً على أن يشغله عن هذا الذي خُلِق له، وهُدي إليه..

    إذا خرج جيش الإسلام إلى جهاد يلاقي فيه المشركين الذين يشنون عليه الحروب والعداوة، وجدناه في مقدمة الصفوف يتمنى الشهادة بروح محبّ، وإلحاح عاشق..!!

    فإذا وضعت الحرب أوزارها، فأين نراه..؟؟

    هناك في المسجد الجامع، أو في مسجد دياره، صائم نهاره، قائم ليله، لا يعرف لسانه حديثاً من أحاديث الدنيا مهما يكن حلالاً، إنما هو رطبٌ دائماً بذكر الله ، تالياً قرآنه، أو مسبحاً بحمده، أو مستغفراً لذنبه..

    وحسبُنا إدراكاً لأبعاد عبادته ونُسكِه، أن نرى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء يدعو الناس إلى عبادة الله، يجد نفسه مضطراً للتدخّل كيما يحد من إيغال عبد الله في العبادة..!!

    وهكذا، إذا كان أحد وجهي العظة في حياة عبد الله بن عمرو، الكشف عما تزخر به النفس الإنسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقصى درجات التعبُّد والتجرُّد والصلاح، فإن وجهها الآخر هو حرص الدين على القصد والاعتدال في نشدان كل تفوّق واكتمال، حتى يبقى للنفس حماستها وأشواقها..

    وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته..!!

    لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقضي حياته على وتيرة واحدة..

    وما لم يكن هناك خروج في غزوة، فإن أيامه كلها تتلخّص في أنه من الفجر إلى الفجر في عبادة موصولة.. صيام وصلاة، وتلاوة قرآن…

    فاستدعاه النبي إليه، وراح يدعوه إلى القصد في عبادته..

    قال له الرسول عليه السلام: ((ألم أُخبَر أنك تصوم النهار، لا تُفطر، وتصلي الليل لا تنام..؟

    ((فحسبك أن تصوم في كل شهر ثلاثة أيام))..

    قال عبد الله: ((إني أطيق أكثر من ذلك)) ..

    قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين))..

    قال عبد الله: ((فإني أطيق أكثر من ذلك))..

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فهل لك إذن في خير الصيام، صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً…

    وعاد الرسول – عليه الصلاة والسلام – يسأله قائلاً:

    ((وعلمتُ أنك تجمع القرآن في ليلة

    وإني أخشى أن يطول بك العمر

    وأن تملَّ قراءته..!!

    اقرأه في كل عشرة أيام مرة..

    اقرأه في كل ثلاثٍ مرة ..

    ثم قال له: ((إني أصوم، وأُفْطِر..وأصلي، وأنام..وأتزوج النساء، فمن رغِبَ عن سُنَّتي، فليس مني)) .

    ولقد عمَّر عبد الله بن عمرو طويلاً.. ولما تقدمت به السنُّ ووهن منه العظم كان يتذكر دائماً نُصْحَ الرسول فيقول:

    ((يا ليتني قبلتُ رُخصة رسول الله))..

    * * *

    إن مؤمناً من هذا الطراز ليصعُب العثور عليه في معركة – أيّ معركة – تدور رحاها بين جماعتين من المسلمين.

    فكيف حملته ساقاه إذن من المدينة إلى ((صِفِّين)) حيث أخذ مكاناً في جيش معاوية في صراعه مع الإمام علي..؟

    الحق أن موقف عبد الله هذا ، جدير بالتدبُّر، بقدر ما سيكون بعد فهمنا له جديراً بالتوقير والإجلال..

    رأينا كيف كان عبد الله بن عمرو مقبلاً على العبادة إقبالاً كان يشكّل خطراً حقيقياً على حياته – الأمر الذي كان يشغل بال أبيه دائماً، فيشكوه إلى رسول الله كثيراً .

    وفي المرة الأخيرة التي أمره الرسول فيها بالقصد في العبادة وحدَّد له مواقيتها كان عمرو حاضراً، فأخذ الرسول يد عبد الله، ووضعها في عمرو بن العاص – أبيه - … وقال له: ((افعل ما أمرتك، وأطِعْ أباك)).

    وعلى الرغم من أن عبد الله، كان بدينه وبخُلقه، مطيعاً لأبويه فقد كان أمر الرسول له، بهذه الطريقة وفي هذه المناسبة ذا تأثير خاص على نفسه.

    وعاش عبد الله بن عمرو عمره الطويل لا ينسى لحظة من نهار تلك العبارة الموجزة.. ((افعل ما أمرتك، وأطِع أباك)) .

    * * *

    وتتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام

    ورفض معاوية بالشام أن يبايع عليّاً ..

    ورفض عليّ أن يُذعن لتمرد غير مشروع..

    وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين… ومضت ((موقعة الجمَل)).. وجاءت ((موقعة صفِّين)) .

    كان ((عمرو بن العاص)) قد اختار طريقه إلى جوار مُعاوية وكان يدرك مدى إجلال المسلمين لابنه عبد الله ومدى ثقتهم في دينه، فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية بذلك الخروج كثيراً…

    كذلك كان عمرو يتفاءل كثيراً بوجود عبد الله إلى جواره في قتال، وهو لا ينسى بلاءه معه في فتوح الشام، ويوم اليرموك.

    فحين همَّ بالخروج إلى صفّين دعاه إليه وقال له: يا عبد الله: تهيّأ للخروج، فإنك ستقاتل معنا..

    وأجابه عبد الله: ((كيف..؟ وقد عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أضع سيفاً على عُنق مسلم أبداً..؟؟

    وحاول عمرو بدهائه إقناعه بأنهم إنما يريدون بخروجهم هذا أن يَصلوا إلى قَتَلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزَّكيّ .

    ثم ألقى مفاجأته الحاسمة قائلاً لولده: ((أتذكر يا عبد الله، آخر عهدٍ عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك: أطِعْ أباك.؟؟

    ((فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتُقاتل)) .

    وخرج عبد الله بن عمرو طاعةً لأبيه، وفي عزمه ألا يحمل سيفاً ولا يقاتل مسلماً..ولكن، كيف يتم له هذا..؟؟

    حسبه الآن أن يخرج مع أبيه .. أما حين تكون المعركة فلله ساعتئذ أمر يقضيه..!

    ونَشبَ القتال حامياً ضارياً..

    ويختلف المؤرخون فيما إذا كان عبد الله قد اشترك في بدايته أم لا..

    ونقول: بدايته.. لأن القتال لم يلبث إلا قليلاً، حتى وقعت واقعة جعلت ((عبد الله بن عمرو)) يأخذ مكانه جهاراً ضد الحرب، وضدّ معاوية..

    وذلك أن عمّار بن ياسر كان يقاتل مع الإمام علي وكان ((عمار)) موضع إجلال مطلق من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.. وأكثر من هذا، فقد تنبأ في يوم بعيد بمصرعه وبقَتَلَته ..

    يتبع

  3. #43
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    Post رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    كان ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون مسجدهم بالمدينة إثر هجرتهم إليها .. وكانت الأحجار عاتية ضخمة لا يطيق أشد الناس قوة أن يحمل منها أكثر من حجر واحد .. لكن ((عمّاراً)) من فرط غبطته ونشوته، راح يحمل حَجَرين حجرين، وبَصُر به الرسول صلى الله عليه وسلم فتملاّه بعينين دامعتين وقال:

    ((وَيْحَ ابنَ سُمَيَّة، تقتُله الفئة الباغية)) .

    سمع كل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم المشتركين في البناء يومئذ هذه النبوءة، ولا يزالون لها ذاكرين.

    وكان عبد الله بن عمرو أحد الذين سمعوا.

    وفي بدء القتال بين جماعة علي وجماعة معاوية، كان ((عمّاراً)) يصعد الروابي العالية ويُحرِّض بأعلى صوته ويصيح : ((اليوم نلقى الأحِبَّة .. محمداً وصَحْبَه)) .

    وتواصى بقتله جماعة من جيش معاوية، فسدَّدوا نحوه رَمية آثمة، نقلته إلى عالم الشهداء الأبرار .

    وسرى النبأ كالريح أن عماراً قد قُتل ..

    وانتفض عبد الله بن عمرو ثائراً مُهتاجاً:

    أوَ قد قُتِل عمار..؟؟

    وأنتم قاتلوه..؟؟

    إذن، فأنتم الفِئة الباغية.

    أنتم المقاتلون على ضلالة .!!

    وانطلق في جيش معاوية كالنذير، يُثبط عزائمهم؛ ويهتف فيهم أنهم بُغاة، لأنهم قتلوا عماراً وقد تنبأ له الرسول منذ سبع وعشرين سنة على ملأ من أصحابه بأنه ستقتله الفئةُ الباغية..

    وحُملت مقالة عبد الله إلى معاوية، ودعا عَمراً وولده عبد الله، وقال لعمرو:

    ((ألا تكُفَّ عنا مجنونك هذا ..؟

    قال عبد الله: ((ما أنا بمجنون.. ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: تقتُلك الفئة الباغية)) .

    قال له معاوية: ((فلم خرَجْتَ معنا)) ..

    قال عبد الله: ((لأنّ رسول الله أمرني أن أطيع أبي .. وقد أطعته في الخروج، ولكني لا أقاتل معكم)) ..

    وإذ هما يتحاوران دخل على معاوية من يستأذن لقاتل عمّار في الدخول، فصاح عبد الله بن عمرو: ((ائذن له، وبَشّره بالنار)) .

    وأفلَتت مغايظ معاوية على الرغم من طول أناتِه، وسعَةِ حِلمه، وصاح بعمرو: ((أوَ ما تسمع ما يقول)) ..

    وعاد عبد الله في هدوء المتَقِين واطمئنانهم، يؤكد لمعاوية أنه ما قال إلا الحق، وأن الذين قتلوا عمّاراً ليسُوا إلا بُغاة ..

    والتفت صَوْب أبيه وقال:

    ((لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بطاعتك .. ما سرتُ معك هذا المَسير)) ..

    وخرج معاوية وعمرو يتفقدان جيشهما، فُروِّعا حين سمعا الناس جميعاً يتحدثون عن نبوءة الرسول لعمار: ((وتقتلُك الفئة الباغية)) .

    وأحسّ عمرو ومعاوية أن هذه الهمهمة تُوشك أن تتحول إلى نكوص عن معاوية وتمرّد عليه.. ففكرا حتى وجدا حيلتهما التي مضَيَا يَبُثَّانها في الناس ..

    قالا: ((نعم.. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمّار ذات يوم: تقتُلك الفِئَةُ الباغية..

    ونُبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حق..

    وها هو ذا عمّار قد قُتل..

    ((فمن قَتَله..؟؟

    ((إنما قتله الذين خرجوا به، وحملوه معهم إلى القتال))..!!!

    وفي مثل هذا الهرج يمكن لأي منطق أن يروج، وهكذا راج منطق معاوية وعمرو .. واستأنف الفريقان القتال..

    وعاد عبد الله بن عمرو إلى مسجده، وعبادته..

    * * *

    وعاش حياته لا يملؤها بغير مناسكه وتعبُّده ..

    غير أن خروجه إلى صفّين مجرّد خروجه، ظلّ مبعث قلق له على الدوام.. فكان لا تلُمُّ به الذكرى حتى يبكي ويقول:

    ((ما لي ، ولِصفِّين..؟؟

    ((ما لي، ولِقتال المسلمين))..؟؟

    * * *

    وذات يوم، وهو جالس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه مرَّ بهم ((الحسين بن علي)) – رضي الله عنهما - ، فتبادلا السلام …

    ولما مضى عنهم قال عبد الله لمن معه:

    ((أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء..؟

    ((إنه هذا الذي مرَّ بنا الآن.. الحسين بن علي ..

    ((وإنه ما كلَّمني منذ صفين …

    ((ولأَن يرضى عني، أحبُّ إليَّ من حُمر النَّعَم))..!!

    واتفق مع أبي سعيد الخُدري على زيارة الحسين..

    وهناك في ديار الحسين تمَّ لقاء الأكرمين..

    وبدأ عبد الله بن عمرو الحديث، فأتى على ذكر صِفين فسأله الحسين مُعاتباً:

    ((ما الذي حملك على الخروج مع معاوية))..؟؟

    قال عبد الله: ((ذات يوم شكاني عمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:

    ((إن عبد الله يصوم النهار كله.. ويقوم الليل كله.. فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم:

    يا عبد الله .. صَلِّ ونم.. وصم وأفطر.. وأطِع أباك…

    ولما كان يوم صفين أقسم عليَّ أبي أن أخرج معهم، فخرجت…

    ولكن ، والله ما اختَرَطتُ سيفاً، ولا طعنتُ برمح، ولا رميتُ بسهم))..!!

    * * *

    وبينما هو يتوقل الثانية والسبعين من عمره المبارك..

    وإذ هو في مُصلاه، يتضرَّع إلى ربّه، ويسبح بحمده، دُعِي إلى رحلة الأبد، فلبَّى الدعاء في شوق عظيم..

    وإلى إخوانه الذين سبقوه بالحسنى، ذهبت روحه تسعى وتطير ..

    والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى:


    ]يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي[ [الفجر: 27-30]

    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للكاتب الكبير خالد محمد خالد


    يتبع

  4. #44
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    عبد الله بن عمر بن الخطّاب

    تحدث وهو على قمّة عمره الطويل فقال:

    ((لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

    فما نكَثتُ ولا بدَّلتُ إلى يومي هذا …

    وما بايعتُ صاحب فتنة …

    ولا أيقظتُ مؤمناً من مرقده)) ..

    وفي هذه الكلمات تلخيص وثيق لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين ، والذي بدأت علاقته بالإسلام وبالرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو في الثالثة عشرة من عمره، حين صحب أباه إلى غزوة بدر؛ راجياً أن يكون له بين المجاهدين مكان، لولا أن ردَّهُ الرسول عليه السلام لصغر سنّه …

    من ذلك اليوم.. بل قبل ذلك اليوم ، حين صحب أباه في هجرته إلى المدينة .. بدأت صلة الغلام ذي الرجولة المبكرة بالرسول عليه السلام، وبالإسلام …

    ومن ذلك اليوم إلى اليوم الذي يلقى فيه ربه ، بالغاً من العمر خمسة وثمانين عاماً ، سنجد فيه حيثما نلقاه المثابر الأوَّاب الذي لا ينحرف عن نهجه قيدَ شعرة ، ولا يندُّ عن بيعة بايعها ، ولا يخيسُ بعهد أعطاه …

    وإن المزايا التي تأخذ الأبصار إلى عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – لكثيرة .

    فعلمه، وتواضعه، واستقامة ضميره، ونهجه، وجودُه، وورعه، ومثابرته على العبادة، وصدق استمساكه بالقدوة … كل هذه الفضائل والخصال ، صاغ ابن عمر منها ، وبها، شخصيته الفذّة ، وحياته الطاهرة الصادقة …

    لقد تعلّم من أبيه عمر بن الخطاب خيراً كثيراً .. وتعلّم مع أبيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير كله، والعظمة كلها …

    لقد أحسن كأبيه الإيمان بالله ، وبرسوله صلى الله عليه وسلم … ومن ثمَّ، كانت متابعته خُطى الرسول أمراً يبهر الألباب .

    فهو ينظر، ماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل في كل أمر، فيحاكيه في دقة وإخبات ..

    هنا مثلاً، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي .. فيصلي ابن عمر في ذات المكان ..

    وهنا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قائماً؛ فيدعو ابن عمر قائماً …

    وهنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو جالساً؛ فيدعو عبد الله جالساً …

    وهنا، وعلى هذا الطريق نزل الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً من فوق ظهر ناقته، وصلى ركعتين؛ فيصنع ابن عمر ذلك إذا جمعه سفر بنفس البقعة والمكان …

    بل إنه ليذكر أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ديارت به دورتين في هذا المكان بمكّة، قبل أن ينزل الرسول من فوق ظهرها، ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائياً لتهيّئ لنفسها مناخها .

    لكن عبد الله بن عمر لا يكاد يبلغ هذا المكان يوماً حتى يدور بناقته ثم يُنيخُها، ثم يصلي ركعتين لله… تماماً كما رأى المشهد من قبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ..!!

    ولقد أثار فَرطُ اتباعه هذا أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – فقالت:

    ((ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر)).

    ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق ، حتى لقد جاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول:

    ((اللهم أبقِ عبد الله بن عمر ما أبقيتني ؛ كي أقتدي به؛ فإني لا أعلم أحداً على الأمر الأول غيره)) .

    وبقوة هذا التحري الشديد الوثيق لخُطى الرسول وسنّته، كان ابن عمر يتهيّب الحديث عن رسول الله ، ولا يروي عنه عليه السلام حديثاً إلا إذا كان ذاكراً كل حروفه ، حرفاً .. حرفاً .

    وقد قال معاصروه:

    ((لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أشد حذراً من ألا يزيد في حديث الرسول أو ينقُص منه، من عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - ))..!!

    وكذلك كان شديد الحذر والتّحوّط في الفُتيا …

    جاءه يوماً سائل يستفتيه ، فلمّا ألقى على ابن عمر سؤاله ، أجابه قائلاً:

    ((لا عِلْمَ لي بما تسأل عنه)) .

    وذهب الرجل إلى سبيله .. ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفّيه جَذلان فَرِحاً ويقول لنفسه:

    ((سُئِل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا أعلم))..!!

    كان يخاف أن يجتهد في فتياه، فيخطئ في اجتهاده، وعلى الرغم من أنه يحيا وَفقَ تعاليم دين عظيم ، للمخطئ أجر، وللمصيب أجران، فإن وَرَعَه كان يسلبه الجسارة على الفُتيا .

    وكذلك كان يَنأى به عن مناصب القضاة …

    ولقد كانت وظيفة القضاء من أرفع مناصب الدولة والمجتمع، وكانت تضمن لشاغلها ثراءً، وجاهاً، ومجداً..

    ولكن ما حاجة ابن عمر الوَرع للثراء، وللجاه ، وللمجد..؟!

    دعاه يوماً الخليفة ((عثمان)) – رضي الله عنهما - ، وطلب إليه أن يشغل منصب القضاء ، فاعتذر .. وألَحَّ عليه عثمان، فثابر على اعتذاره..

    وسأله عثمان: أتعصيني؟؟

    فأجاب ابن عمر: ((كلا… ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة…

    قاض يقضي بجهل؛ فهو في النار ..

    وقاض يقضي بهَوىً؛ فهو في النار ..

    وقاض يجتهد ويصيب؛ فهو كفاف، لا وِزرَ، ولا أجر …

    وإني لسائلُكَ بالله أن تعفيني)) ..

    وأعفاه عثمان، بعد أن أخذ عليه العهد ألا يخبر بهذا أحداً .

    ذلك أن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس ، وأنه ليخشى إذا عرف الأتقياء الصالحون عزوفه عن القضاء أن يتابعوه وينهجوا نهجه، وعندئذٍ لا يجد الخليفة تقيَّاً يعمل قاضياً..

    وقد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – سِمَةً من سمات السلبية .

    بيد أنه ليس كذلك؛ فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليس هناك من يَصلح له سواه …

    بل كان كثيرون من أصحاب الرسول الورعين الصالحين ، وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتيا بالفعل ..

    ولم يكن في تخلِّي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء، ولا إلقاء بها بين أيدي الذين لا يصلحون لها .. ومن ثمّ فقد آثر البقاء مع نفسه، ينمِّيها ويزكيها بالمزيد من الطاعة ، والمزيد من العبادة …

    يتبع

  5. #45
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    كما أنه في ذلك الحين من حياة الإسلام ، كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال ، وكثرت المناصب والإمارات .

    وشرع إغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة، مما جعل بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم ابن عمر، يرفعون راية المقاومة لهذا الإغراء باتخاذهم من أنفسهم قُدوَةً ومثلاً في الزهد والوَرَع وفي العزوف عن المناصب الكبيرة ، وقهر فتنها وإغرائها …

    * * *

    لقد كان ابن عمر – رضي الله عنهما – أخا الليل يقومه مصلّياً … وصديق السحر يقطعه مستغفراً وباكياً …

    ولقد رأى في شبابه رؤيا، فسَّرها الرسول صلى الله عليه وسلم تفسيراً جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله، ومناط غبطته وحُبُوره .

    ولنصغِ إليه يحدثنا بنفسه عن نبأِ رؤياه:

    ((رأيتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعةَ إستبرق، وكأنني لا أريد مكاناً من الجنة إلا طارت بي إليه…

    ورأيت كأن اثنين أتياني ، وأرادا أن يذهبا بي إلى النار ، فتلقَّاهما مَلَك، فقال: لا تُرَعْ ، فخلَّيا عني .

    فقَصَّت حَفصةُ – أختي – على النبي صلى الله عليه وسلم رُؤياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نِعْمَ الرجلُ عبد الله ، لو كان يُصلّي من الليل فَيُكثِرُ)) ..

    ومن ذلك اليوم إلى أن لقيَ ربه، لم يدع قيام الليل في حِلِّه، ولا في ترحاله…

    فكان يصلّي ويتلو القرآن ، ويذكر ربه كثيراً.. وكان كأبيه، تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن.

    يقول ((عبيد بن عمير)): قرأت يوماً على عبد الله بن عمر هذه الآية:

    ]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً{41} يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً[ [النساء: 41-42]

    فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.

    وجلس يوماً بين إخوانه، فقرأ:

    ]وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ{1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ{2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ{3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ{4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ{5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[ [المطففين: 1-6]

    ثم مضى يردِّد الآية:

    ] يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[

    ودموعه تسيل؛ كالمطر... حتى وقع من كثرة وَجْدِه وبكائه..!!

    * * *

    ولقد كان جوده، وزهده، وورعه، تعمل معاً في فن عظيم؛ لتشكل أروع فضائل هذا الإنسان العظيم.. فهو يعطي الكثير؛ لأنه جواد..

    ويعطي الحلال الطيب؛ لأنه وَرع..

    ولا يبالي أن يتركه الجود فقيراً؛ لأنه زاهد..!!

    وكان ((ابن عمر)) – رضي الله عنهما – من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة، إذ كان تاجراً أميناً ناجحاً شطر حياته .. وكان راتبه من بيت المال وفيراً .. ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قطُّ، إنما كان يرسله غَدقاً على الفقراء، والمساكين ، والسائلين ..

    يحدثنا ((أيوب بن وائل الراسبي)) عن واحدة من مكرماته؛ فيخبرنا أن ابن عمر جاءه – يوماً – أربعة آلاف درهم، وقطيفة ..

    وفي اليوم التالي ، رآه ((أيوب بن وائل)) في السوق يشتري لراحلته علفاً نَسيئة؛ أي: دَيْناً ...

    فذهب ((ابن وائل)) إلى أهل بيته وسألهم: أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن – يعني ابن عمر- بالأمس أربعة آلاف ، وقطيفة..؟

    قالوا: بلى..

    قال: فإني رأيته اليوم بالسوق يشتري علفاً لراحلته ولا يجد معه ثمنه..

    قالوا: إنه لم يبت بالأمس حتى فرَّقها جميعاً، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره ، وخرج ..ثم عاد وليست معه، فسألناه عنها، فقال: إنه وهبها لفقير..!!

    فخرج ((ابن وائل)) يضرب كفّاً بكف، حتى أتى السوق فتوقَّل مكاناً عالياً، وصاح في الناس : ((يا معشر التّجار... ما تصنعون بالدنيا، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها، ثم يُصيح فيستدين علفاً لراحلته))..؟؟!!

    ألا إن من كان ((محمد)) صلى الله عليه وسلم أستاذه ... و((عمر)) أباه، لعظيم، وكفء لكل عظيم..!!

    إن جود عبد الله بن عمر، وزهده، وورعه، هذه الخصال الثلاث ، كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة .. وصدق البُنُوّة..

    فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه ليقف بناقته حيث رأى الرسول يوماً يقف بناقته. ويقول : ((لعل خُفّاً يقع على خفٍّ)).!

    والذي يذهب في بر أبيه وتوقيره والإعجاب به إلى المدى الذي كانت شخصية عمر تفرضه على الأعداء، فضلاً عن الأقرباء، فضلاً عن الأبناء..

    أقول: ما كان ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبداً .. ولقد كانت الأموال تأتيه وافرة كثيرة ..ولكنها تمر به مروراً.. وتعبر دياره عبوراً..

    ولم يكن جوده سبيلاً إلى الزهو، ولا إلى حسن الأحدوثة.

    ومن ثم ، فقد كان يخصُّ به المحتاجين والفقراء.. وقلّما كان يأكل طعاماً وحده.. فلا بدّ من أن يكون معه أيتام، أو فقراء .. وطالما كان يعاتب بعض أبنائه ، حين يولمون للأغنياء، ولا يأتون معهم بالفقراء، ويقول لهم:

    ((تَدْعُون الشِّباع.. وتَدَعون الجياع))..!!

    وعرف الفقراء عطفه، وذاقوا حلاوة برّه وحنانه، فكانوا يجلسون في طريقه؛ كي يصحبهم إلى دياره حين يراهم .. وكانوا يَحُفُّون به كما تحفُّ أفواج النحل بالأزاهير ترتشف منها الرحيق..!

    * * *

    يتبع

  6. #46
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    لقد كان المال بين يديه خادماً لا سيداً .

    وكان وسيلة لضرورات العيش، لا للترف .

    ولم يكن ماله وحده، بل كان للفقراء فيه حقٌّ معلوم ، بل حقٌّ متكافئ لا يتميز فيه بنصيب ..

    ولقد أعانه على هذا الجود الواسع زهده .. فما كان ابن عمر يتهالك على الدنيا ، ولا يسعى إليها ، بل لا يرجو منها إلا ما يستر الجسد من لباس ، ويقيم الأود من طعام ..

    أهداه أحد إخوانه القادمين من خراسان حُلّة ناعمة أنيقة، وقال له :

    لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل ..

    قال له ابن عمر: أرِنيه إذاً .

    ثم لمسه وقال: أحرير هذا ..؟؟

    قال صاحبه: لا... إنه قطن.

    وتملاّه عبد الله قليلاً، ثم دفعه بيمينه وهو يقول: ((لا.. إني أخاف على نفسي .. أخاف أن يجعلني مختالاً فخوراً.. والله لا يحب كل مختال فخور)).!!!

    وأهداه يوماً صديق وعاءً مملوءاً ..

    وسأله ابن عمر: ما هذا ..؟

    قال: هذا دواء عظيم جئتك به من العراق..

    قال ابن عمر: وماذا يُطَبِّب هذا الدواء..؟

    قال: يهضم الطعام..

    فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه: ((يهضم الطعام..؟؟ إني لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عاماً)).!!!

    إن هذا لم يشبع من طعام منذ أربعين عاماً، لم يكن يترك الشبع خصاصة.. بل زهداً، وورعاً، ومحاولة للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيه ..

    كان يخاف أن يقال له يوم القيامة:

    ]أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا[ [الأحقاف: 20]

    وكان يدرك أنه في الدنيا ضيف، وعابر سبيل ..

    ولقد تحدَّث عن نفسه فقال:

    ((ما وضعت لَبِنةً على لَبِنةٍ، ولا غرستُ نخلةً منذُ توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ..

    ويقول ميمون بن مهران:

    ((دخلت على ابن عمر، فقوَّمتُ كل شيء في بيته من فراش ، ولحاف، وبساط… ومن كل شيء فيه، فما وجدته يُساوي مئة درهم))..!!!

    لم يكن ذلك عن فقر .. فقد كان ابن عمر ثرياً ..

    ولا كان ذلك عن بخل .. فقد كان جواداً سخيّاً ..

    وإنما كان عن زهد في الدنيا، وازدراء للترف، والتزام لمنهجه في الصدق والورع ..

    ولقد عمَّر ابن عمر طويلاً، وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيه الأموال وانتشرت الضياع، وغطّى البذخ أكثر الدور.. بل قلْ أكثر القصور ..

    ومع هذا، بقي ذلك الطود الجليل شامخاً ثابتاً، لا يبرح نهجه ولا يتخلى عن ورعه وزهده .

    وإذا ذُكّر بحظوظ الدنيا ومتاعها التي يهرب منها قال:

    ((لقد اجتمعتُ وأصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم ألاّ ألحق بهم)) .

    ثم يُعلم الآخرين أنه لم يترك دنياهم عجزاً، فيرفع يديه إلى السماء ويقول:

    ((اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشاً في هذه الدنيا)) .

    * * *

    أجل… لولا مخافة ربه لزاحم في الدنيا، ولكان من الظافرين..

    بل إنه لم يكن بحاجة إلى أن يزاحم، فقد كانت الدنيا تسعى إليه وتطارده بطيباتها ومغرياتها..

    وهل هناك كمنصب الخلافة إغراء..؟؟

    لقد عُرِضَ على ابن عمر – رضي الله عنهما – مرات وهو يُعرضُ عنه .. وهُدِّد بالقتل إن لم يقبل ، فازداد له رفضاً، وعنه إعراضاً..!!

    يقول الحسن – رضي الله عنه - :

    ((لمّا قُتِلَ عثمان بن عفان، قالوا لعبد الله بن عمر: إنك سيدُ الناس، وابن سيّد الناس؛ فاخرج نُبايع لك الناس …

    قال: إني والله لئن استطعت ، لا يُهراق بسببي مِحجَمة من دم …

    قالوا: لَتَخرُجنَّ، أو لنقتلنك على فِراشك …فأعاد عليهم قوله الأول…

    فأطمَعُوه .. وخوّفوه..فما استقبلوا منه شيئاً))..!!

    وفيما بعد .. وبينما كان الزمان يمر، والفتن تكثر، كان ابن عمر دوماً هو الأمل ، فيلحُّ الناس عليه؛ كي يقبل منصب الخلافة، ويجيئوا له بالبيعة، ولكنه كان دائماً يأبى ..

    ولقد يشكل هذا الرفض مأخذاً يوجه إلى ابن عمر ..

    بيد أنه كان له منطقه وحجته .

    فبعد مقتل عثمان – رضي الله عنه - ، ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر بالسوء وبالخطر ..

    وابن عمر، وإن يك زاهداً في جاه الخلافة، فإنه يتقبل مسؤولياتها ويحمل أخطارها ، ولكن شريطة أن يختاره جميع المسلمين طائعين، مختارين، أما أن يُحمل واحد لا غير على بيعته بالسيف، فهذا ما يرفضه ويرفض الخلافة معه ..

    وآنئذٍ، لم يكن ذلك ممكناً.. فعلى الرغم من فضله، وإجماع المسلمين على حبه وتوقيره، فإن اتساع الأمصار، وتنائيها، والخلافات التي احتدمت بين المسلمين، وجعلتهم شيعاً تتنابذ بالحرب، وتتنادى للسيف، لم يجعل الجو مهيأ لهذا الإجماع الذي يشترطه عبد الله بن عمر ..

    لقيه رجل يوماً فقال له : ما أحد شرٌّ لأمّة محمد صلى الله عليه وسلم منك..!

    قال ابن عمر: ولِمَ..؟ فوالله ما سفكتُ دماءهم، ولا فرَّقتُ جماعتهم، ولا شققتُ عصاهم.. قال الرجل: إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنان..

    قال ابن عمر: ما أحب أنها أتتني، ورجل يقول: لا ، وآخر يقول: نعم .

    وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطاً طويلاً، واستقر الأمر لمعاوية..ثم لابنه يزيد من بعده.. ثم ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة؛ زاهداً فيها بعد أيام من توليها..

    حتى في ذلك اليوم، وابن عمر شيخ مسن كبير، كان لا يزال أمل الناس، وأمل الخلافة.. فقد ذهب إليه مروان وقال له:

    هلُمَّ يدك نبايع لك، فإنك سيد العرب وابن سيدها..

    قال له ابن عمر: كيف نصنع بأهل المشرق..؟

    قال مروان: نضربهم حتى يبايعوا ..

    قال ابن عمر: ((والله ما أحِبُّ أنها تكون لي سبعين عاماً، ويُقتلُ بسببي رجل واحد))..!!

    يتبع

  7. #47
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    فانصرف عنه مروان وهو ينشد:

    إني أرى فِتنــةً تغلي مراجلُها

    والمُلك بعـد أبي ليلى لمن غَلبا

    يعني بأبي ليلى؛ معاوية بن يزيد ..

    * * *

    هذا الرفض لاستعمال القوة والسيف، هو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار عليّ ، وأنصار معاوية، موقف العُزلة والحياد جاعلاً شعاره ونهجه هذه الكلمات:

    ((مَنْ قال: حيَّ على الصلاة أجَبتُه ..

    ومن قال: حيَّ على الفلاح أجبته ..

    ومن قال: حيَّ على قتلِ أخيك المسلم، وأخذِ مالهِ قلتُ: لا))..!!

    ولكنه في عزلته تلك وفي حياده، لا يمالئ باطلاً ..

    فلطالما جابَه معاوية وهو في أوج سلطانه بتحديات أوجعته وأربكته.. حتى توعده بالقتل ، وهو القائل: ((لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت))..!!

    وذات يوم، وقف الحجاج خطيباً، فقال: ((إن ابن الزبير حَرَّف كتاب الله)) !

    فصاح ابن عمر في وجهه: ((كذبت.. كذبت.. كذبت)) .

    وسُقط في يد الحجاج ، وصعقته المفاجأة، وهو الذي يَرهبه كل شيء، فمضى يتوعد ((ابن عمر)) بشَرِّ جزاء .

    ولوَّح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج، وأجابه والناس منبهرون: ((إن تفعل ما تتوعد به فلا عجب؛ فإنك سفيه مُسَلَّط))..!!

    ولكنه – برغم قوته وجرأته – ظل إلى آخر أيامه حريصاً على ألا يكون له في الفتنة المسلحة دور ونصيب، رافضاً، أن ينحاز فيها لأيّ فريق.. يقول أبو العالية البراء:

    ((كُنتُ أمشي يوماً خلف ابن عمر، وهو لا يشعر بي ، فسمعته يقول لنفسه:

    ((واضعين سُيوفهم على عَواتِقهم، يقتل بعضهم بعضاً يقولون:

    ((يا عبد الله بن عمر، أعطِ يدكَ))..؟!

    وكان يتفجر أسىً وألماً، حين يرى دماء المسلمين تسيل بأيديهم..!!

    وكان – كما قرأنا له في مفتتح حديثنا هذا عنه – ((لا يوقظ مؤمناً من مرقده)) .

    ولو استطاع أن يمنع القتال؛ ويصون الدم لفعل، لكنّ الأحداث كانت أقوى منه ، فاعتزلها .

    ولقد كان قلبه مع علي – رضي الله عنه - ، بل وكان معه يقينه فيما يبدو ، حتى لقد رُويَ عنه أنه قال في أخريات أيامه:

    ((ما أجِدُني آسى على شيء فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل مع علي ، الفئة الباغية))..!!

    على أنه حين رفض أن يقاتل مع الإمام علي الذي كان الحق له ، وكان الحق معه، فإنه لم يفعل ذلك هرباً، ولا التماساً للنجاة.. بل رفضاً للخلاف كله، والفتنة كلها، وتجنباً لقتال لا يدور بين مسلم ومشرك ، بل بين مسلمين يأكل بعضهم بعضاً ..

    ولقد أوضح ذلك تماماً حين سأله ((نافع)) فقال: ((يا أبا عبد الرحمن ، أنت ابن عمر .. وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأنت وأنت ؛ فما يمنعك من هذا الأمر – يعني نصرة علي - ..؟؟

    فأجابه قائلاً:

    ((يمنعني أن الله تعالى حرّم عليَّ دمَ المسلم؛ لقد قال – عزّ وجلّ- :

    ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ[ [البقرة: 193]

    ولقد فعلنا، وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أمّا اليوم، ففيمَ نقاتل..؟؟

    لقد قاتلت ، والأوثان تملأ الحرم .. من الركن إلى الباب، حتى نَضاها الله من أرض العرب .. أفأقاتل اليوم من يقول : لا إله إلا الله)).؟!

    هكذا كان منطقه ، وكانت حجته ، وكان اقتناعه..

    فهو إذاً لم يتجنب القتال ولم يشترك فيه، لا هروباً، أو سلبية، بل رفضاً لإقرار حرب أهلية بين الأمة المؤمنة، واستنكافاً عن أن يشهر مسلم في وجه مسلم سيفاً ..

    ولقد عاش عبد الله بن عمر طويلاً .. وعاصر الأيام التي فتحت فيها أبواب الدنيا على المسلمين ، وفاضت الأموال ، وكثرت المناصب ، واستشرت المطامع والرغبات ..

    لكنّ قدرته النفسية الهائلة ، غيرت كيمياء الزمن ..!! فجعلت عصر الطموح ، والمال ، والفتن .. جعلت هذا العصر بالنسبة إليه ، أيام زهد ، وورع ، وسلام، عاشها المثابر الأوّاب بكل يقينه، ونسكه، وترفّعه.. ولم يُغلب قطّ على طبيعته الفاضلة التي صاغها وصقلها الإسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاهقة ..

    لقد تغيرت طبيعة الحياة، مع بدء العصر الأموي، ولم يكن ثمَّة مفرٌّ من ذلك التغير.. وأصبح العصر يومئذ، عصر توسع في كل شيء .. توسُّع لم تستجب إليه مطامح الدولة فحسب ، بل مطامح الجماعة والأفراد أيضاً .

    ووسط لُجج الإغراء، وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع ، وبمغانمه ، ومباهجه – كان ابن عمر يعيش مع فضائله، في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدُّمه الروحي العظيم .

    ولقد أحرز من أغراضه حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروه فقالوا: ((مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل)) .

    بل لقد كان يطيب لهم حين يبهرهم ألقُ فضائله ، أن يقارنوا بينه وبين والده العظيم عمر ..فيقولون:

    ((كان عمر في زمان له فيه نُظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير)) ..!!

    وهي مبالغة يَغفرها استحقاق ابن عمر لها .. أما عمر فلا يقارن بمثله أحد .. وهيهات أن يكون له في كل عصور الزمان نظير ..

    * * *

    وفي العام الثالث والسبعين للهجرة.. مالت الشمس للمغيب، ورَفعت إحدى سفن الأبدية مراسيها، مبحرة إلى العالم الآخر والرفيق الأعلى ، حاملة جثمان آخر ممثل لأيام الوحي – في مكّة والمدينة – عبد الله بن عمر بن الخطّاب ..





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للكاتب الكبير خالد محمد خالد

    يتبع

  8. #48
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    نَسِيبَة المَازِنِيَّة

    * * *

    ((ما التفتّ يوم أُحُد يميناً ولا شمالاً إلا ورأيتُ أمّ عُمَارة تُقاتل دوني)) [رسول الله صلى الله عليه وسلم]

    ………





    ((أنتم على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة في آخر الثلث الأوّل من الليل)) .

    أسرّ مصعب بن عُمير بهذه الكلمة إلى واحد من مُسلِمي ((يثرب)) ، فسرى الخبر بينهم سرَيَان النّسيم في سُرعةٍ ، وخِفّةٍ ، وهدوء .

    وأحيط به المسلمون الذين تسلّلوا من المدينة ، واندسّوا بين جموع حجّاج المشركين الوافدين على مكّة من كل صوب .

    وأقبل الليل فاستسلم حُجّاج المشركين إلى النوم … وجعلوا يغُطّون في نوم عميق بعد يوم جاهد متعب قضوه في التّطواف حول الأوثان … والذّبح للأصنام …

    لكِنّ أصحاب مصعب بن عُمير مِن مُسلِمي ((يثرب)) لم يغمض لهم جفن … وكيف لِجفونهم أن تغمُضَ؟.! .

    وقلوبهم تخفق بين فرحة باللقاء الذي قطعوا من أجله الصحاري الواسعة والأراضي الجرداء ، وأفئدتهم تكاد تطير من بين ضلوعهم شوقاً لرؤية نبيّهم الحبيب صلوات الله وسلامه عليه .

    فقد آمن به أكثرهم قبل أن يسعدُوا بلُقياه …

    وتعلّقوا به قبل أن تكتحل أعينهم بمرآه …

    * * *

    وفي آخر الثلث الأوّل من أوسط أيام التشريق ، وعند ((العقبة)) في ((مِنَى)) تمّ اللقاء الكبير في نجوة مِن قريش …

    فلقد تقدّم اثنان وسبعون رجلاً من النبي صلوات الله وسلامه عليه … ووضعوا أيديهم في يديه واحداً بعد آخر مبايعين على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه نساءهم وأولادهم …

    ولمّا انتهى الرجال من البيعة تقدّمت امرأتان فبايعتا على ما بايع عليه الرجال … ولكن من غير مُصافحة … ذلك لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُصافح النّساء .

    وقد كانت إحدى هاتين المرأتين تعرف بأمّ منيعٍ ـ أمّ مَنيع: هي أسماء بنت عمرو بن عدي بن ياسر الأنصارية السلمية ؛ أمّ الصحابي مُعاذ بن جبل ـ … أمّا الأخرى فهي نسيبة بنت كعب المازنيّة المُكنّاة بأمّ عُمَارة .

    * * *

    عادت أم عمارة إلى يثرب فَرِحةٍ بما أكرمها الله به من لقاء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ؛ عاقدةٍ العزم على الوفاء بشروط البَيْعَة … ثمّ مضت الأيّام سِراعاً ، حتّى كان يوم ((أُحُدٍ)) ، وكان لأمّ عُمارة فيه شأن وأيّ شأن ؟! …

    خرجت أمّ عمارة إلى أُحُدٍ تحمل سقاءَها لتروي ظمأ المجاهدين في سبيل الله .

    ومعها لفائفها لتضمّد جراحهم … ولا عجب فقد كان لها في المعركة زوج وثلاثة أفئدة : هم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ووَالدها حبيبُ بن زيد ، وعبد اللهِ … وذلك بالإضافة إلى إخوتها من المسلمين الذّائدين عن دين الله المُنافحين عن رسول الله .

    ثمّ كان ما كان يومَ ((أحُدٍ)) … فلقد رأت أمّ عُمارة بعينيها كيف تحوّل نصرُ المسلمين إلى هزيمة كبرى … وكيف أخذ القتلُ يشتدّ في صفوف المسلمين فيتساقطون على أرض المعركة شهيداً إثر شهيد …

    وكيف زُلزِلت الأقدام ، فتفرّق الرجال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى لم يبق معه إلا عشرة أو نحو من عشرة … ممّا جعل صارخَ الكُفّار يُنادي :

    لقد قُتِل محمد … لقد قتل محمد …

    عند ذلك ألقت أمّ عُمارة سقاءها ، وانبرت إلى المعركة كالنّمرة التي قُصِد أشبالها بِشرّ …

    ولنترك لأمّ عُمارة نفسها الحديث عن هذه اللحظات الحاسمات ، فليس كمِثلها من يستطيع تصويرها بدِقّةٍ وصدقٍ .

    قالت أمّ عُمارة :

    خرجتُ أوّل النّهار إلى ((أحُدٍ)) ومعي سقاء أسقي منه المُجاهدين حتّى انتهيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنصر والقوّة له ولِمَن معه …

    ثمّ ما لبِثَ أنِ انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما بقيَ إلا في نفر قليل ما يزيدون على العشرة … فمِلتُ إليه أنا وزوجي … وأحطنا به إحاطة السّوار بالمعصم ، وجعلنا نذُودُ عنه بسائر ما نملِكه من قوّة وسلاح …

    ورآني الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولا تُرسَ معي أقي به نفسي من ضربات المشركين .

    ثمّ أبصر رجلاً مولّياً ومعه تُرسٌ فقال له :

    ((اِلْقِ تُرسكَ إلى مَن يُقاتل)) فألقى الرجل تُرسه ومضى … فأخذته وجعلت أتترّس به عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

    وما زلت أضارب عن النبي بالسيف … وأرمي دونه بالقوس حتّى أعجزتني الجراح ..

    وفيما نحن كذلك أقبل ((ابن قَمِئَة)) كالجمل الهائج وهو يصيح :

    أين محمد ؟ … دُلّوني على محمد .

    فاعترضتُ سبيله أنا ومصعب بن عُمير ، فصرع مُصعباً بسيفه وأرداه قتيلاً … ثمّ ضربني ضربةً خلّفت في عاتِقي جُرحاً غائراً … فضربته على ذلك ضربات ، ولكِنّ عدوّ الله كانت عليه دِرعان … ثمّ أتبعت نسيبة المازنيّة تقول :

    وفيما كان ابْني يُناضل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرَبَهُ أحدُ المشركين ضربةً كادت تقطع عضُده … وجعل الدم يتفجّر من جرحه الغائر …

    فأقبلت عليه ، وضمّدت جُرحه ، وقلت له :

    اِنهض يا بُنيّ وجالِد القوم …

    فالتفتَ إليَّ الرسول صلوات الله وسلامه عليه وقال :

    ((ومَن يُطيقُ ما تُطيقين يا أمّ عُمارة)) ؟! .

    ثمّ أقبل الرجل الذي ضرب ابني ، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام :

    ((هذا ضارِبُ ابنكِ يا أمّ عُمارة)) .

    فما أسرع أن اعترضت سبيله وضربتُهُ على ساقه بالسيف ؛ فسقط صريعاً على الأرض …

    فأقبلنا عليه نتعاوره بالسيوف ونطعنهُ بالرّماح حتّى أجهزنا عليه ، فالتفتَ إليّ النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم مُبتَسماً وقال :

    ((لقد اقتصَصْتِ منهُ يا أمّ عُمارة …

    والحمد لله الذي أظفركِ به …

    وأراكِ ثأركِ بعينِكِ)) .

    * * *



    يتبع

  9. #49
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    لم يكن ولدا أمّ عُمارة أقلّ شجاعة وبذلاً من أمّهما وأبيهما ، ولا أدنى تضحيةً وفداءً منهما … فالولدُ سِرّ أمّه وأبيه ، وصورة صادقة عنهما .

    حدّث ابنها عبد الله قال :

    شهِدتُ ((أحُداً)) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمّا تفرّق الناس عنه دنَوتُ منه أنا وأمّي ندافع عنه ، فقال :

    ((اِبنُ أمّ عُمارة؟)) .

    قلتُ : نعم .

    قال : اِرمِ …

    فرميتُ بين يديه رجلاً من المشركين بحجرٍ فوقع على الأرض ، فما زلتُ أعلوه بالحجارة حتى جعلتُ عليه منها حِملاً ، والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر إليّ ويبتسم …

    وحانت منه التفاتة فرأى جُرح أمّي على عاتقها يتصبّب منه الدم فقال :

    ((أمّكَ … أمّكَ … اِعصِب جُرحها ، بارك الله عليكم أهل بيتٍ …

    لَمُقامُ أمّكَ خيرٌ من مَقامِ فلانٍ وفلان … رحِمكم اللهُ أهلَ بيتٍ)) .

    فالتفتت إليه أمّي وقالت :

    اِدعُ الله لنا أن نُرافِقكَ في الجنّةِ يا رسول الله .

    فقال :

    ((اللهمّ اجعلهُم رُفقائي في الجنّة)) .

    فقالت أمّي : ما أبالي بعد ذلك ما أصابني في الدنيا .

    ثمّ عادت أمّ عُمارة مِن ((أحُدٍ)) بجُرحها الغائر وهذه الدعوة التي دعا لها بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم .

    وعادَ النبي عليه الصلاة والسلام مِن ((أحُدٍ)) وهو يقول :

    ((ما التَفتّ يومَ أحُدٍ يميناً ولا شِمالاً إلا ورأيتُ أمّ عُمارةَ تقاتِلُ دُوني)) .



    * * *

    تمرّست أمّ عُمارة يوم أحُدٍ على القتال ؛ فأتقنته … وذاقت حلاوة الجهاد في سبيل الله ؛ فما عادت تُطيق عنه صبراً .

    وقد كُتِبَ لها أن تشهد مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه أكثر المشاهد …

    فحضرت معه الحُدَيبيّة ، وخَيبَراً … وعُمرَةَ القَضيّةَ ، وحُنَينَاً … وبيعَةَ الرّضوان …

    ولكنّ ذلك كلّه لا يُعدّ شيئاً إذا قيسَ بما كان منها يوم ((اليمَامَةِ)) على عهد الصّدّيق رضي الله عنها وعنه .

    * * *

    تبدأ قصّة أمّ عُمارة مع يوم ((اليمامة)) مُنذ عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه .

    فقد بعث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ابنها حبيب بن زيد برسالة إلى مُسيلَمَة الكذّاب … فغدر مُسيلمة بحبيب وقتلَه قتلةً تقشعرّ منها الجلود .

    ذلك أنّ مسيلمة قيّد حبيباً ثمّ قال له : أتشهدُ أنّ محمداً رسول اللهِ ؟ .

    فقال : نعم .

    فقال مسيلمة : أتشهدُ أنّي رسول اللهِ ؟ .

    فقال : لا أسمع ما تقول .

    فقطعَ منه عُضواً … ثمّ ما زال مُسيلمة يعيد عليه السؤال نفسه ، فيردّ عليه الجواب نفسه … لا يزيد عليه ولا ينقص …

    وكان في كلّ مرّة يقطع منه عضواً حتّى فاضت روحه الطّاهرة ، وذلك بعد أن ذاق من العذاب ما تتزلزلُ منه الصخور الصلبة .

    * * *

    نعى النّاعي حبيب بن زيد إلى أمّه نسيبة المازنيّة ما زادت على أن قالت :

    من أجلِ مثل هذا الموقف أعدَدتُهُ … وعِند اللهِ احتسبته …

    لقد بايع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة صغيراً … ووفى له اليوم كبيراً …

    ولئن أمكنني اللهُ مِن مُسيلمة لأجعلنّ بناتِهِ يلطمنَ الخدود عليه …

    * * *

    لم يبطئ اليوم الذي تمنّته نسيبة كثيراً … حيث أذّن مؤذن أبي بكر في المدينة أن حيّ على قتال المُتنَبّئ الكذّاب مُسيلمة …

    فمضى المسلمون يحثّون الخُطا إلى لِقائه ، وكان في الجيش أمّ عُمارة المُجاهدة الباسلة ووَلدها عبد الله بن زيد .

    ولمّا التقى الجمعان وحمِيَ وطيس المعركة كان يترصّد لِمُسيلمة نفرٌ من المسلمين وعلى رأسهم أمّ عُمارة التي تُريد أن تنتقم لابنها الشّهيد … ووحشي بن حربٍ قاتل حمزة يوم ((أحُدٍ)) … فقد كان يُريدُ أن يقتل شرّ الناس وهو مؤمن ؛ بعد أن قتل أحد أخيار الناس وهو مُشرِك .

    * * *

    لم تستطيع أمّ عُمارة أن تصِلَ إلى مُسيلمة بعد أن قُطِعت يدهَا في المعركة … وأثخنتها الجراح …

    لكنّ وحشي بن حرب ، وأبا دُجانة صاحب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلا إلى مُسيلمة وضرباه عن يدٍ واحدةٍ …

    فقد طعنهُ وحشي بالحربةِ … وضربَهُ أبو دُجانة بالسيف .. فخَرَّ صريعاً في طرفةِ عينٍ .

    * * *

    عادت أمّ عُمارة بعد ((اليمامة)) إلى المدينة بيدٍ واحدةٍ ومعها ابنُها الوحيد .

    أمّا يدُها الأخرى فقد احتسبتها عند الله كما احتسبت مِن قبل ولدها الشّهيد .

    ولِمَ لا تحتسِبهما ؟!

    ألم تقُل للرسول عليه الصلاة والسلام : اِدعُ الله لنا أن نُرافِقَكَ في الجنّة …

    فقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه : ((اللهمّ اجعلهم رَفاقي في الجنّة)) .

    فقالت : ما أبالي بعدَ ذلك ما أصابني في الدنيا …

    * * *



    رضِيَ الله عن أمّ عُمارة وأرضاها ؛ فقد كانت طِرازاً فرَيداً بينَ النّساءِ المؤمناتِ …

    وأنمُوذجاً فذاً بينَ المُجاهِداتِ الصّابِراتِ .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابيات للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  10. #50
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها

    …….



    سيدة أبوها عظيم ؛ وزوجها عظيم ؛ وابنها عظيم ، وهي عظيمة في مواهبها ومواقفها ، عظيمة في نفسها وفي أعمالها .

    سيدة ذات مبدأ وفت له وثبتت عليه . سيدة في أجلّ الاحداث ، في السلم وفي الحرب . سيدة كانت ربّة بيت صبرت على مرِّه ولم تبطر بحلوه . سيدة كان لها من نبل القلب ، وكبر العقل ، وثبات الاعصاب ؛ ما لم يكن مثله الا للقليل من عظماء الرجال .

    وفي سيرتها بُعد عبرة للنساء ، وأمل لمن ابتليت بالفقر من الزوجات ، وإثبات لمن يحتقر النساء … أنّ المرأة قد تكون أعقل وأنبل من الرجال ، وبيان لمن لا يريد بالمرأة إلا أن تكون متعة ، لا همَّ لها الا زينتها وتبرّجها ، إنها قد تترفّع عن زخارف الأزياء ؛ وألاعيب النساء ، حتى تكون ركنا في بناء الأمة ، وعونا على تحقيق مثلها العليا .

    هذه السيدة يا أيها السادة …

    أبوها المسلم الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ شيخ الإسلام أبو بكر ، وزوجها حواري رسول الله وأوّل من سلَّ سيفا في سبيل الله ؛ رائد الجهاد ؛ البطل السمح الكريم ..الزبير . وابنها الفارس البطل الشهيد ؛ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير .

    وهي أسماء ذات النطاقين ، أسماء العظيمة ، العجوز التي وقفت يوم مقتل ابنها موقفا لا تقوى عليه صناديد الرجال . وهي أخت عائشة الكبرى .

    أسلمت بعد سبعة عشر انسانا ، فكانت في طليعة جيش الحق والهدى ، جيش الاسلام الذي ملأ الأرض نورا ، وبايعت الرسول عليه الصلاة والسلام على الوفاء لشرعة السماء والثبات عليها ، وبلغ من عمق الايمان في نفسها ؛ أنها لما رأت الايمان قد تعارض مع أقوى عواطف النفس البشرية ، مع حب الأم غلَّبت إيمانها على عاطفتها .

    جاءت أمها تزورها وكانت مشركة لم تدخل بعد في الاسلام ، فهشت للقائها بعد طول الفراق، وتفتح لها قلبها وقفز ليكون بريقا في عينيها ، وابتساما في شفتيها وتحية حلوة على لسانها ، وضمّة دافئة في ذراعيها ، ثم ذكرت ان أمها مشركة ، وأن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب ، وأن الله تعالى يقول :

    ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ) المجادلة : آية 22

    فتراخت الذراعان واغضت العينان وجمدت التحية على اللسان ، وأرسلت الى عائشة أن اسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أأصل أمي وهي مشركة وأستقبلها ؟؟

    فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : نعم صلي أمك واستقبليها .

    وعلّمها أن الاسلام لا يحول أبدا دون عواطف الخير والشر ، ولا يقتل أبدا دوافع النبل في النفوس .

    وكان ايمانها كعقلها ، وكانت متحكّمة دائما في أعصابها .

    لما كانت الهجرة حمل أبو بكر ماله كله معه ، لا ليحرم منه أسرته بل ليعين به محمدا على دعوته التي كان يراها أولى من نفسه و أسرته … وبلغ ذلك أبا قحافة والد أبا بكر ، وكان مكفوف البصر فجاء متأسفا غضبان وقال :

    ما أراه إلا قد فجعكم بماله ، كما فجعكم بنفسه .

    قالت : لا يا جدّي .

    وأخذت حجارة فوضعتها في كيس كان يضع ماله فيه ، وألقته في صندوقه ، وقالت : تعال انظر .

    ووضعت يده على الكيس … فقال : إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن .

    وكانت الهجرة وهي حادث هين في ذاته ، رجلان خرجا من مكة الى يثرب يخرج كثير مثلهما كلّ يوم ومن كل بلد ، من يوم خلق الله الدنيا وحتى يأذن في خرابها ، .. ولكنه عظيم في نتائجه ، لأنه لم يكم سفرا من بلد الى بلد ، بل انتقال الدعوة من طور الى طور ، من طور الاسرار والضعف ، الى طور الاعلان والقوة ؛ طور الظفر والعلاء .

    وما كان لمحمد موكب تخفق فيه على رأسه الرايات ، وتقرع أمامه الطبول ، وتمشي وراءه الجند ، وما كان في موكبه الا هو وصاحبه الدليل ، ولكن كانت تمشي فيه الملائكة وتحف به الرحمة ، ويهرب من أمامه الماضي الأسود ويتبعه المستقبل المنير . موكب ما مشى من مكة الى يثرب فقط ، بل الى دمشق والبصرة والكوفة ، ثم الى بغداد والقاهرة ، ثم الى قرطبة وسمرقند والهند ، إلى الدنيا العريضة التي حمل اليها أتباع محمد الخير والهدى ، حين حملوا اليها الاسلام ، ثم مشى في الزمان الى العصور الآتيات الى ساحات الخلود ….

    موكب كان فيه رجلان وامرأة ، امرأة نابت عن النساء حين مثّلتهنّ في هذا الموقف العظيم ، امرأة لم تقطع معهما الطريق كله ، ولكن أمدّتهما بالطعام والزاد ، وكذلك تصنع المرأة اذا لم تصل مع الرجل الى كل ميدان وصل اليه ، فإن لها الفضل في إمداده وعونه ، فلولا المرأة ( المرأة أمّا والمرأة زوجا وسكنا ) ما استطاع الرجال خوض هذه الغمرات .

    كانت أسماء تعدّ الطعام وتحمله الى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ؛ وهما في الغار ، وتمزّقت مرة سفرتها (السفرة : زاد المسافر أو وعاء الزاد) فشقت نطاقها ( زنارها) لقسمين ، فربطتها بواحد وانتطقت ( أي تمنطقت)بالآخر فسميت ذات النطاقين .

    وكانت تعدّ الطعام لهما ذات مرة ، فجاءها أبو جهل وأصحابه ، في زهوه الباطل وكبره السخيف ، فسألها عن أبيها ،

    وكانت الهجرة سرّا في مكة لا يعرفها الا رجل وامرأة ؛ عليّ وأسماء ، فأبت أن تذيع السر ، فهدّدها فلم تخف ، فرفع يده فضربها وهي حامل . وكذلك يفعل الجبان … عجز عن أن يضرب الرجال فضرب امرأة حاملا .

    وكذلك يفعل الجبناء في كل عصر … عجز اليهود عن مواجهة الابطال في الحومة فواجهوا العجائز والاطفال في دير ياسين ، ولكن ضربة أبي جهل دمّرت الشرك ، وذكرى دير ياسين ستدمر صهيون .

    ولحقت أباها ، ودخلت في الموكب القدسيّ الأنور ، موكب الهجرة ، حتى اذا قطعت الصحراء المقفرة ، وأشرفت على أوائل النخيل في قباء ، وضعت عبد الله ، فكان أوّل مولود في الاسلام ، وكان عيد ميلاده هو عيد ميلاد الحضارة واليُمن والخير.

    يا سادتي … لما تزوج الزبير أسماء ، لم يكن له في الدنيا شيء لا مال ولا عقار ، ليس له الا فرسه ، فلم يكن عليها أن تصبر على الفقر فقط ، ولا أن تروّض نفسها على الحرمان وتخدم زوجها وحده ، بل كان عليها أن تخدم هذا الفرس ؛ تمشي تجمع له نوى التمر ، ثم تدق النوى وتعلف الفرس .

    وصبرت على هذا كله ، وكانت مطيعة لزوجها حريصة على مرضاته .

    رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة وهو على ناقته ، وهي تحمل النوى ، وهي أخت زوجته ، وزوجة ابن عمته ، فقال لناقته : اخ اخ . ينيخها ليُركِبها معه . قالت : فذكرت غيرة الزبير فأبيت .

    أبت أن تركب مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، الطاهر المطهّر المعصوم ، خوف سخط زوجها ، وما كان زوجها ليسخط ولكنها المبالغة في مرضاته .

    ولما أعطاها أبوها خادما يرعى الفرس ، رأت نفسها قد غدت ملكة .

    يا أيتها القارئة … يا من لها زوج فقير ، فهي تتألم للحرمان وتكاد تذم القدر ، اسمعي بقية الخبر …

    إنها صبرت على هذا كله ، فكانت العاقبة أنها اغتنت ، وانصبّت عليها وعلى زوجها النعم ، حتى لما مات كانت تركته ….. أتدرون كم ؟!

    خمسة ملايين درهم ومئتي ألف فقط لا غير … لم يجمعها من الحرام ، ولا من أخذ أموال الناس ، ولا لأنه قعد في المجلس فدرّس ووعظ وقال أنا حواري رسول الله وابن عمته فأعطوني ، بل تاجر مثلما تاجر عبد الرحمن بن عوف والصحابة ، وصار كما صار الكثيرون منهم من أصحاب الملايين .

    وكذلك كان المسلمون ، كانوا رجال دنيا ودين ومال وتقى ، كانوا جناََ َ في النهار ورهباناَ َ في الليل .

    وكان الزبير مع ذلك سمحا كريما ، كان له هذا المال وكان له ألف مملوك يشتغلون لحسابه ، ولم تجب عليه زكاة لأنه لم يدّخر شيئا . أما هذه السيدة الفاضلة فلم تخجل أولا من فقر زوجها ، ولم تبطر بغناه ، وبقيت كما كانت امرأة خير وبر وإحسان .

    وكانت في شجاعتها أخت الرجال ، مثل حماتها صفيّة بنت عبد المطلب ، شاركت يوم اليرموك في القتال وفعلت فعل الأبطال .

    ولما كانت الفتنة أيام سعيد بن العاص ، واضطرب حبل الأمن ، أخذت خنجرا فجعلته على جنبها لتدافع به عن نفسها و بيتها ، ولو أن كل فتاة تعرف كيف تدافع عن نفسها ؛لا بالخنجر ، فما نحتاج الان الى الخناجر ، بل بأن تمشي مرفوعة الرأس ثابتة النظر ، شاعرة بالكرامة ، وبأن ترد كل متعرض لها طامع فيها ، كما ترد الكلب العقور ، لذهب من الارض ثلاثة أرباع الفساد .

    وكانت فصيحة بينة ، أديبة شاعرة ، ولها في رثاء زوجها مقطوعات .

    وهاكم موقفها العظيم حقا ، الموقف الذي لم تقفه امرأة أخرى ، وهل سمعتم أن أمّاَ َ تحكم على ولدها بالموت؟!

    كان عبد الله قد ملك الحجاز والعراق وفارس وخراسان ، وانقادت له مصر ، وكان له في الشام حزب ، والتقت في كفه أطراف دنيا الاسلام ، ولم يبق لبني أمية الا قليل من الشام ، ثم تقلّص هذا الملك وانتقص من أطرافه وضاقت دنياه باتساع دنيا بني أمية ، فلم يبق من جيشه الذي خفقت راياته على المشرق والمغرب الا نفر يحيطون به في الحرم ؛ هذا كل ما بقي له . والمنجنيق ينزل عليه والعدو يحيط به ، وعرض عليه الفرار فأباه ، ولم يرض أن يختم هذه الحياة الطويلة الحافلة بالبطولات والأمجاد بأبشع خاتمة ، بل آثر أن يموت ميتة أبيه ؛ أن يسقط في المعركة الحمراء وسط المعمعة في الحرب الشريفة ، وأن يغسل بالدم ويوسد تراب الحرم . وذهب يودّع أمه ويستشيرها ، وكانت عجوز مكفوفة قد قاربت المئة ، وقال لها :

    يا أم ، قد خذلني الناس ؛ حتى أهلي وولدي ، ولم يبق لي أمل ، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟

    وترددت الأم ، وذكرت في لمحة مولده في قباء وذكرت نشأته وقلّبت حياته صفحة صفحة ، فكادت تغلبها نفسها وعاطفتها ، ثم ذكرت أن هذه الحياة التي تختارها لولدها ؛ حياة تسلبه مجده وكرامته ، والموت خير من حياة بلا كرامة ولا مجد . فتشددت وتثبتت وقالت :

    لا يتلاعبن بك صبيان بني أمية … عشت كريما فمت كريما .

    أعطت الأم قرارها وحكمت على ولدها بالموت ، وهي تنتزع مع كل حرف من هذه الجملة قطعة من روحها ، فكأنها لم تحكم عليه وحده ؛ بل حكمت على نفسها أيضا بالموت . وضمته إليها تتحسّسه وتشمه ، تأخذ من هذه اللحظات الذخر الوحيد الذي ستعيش به بقية أيامها . ولما انصرف أحسّت في قلبها بفراغ لا يسدّه شيء ، شعرت أنه لم يبق لها قلب .

    أما إن هذا الموقف لو كان لامرأة فرنسية أو إنكليزية لنظمت فيه مئة قصيدة ، وألّفت فيه مئة قصة ، ولكن أسماء كانت عربية مسلمة ، والعرب قد أضاعوا بيانهم وأدبهم مع ما أضاعوا من تراث الجدود .

    هذه أسماء السيدة الجليلة التي يتشرف بها تاريخ الأمة الذي تكون سيرتها فيه !

    رحم الله السيدة أسماء وأعلى في الجنان منازلها



    المصدر

    كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله

    يتبع

صفحة 5 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سحابة الأحساء الإستوائيه الغزيره الجمعه 21-5-1433هـ
    بواسطة النايفه في المنتدى المواسم والفلك
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2012-04-15, 13:47

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •