جمعية تحفيظ القرآن بالرياض
صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 40 من 55
صحابة وصحابيات
  1. #31
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    أبو موسى الأشعريُّ

    الإخلاصُ .. ولْيَكُن ما يكون





    عندما بعثه أمير المؤمنين ((عمر بن الخطاب)) إلى البصرة ؛ ليكون أميرها وواليها ، جمع أهلها ، وقام فيهم خطيباً ، فقال:

    ((إنَّ أمير المؤمنين ((عمر)) بعثني إليكم؛ أعلِّمكم كتاب ربّكم، وسنَّة نبيِّكم، وأنَظّف لكم طرقكم)) ..!!

    وغَشِيَ النََّاس من الدَّهش والعجب ما غَشِيَهُم؛ فإنَّهم لَيَفْهَمُونَ كيف يكون تثقيف النَّاس وتفقيههم في دينهم من واجبات الحاكم والأمير؟ أمّا أن يكون من واجباته تنظيف طرقاتهم؛ فذاك شيء جديد عليهم بل مُثير وعجيب!!..

    فمن هذا الوالي الَّذي قال عنه الحسن ـ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ـ :

    ((مَا أتَى البَصْرَةَ رَاكِبٌ خَيْرٌ لِأهلِهَا مِنْهُ))..؟؟

    * * *

    إنَّه ((عبد الله بن قيس)) المكنّى بـ ((أبي موسى الأَشْعَرِيِّ))..

    غادر ((اليمن)) بلده ووطنه إلى ((مكَّة)) فَوْرَ سماعه برسولٍ ظهر هناك يهتف بالتَّوحيد، ويدعو إلى الله على بصيرة، ويأمر بمكارم الأخلاق..

    وفي مكَّة جلس بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتَلَقَّى عنه الهدى واليقين..

    وعاد إلى بلاده يحمل كلمة اللَّه، ثمَّ رجع إلى الرسول عليه السلام إثر فراغه من فتح خَيْبَر ..

    ووافق قدومه قدوم ((جعفر بن أبي طالب))، مُقبلاً مع أصحابه من الحبشة، فأسْهَم

    الرسول صلى الله عليه وسلم لهم جميعاً ..

    وفي هذه المرَّة لم يأت ((أبو موسى)) وحده؛ بل جاء معه بضعة وخمسون رجلاً من أهل اليمن الذين لقّنهم الإسلام، وأخَوان شقيقان له؛ هما: أبو رُهْم، وأبو بُردَة ..

    وسمَّى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الوفد . . بل سمَّى قومهم جميعاً بالأشْعَريِّين..

    ونعتهم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأنَّهم أرقُّ النَّاس أفئدة ..

    وكثيراً ما كان يضرب بِهِمُ المثل الأعلى لأصحابه، فيقول فيهم وعنهم: ((إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَاْ أَرْمَلُوا في غَزْو، أَوْ قَلَّ في أَيْدِيهِمُ الطَّعَامُ، جَمَعُوا مَا عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي، وأَنا مِنْهُم))..!!

    * * *

    ومن ذلك اليوم أخذ ((أبو موسى)) مكانه الدائم والعالي بين المسلمين والمؤمنين الذين قُدِّرَ لهم أن يكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلامذته، وأن يكونوا حَملَة الإسلام إلى الدنيا في كل عُصورها ودُهورها..

    * * *

    ((أبو موسى)) مزيج عجيب من صفات عظيمة..

    فهو مقاتل جسور، ومناضل صُلْب إذا اضْطُرَّ لقتال..

    وهو مُسالم، طيب، وديع إلى أقصى غايات الطيبة والوداعة..!!

    وهو فقيه، حصيف، ذكيٌّ، يجيد تصويب فهمه إلى مغاليق الأمور، ويتألَّق في الإفتاء والقضاء، حتَّى قيل:

    ((قضاة هذه الأمَّة أربعة:

    ((عمرُ، وعليٌّ، وأبو موسى، وزيد بن ثابت))..!!

    ثمَّ هو ـ مع هذا ـ صاحب فِطرة بريئة؛ مَنْ خَدَعَهُ في اللَّه انخَدَعَ لَه.!!

    وهو عظيم الولاء لمسؤولياته..

    وكبير الثقة بالنَّاس..

    لو أردنا أن نختار من واقع حياته شعاراً؛ لكانت هذه العبارة:

    ((الإِخْلاصٌ، وَلْيَكُنْ مَا يَكُون))..

    في مواطن الجهاد، كان ((الأشعري)) يحمل مسؤولياته في استبسال مجيد؛ مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عنه:

    ((سَيِّدُ الْفَوَارِسِ أَبُو مُوسَى))…!!

    وإنَّه ليرينا صورة من حياته كمقاتل، فيقول:

    ((خرجنا مع رسول الله في غَزاة، نُقِّبَتْ فيها أقدامنا، ونُقِّبَتْ قدماي، وتساقَطتْ أظفاري، حتَّى لَفَفْنا أقدامنا بالخِرَق)) ..!!

    وما كانت طيبتُه وسلامة طويَّته لِيُغريا به عدُوَّاً في قتال..

    فهو في موطن كهذا يرى الأمور في وضوح كامل، ويحسمها في عزم أكيد..

    ولقد حدث والمسلمون يفتحون بلاد فارس أن هبط الأشعريّ بجيشه على أهل أصْبَهان الذين صالحوه على الجزية، فصالحهم..

    بيد أنَّهم في صلحهم ذلك لم يكونوا صادقين.. إنَّما أرادوا أن يهيِّئوا لأنفسهم فرصة الإعداد لضربة غادرة..

    ولكنَّ فطنة ((أبي موسى)) التي لا تغيب في مواطن الحاجة إليها كانت تستشِفُّ أَمْرَ أولئك

    ومايُبَيِّتون.. فلمَّا همُّوا بضربتهم لم يؤخد القائد على غِرَّة، وهنالك بَارَزَهُمُ القتال، فلم ينتصفِ النَّهار حتَّى كان قد انتصر انتصاراً باهراً..!!

    * * *

    وفي المعارك الَّتي خاضها المسلمون ضدَّ إمبراطوريَّة الفرس كان ((لأبي موسى الأشعريِّ)) ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ ، بلاؤه العظيم وجهاده الكريم …

    وفي موقعة ((تُستر)) بالذات؛ حيث انسحب الهُرْمُزان بجيشه إليها وتحصَّن بها، وجمع فيها جيوشاً هائلة ـ كان ((أبو موسى)) بطل هذه الموقعة..

    ولقد أمدَّهُ أمير المؤمنين ((عمر)) يومئذ بأعداد هائلة من المسلمين، على رأسهم: ((عمار بن ياسر))، و((البَرَاء بن مالك))، و((أنَس بن مالك))، و((مَجْزَأة البكري))، و((سَلمة بن رجاء))..

    والتقى الجيشان..

    جيش المسلمين بقيادة ((أبي موسى)) .. وجيش الفرس بقيادة الهُرْمُزان في معركة من أشدِّ المعارك ضراوة وبأساً..

    وانسحب الفرس إلى داخل مدينة ((تُسْتر)) المُحصَّنة..

    وحاصرها المسلمون أيَّاماً طويلة، حتَّى أعمل ((أبو موسى)) عقله وحيلَتَه…

    أرسل مئتي فارس مع عميل فارسي، أغراه ((أبو موسى)) بأن يحتال حتَّى يفتح باب المدينة أمام الطَّليعة الَّتي اختارها لهذه المهمة .

    ولم تكدِ الأبواب تُفتح، وجنود الطَّليعة يقتحمون الحِصْن حتَّى انقضَّ ((أبو موسى)) بجيشه

    انقضاضاً مُدَمْدِماً..

    واستولى على المعقل الخطير في ساعات، واستسلم قادة الفرس، حيث بعث بهم أبو موسى

    إلى المدينة ليرى أمير المؤمنين فيهم رأيه..

    * * *

    على أنَّ هذا المقاتل ذا المِراس الشديد، لم يكن يغادر أرض المعركة حتَّى يتحول إلى أوَّاب،

    بَكَّاء، وديع؛ كالعصفور..!

    يقرأ القرآن بصوت يهزُّ أعماق من يسمعه.. حتَّى لقد قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم:

    ((لَقَدْ أُوتِيَ أَبٌُو مُوسَى مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ)).!

    وكان عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ كلَّما رآه دعاه؛ ليتلُوَ عليه من كتاب الله.. قائلاً له:

    ((شَوقْنَا إِلى رَبِّنَا يَا أبَا مُوسَى)) ..

    كذلك لم يكن يشترك في قتال إلا أن يكون ضدَّ جيوش مشركة، جيوش تقاوم الدِّين وتريد

    أن تُطفئ نور الله..

    أمَّا حين يكون القتال بين مسلم ومسلم، فإنَّه يهرب منه ولا يكون له فيه دور أبداً .

    ولقد كان موقفه هذا واضحاً في نزاع علي ومعاوية، وفي الحرب الَّتي اسْتَعَرَ بين المسلمين

    يومئذ أوَارُها.

    ولعلَّ هذه النقطة من الحديث تَصِلُنا بأكثر مواقف حياته شهرة؛ وهو موقفه في التحكيم بين

    علي ومعاوية.

    هذا الموقف الذي كثيراً ما يُؤْخذ آية وشاهداً على إفراط أبي موسى في الطيبة إلى حدٍّ يسهل

    فيه خِداعُه.

    بيد أنَّ الموقف ـ كما سنراه ـ برغم ما عسى أن يكون فيه من تَسرُّعٍ أو خطأ، إنَّما يكشف عن

    عظمة هذا الصحابي الجليل ـ عظمة نفسه، وعظمة إيمانه بالحق..

    إنَّ رَأي((أبي موسى)) في قضيَّة التَّحكيم يتلخَّص في أنَّه وقد رأى المسلمين يقتل بعضهم بعضاً، كلّ فريق يتعصَّب لإمام وحاكم.. كما رأى الموقف بين المتقاتلين قد بلغ في تأزُّمِه واستحالة تصفيته المَدَى الذي يضع مصير الأمَّة المسلمة كلِّها على حافَّة الهاوية.

    نقول: إنَّ رأيه وقد بلغتِ الحال من السُّوء هذا المبلغ، كان يتلخَّص في تغيير الموقف كلِّه والبدء من جديد.

    إنَّ الحرب الأهليَّة القائمة يوم ذاك إنَّما تدور بين طائفتين من المسلمين تتنازعان حول شخص الحاكم، فليتنازل ((علي)) عن الخلافة مؤقَّتاً، ولْيتنازل عنها ((معاوية))، على أن يُرَدَّ الأمر كلُّه من جديد إلى المسلمين يختارون بطريق الشورى الخليفة الذي يريدون.

    هكذا ناقش ((أبو موسى)) القضيَّة، وهكذا كان حلُّه لها.

    صحيح أن الإمام عليّاً ـ كرّم الله وجهه ـ بُويِعَ بالخلافة بيعة صحيحة.

    وصحيح أن كلَّ تمرُّد غير مشروع لا ينبغي أن يُمَكن من غرضه في إسقاط الحقِّ المشروع، بيد أنَّ الأمور في النِّزاع بين الإمام و((معاوية))، وبين أهل العراق وأهل الشَّام كانت ـ في رأي ((أبي موسى)) ـ قد بلغتِ المدَى الذي يفرض نوعاً جديداً من التَّفكير ومن الحلول.. فعصيان ((معاوية))، لم يعد مجرَّد عصيان.. وتمرُّد أهل الشَّام لم يعد مجرد تمرُّد.. والخلاف كلُّه لم يعد مجرد خلاف في الرأي ولا في الاختيار..

    بل إنَّ ذلك كلَّه تطوَّر إلى حرب أهليَّة ضارية ذهب فيها آلاف القتلى من الفريقين.. ولا تزال تهدِّد الإسلام والمسلمين بأسوء العواقب.

    فإزاحة أسباب النِّزاع والحرب، وتنحية أطرافه مثَّلا في تفكير ((أبي موسى)) نقطة البدء في طريق الخلاص..

    ولقد كان من رأي الإمام ((عليٍّ)) حينما قبل مبدأ التَّحكيم أن يُمثِّل جبهته في التَّحكيم ((عبد الله بن عباس))، أو غيره من أصحابه، لكنَّ فريقاً كبيراً من ذوي البأس في جماعته وجيشه فرض عليه ((أبا موسى الأشعريَّ)) فرضا.

    وكانت حجَّتهم في اختيارهم ((أبا موسى)) أنَّه لم يشترك قطُّ في النِّزاع بين ((عليٍّ)) و((معاوية)) منذ بدأ النِّزاع؛ بلِ اعتزل كلا الفريقين بعد أن يئس من حملهما على التَّفاهم، والصُّلح، ونبذ القتال، فهو ـ بهذه المثابَة ـ أحقُّ النَّاس بالتَّحكيم..

    ولم يكن في دين ((أبي موسى))، ولا في إخلاصه وصِدْقه ما يريب ((عليّاً)).. لكنَّه كان يدرك

    نوايا الجانب الآخر، ويعرف مَدى اعتمادهم على المناورة والخدعة، و((أبو موسى)) ـ برغم فقهه وعلمه ـ يكره الخداع والمناورة، ويحبُّ أن يتعامل مع النَّاس، بصدقه، لا بذكائه؛ ومن ثمَّ خشي الإمام ((عليٌّ)) أن ينخدع ((أبو موسى)) للآخرين، ويتحوَّل التَّحكيم إلى مناورة من جانب واحد تزيد الأمور سُوءاً..

    * * *

    بدأ التَّحكيم بين الفريقين..

    ((أبو موسى الأشعريُّ)) يمثِّل جبهة الإمام ((عليٍّ)) . و((عمرو بن العاص)) يمثِّل جانب ((معاوية)) .

    والحقُّ أنَّ ((عمرو بن العاص)) اعتمد على ذكائه الحادِّ وحيلته الواسعة في أخذ الراية لمعاوية.

    ولقد بدأ الاجتماع بين الرَّجلين ـ الأشعريِّ، وعمرو ـ باقتراح طرحه ((أبو موسى))؛ هو أن يتَّفق الحكمان على ترشيح ((عبد الله بن عمر))، بل وعلى إعلانه خليفة للمسلمين؛ وذلك لما كان ينعم به ((عبد الله بن عمر)) من إجماع رائع على حبِّه، وتوقيره، وإجلاله.

    ورأى ((عمرو بن العاص)) في هذا الاتجاه من ((أبي موسى)) فرصة هائلة فانتهزها..

    إنَّ مغزى اقتراح ((أبي موسى))، أنَّه لم يعد مُرتبطاً بالطَّرف الذي يمثله؛ وهو الإمام ((عليٌّ))..

    ومعناه ـ أيضاً ـ أنَّه مستعدٌّ لإسناد الخلافة إلى آخرين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل أنَّه اقترح ((عبد الله بن عمر))..

    وهكذا عثر ((عمرو)) بدهائه على مدخل فسيح إلى غايته، فراح يقترح ((معاوية)).. ثمَّ اقترح

    ابنه ((عبد الله بن عمرو)) وكان ذا مكانة عظيمة بين أصحاب الرسول ـ عليه وعليهمُ الصلاة والسلام.

    ولم يَغبْ ذكاء ((أبي موسى)) أمام دهاء عمرو؛ فإنَّه لم يكد يرى ((عَمْراً)) يتَّخذ مبدأ التَّرشيح

    قاعدة للحديث والتَّحكيم حتَّى لوى الزِّمام إلى وجْهةٍ أسلم؛ فجابَهَ عمراً بأنَّ اختيار الخليفة حقٌ للمسلمين جميعاً، وقد جعل الله أمَرهم شُورَى بينهم؛ فيجب أن يُترك لهم وحدهم وجميعهم حقُّ الاختيار..

    وسوف نرى كيف استغلَّ ((عمرو)) هذا المبدأ الجليل لصالح ((معاوية))؟..

    ولكن ـ قبل ذلك ـ لنستمع إلى نصِّ الحوار التَّاريخي الَّذي ديار بين ((أبي موسى)) و((عمرو بن العاص)) في بدء اجتماعهما، ننقله عن كتاب ((الأخبار الطِّوال، لأبي حنيفة الدَّيْنَورِيِّ)):

    يتبع

  2. #32
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    تابع

    أبو موسى ـ يا عمرو، هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضا الله..؟

    عمرو ـ وما هو…؟

    أبو موسى ـ نولي عبد الله بن عمر فإنه لم يُدخل نفسه في شيء من هذه الحرب.

    عمرو ـ وأين أنت من معاوية..؟

    أبو موسى: ما معاوية بموضع لها ولا يستحقُّها.

    عمرو: ألستَ تعلم أنَّ ((عثمان)) قُتل مظلوماً..؟

    أبو موسى: بلى..

    عمرو: فإنَّ معاوية وَلِيُّ دَم عثمان، وبيتُه في قريش ما قد علمت،

    فإن قال النَّاس: لِمَ وُلِّيَ الأمر وليست له سابقة؟ فإنَّ لك في ذلك عذراً، تقول: إنِّي وجدته وليَّ عثمان، والله ـ تعالى ـ يقول: ]وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً[ [الإسراء: 33]

    وهو مع هذا، أخو ((أمِّ حبيبة)) زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أصحابه..

    أبو موسى: اتَّقِ الله يا عمرو..

    أمَّا ما ذكرت من شرف معاوية، لو كانتِ الخلافة تُستحقُّ بالشَّرف لكان أحقَّ النَّاس بها ((أبْرهَةُ بن الصبَّاح))؛ فإنَّه من أبناء ملوك اليمن التَّبابِعة الَّذين ملكوا شرق الأرض وغربها.. ثمَّ أيُّ شرف لمعاوية مع علي بن أبي طالب..؟؟

    وأمَّّا قولك: إنَّ معاوية وَلِيُّ عثمان، فأوْلَى منه ابنه ((عمرو بن عثمان))..

    ولكن إن طاوعتني أحيَيْنا سنَّة ((عمر بن الخطاب)) وذِكْرَه بتوليتنا ابنه عبد الله الحَبر..

    عمرو: فما يمنعك من ابني ((عبد الله)) مع فضله، وصلاحه وقديم هجرته، وصُحبته..؟

    أبو موسى: إنَّ ابنَكَ رجلُ صدق، ولكنَّك قد غمَسْتَه في هذه الحروب غمساً، فَهَلُمَّ نجعلها للطَّيب ابن الطَّيب.. ((عبد الله بن عمر)).

    عمرو: يا أبا موسى، إنَّه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضِرْسان، يأكل بأحدهما، ويُطعم بالآخر..!!

    أبو موسى: وَيْحَكَ يا عمرو.. إنَّ المسلمين قد أسندوا إلينا الأمر بعد أن تقارَعُوا بالسُّيوف، وتَشَاكُّوا بالرِّماح، فلا نردَّهم في فتنة.

    عمرو: فماذا ترى..؟

    أبو موسى: أرى أن نخْلَع الرَّجلين ـ عليّاً ومعاوية ـ ثمَّ نجعلها شُورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحَبُّوا.

    عمرو: رضيت بهذا الرأي؛ فإنَّ صلاحَ النُّفوس فيه..

    إنَّ هذا الحِوار يغيِّر تماماً وجه الصُّورة الّتي تعوَّدْنا أن نرى بها ((أبا موسى الأشعريَّ))، كلَّما ذكرنا واقعة التَّحكيم هذه..

    إنَّ ((أبا موسى)) كان أبعد ما يكون عن الغفلة..

    بل إنَّه في حواره هذا كان ذكاؤه أكثر حركة من ذكاء ((عمرو بن العاص)) المشهور بالذكاء وبالدهاء..

    فعندما أراد ((عمرو)) أن يجرِّع ((أبا موسى)) خلافة معاوية بحجَّة حسبه في قريش، وولايته لدم عثمان، جاء ردُّ ((أبي موسى)) حاسماً لامعاً؛ كحدِّ السِّيف…!!

    إذا كانتِ الخلافة بالشَّرف؛ فأبرهة بن الصبَّاح سليل الملوك أولى بها من معاوية..

    وإذا كانت بولاية دم عثمان والدفاع عن حقِّه؛ فابن عثمان ـ رضي الله عنه ـ، أوْلى بهذه الولاية من معاوية..

    لقد سارت قضيًّة التَّحكيم بعد هذا الحوار في طريق يتحمَّل مسؤوليَّتها فيه ((عمرو بن العاص)) وحده..

    فقد أبرأ ((أبو موسى)) ذمَّته بردِّ الأمر إلى الأمّة، تقول كلمتها وتختار خليفتها..

    ووافق ((عمرو)) والتزم بهذا الرأي..

    ولم يكن يخطر ببال ((أبي موسى)) أنَّ ((عَمْراً)) في هذا الموقف الذي يهدِّد الإسلام والمسلمين بشر كارثة، سيلجأ إلى المناورة، مهما يكن اقتناعه بمعاوية..

    ولقد حذَّره ((ابن عباس)) حين رجع إليهم يخبرهم بما تمَّ الاتفاق عليه.. حذَّره من مناورات ((عمرو)) وقال له:

    ((أخشى والله، أن يكون عمرو قد خدَعك، فإن كنتما قد اتَّفقتما على شيء فقدِّمه قبلك ليتكلَّم، ثم تكلَّم أنت بعده))..!!

    لكنَّ ((أبا موسى)) كان يرى الموقف أكبر وأجلَّ من أن يُناور فيه ((عمراً)).. ومن ثَمَّ لم يخالجه أيُّ ريب أو شكٍّ في التزام ((عمرو)) بما اتَّفقا عليه..

    واجتمعا في اليوم التالي… ((أَبو موسى))، ممثِّلاً لجبهة الإمام ((عليٍّ))، و((عمرو بن العاص)) ممثِّلاً لجبهة ((معاوية))..

    ودعا ((أبو موسى)) ((عَمْراً))؛ ليتحدث.. فأبى ((عمرو)) وقال له:

    ((مَا كُنتُ لأتقدَّمَك وأنت أكثر منِّي فضلاً.. وأقدمُ هجرة.. وأكبر سنّاً))..!!

    وتقدّم ((أبو موسى)) واستقبل الحشود الرابضة من كلا الفريقين.

    وقال:

    ((أيُّها النَّاس.. إنَّا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمَّة ويصلح أمرها، فلم نَر شيئاً أبلغ من خلع الرَّجلين ـ عليٍّ ومعاوية ـ وجَعلها شورى، يختار النَّاس لأنفسهم من يرونه لها..

    وإنِّي قد خَلَعْتُ عليّاً ومعاوية..

    فاستقبلوا أمركم وولُّوا عليكم من أحببتم))..

    وجاء دور ((عمرو بن العاص))؛ ليعلن خَلْعَ معاوية؛ كما خلع ((أبو موسى)) عليّاً؛ تنفيذاً للاتِّفاق المبرم بالأمس..

    وصعد ((عمرو)) المنبر، وقال:

    ((أيُّها النَّاس، إنَّ أبا موسى قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه..

    ألا وإنِّي قد خَلَعْتُ صاحبه؛ كما خلعه، وأُثْبِتُ صاحبي ((معاوية))؛ فإنَّه وَلِيُّ أمير المؤمنين ((عثمان))، والمطالب بدمه، وأحقُّ النَّاس بمقامه))..!!

    ولم يحتمل ((أبو موسى)) وقع المفاجأة؛ فَلَفح ((عَمراً)) بكلمات غاضبة ثائرة..

    وعاد من جديد إلى عُزْلته، وأغَذَّ خطاه إلى مكَّة.. إلى جوار البيت الحرام، يقضي هناك ما بقي له من عُمر وأيَّام..

    كان ((أبو موسى)) ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ موضع ثقة الرَّسول صلى الله عليه وسلم وحبِّه، وموضع ثقة خلفائه وأصحابه، وحبِّهم..

    ففي حياته ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولاه مع ((معاذ بن جبل)) أمر اليمن..

    وبعد وفاة الرَّسول عاد إلى المدينة؛ ليحمل مسؤوليَّاته في الجهاد الكبير الذي خاضته جيوش الإسلام ضدَّ فارس والرُّوم..

    وفي عهد أمير المؤمنين ((عمر))، ولاه البصرة..

    وولاه الخليفة ((عثمان)) الكوفة..

    * * *

    وكان من أهل القرآن، حفظاً، وفقهاً، وعملاً..

    ومن كلماته المضيئة عن القرآن:

    ((اتَّبِعوا القرآن…

    ولا تطمعوا في أن يَتْبَعكُمُ القرآن))…!!

    وكان من أهل العبادة المثابرين..

    وفي الأيَّام القائظة الَّتي يكاد حرُّها يزهق الأنفاس كنت تجد ((أبا موسى)) يلقاها لقاء مشتاق؛ ليصومها، ويقول:

    ((لعلَّ ظمأ الهواجر يكون لنا رِيَّاً يوم القيامة))..

    * * *

    وذات يوم رطيب جاءه أجلهُ..

    وكَسَت محيَّاه إشراقةُ من يرجو رحمة الله وحُسن ثوابه..

    والكلمات الَّتي كان يردِّدها دائماً طوال حياته المؤمنة، راح لسانه الآن وهو في لحظات الرحيل يردِّدها..

    تلك هي:

    ((اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ… وَمِنْكَ السَّلامُ))





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  3. #33
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    سالم.. مولى أبي حذيفة

    بَلْ نِعْمَ حَامِلُ القرآن!





    أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً؛ فقال:

    ((خذوا القرآن مِنْ أربعةٍ: عبد الله بن مسعود.. وسالم مولى أبي حذيفة.. وأُبيّ بن كعب.. ومُعاذ بن جبل.. ))

    ولقد التقينا من قبل بابن مسعود، وأُبيّ، ومعاذ..

    فمن هذا الصحابي الرّابع الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم حُجَّةً في تعليم القرآن ومرجعاً..؟؟

    إنّه ((سالم مولى أبي حُذيفة)) ..

    كان عبداً رقيقاً، رفع الإسلام من شأنه حتّى جعل منه ابناً لواحد من كبار المسلمين، كان قبل إسلامه شريفاً من أشراف قريش، وزعيماً من زعمائها..

    ولمّا أبطل الإسلام عادة التّبنّي صار أخاً، ورفيقاً، ومولىً للّذي كان يتبنّاه؛ وهو الصّحابيّ الجليل: ((أبو حُذيفة بن عُتبة))..

    وبفضل من الله ونعمةٍ على ((سالم)) بلغ بين المسلمين شأناً رفيعاً وعالياً، أهّلته له فضائل رُوحه، وسلوكه، وتقواه.. وعُرِفَ الصّحابيّ الجليل بهذه التّسمية: ((سالم مولى أبي حُذيفة)).. ذلك أنّه كان رقيقاً وأُعتِق..

    وآمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم إيماناً مُبكّراً.. وأخذ مكانه بين السابقين الأوّلين..

    وكان حذيفة بن عتبة قد باكَر هو الآخر، وسارع إلى الإسلام تاركاً أباه ((عُتبة بن ربيعة)) يجترّ مغايظه وهمومه الّتي عكّرت صفو حياته؛ بسبب إسلام ابنه الّذي كان وجيهاً في قومه، وكان أبوه يُعدُّه للزعامة في قريش..

    وتبنّى ((أبو حذيفة)) ((سالماً)) بعد عتقه، وصار يُدعى بـ ((سالم بن أبي حذيفة))..

    وراح الاثنان يعبدان ربَّهما في إخباتٍ، وخشوع.. ويصبران أعظم الصّبر على أذى قريش وكيدها..

    وذات يوم نزلت آية القرآن الّتي تبطل عادة التّبنّي..

    وعاد كلّ مُتبنّى ليحمل اسم أبيه الحقيقيّ الّذي وَلده وأنجبه..

    فـ ((زيد بن حارثة)) - مثلاً- الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنّاه، وعُرفَ بين المسلمين ((زيد بن محمد))، يحمل اسم أبيه ((حارثة))؛ فصار يُدعى ((زيد بن حارثة))، ولكنّ ((سالماً)) لم يكن يُعرف له أب؛ فوالى أبا حذيفة، وصار يُدعى ((سالم مولى أبي حذيفة))..

    ولعلّ الإسلام حين أبطل عادة التّبنّي؛ إنّما أراد أن يقول للمسلمين: لا تلتمسوا رَحِماً، ولا قُربى، ولا صلة توكّدون بها إخاءكم أكبر ولا أقوى من الإسلام نفسه.. والعقيدة التي يجعلكم بها إخواناً..!!

    ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيداً..

    فلم يكن شيء أحبّ إلى أحدهم بعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من إخوانهم في الله، وفي الإسلام..

    ولقد رأينا كيف استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين؟ فشاطروهم أموالهم، ومساكنهم، وكلّ ما يملكون..!!

    وهذا هو الذي رأيناه يحدث بين ((أبي حذيفة)) الشّريف في قريش مع ((سالم)) الذي كان عبداً رقيقاً لا يُعرف أبوه..

    لقد ظلا إلى آخر لحظة في حياتيهما أكثر من أخوين شقيقين ـ حتى عند الموت ـ ماتا معاً ..

    الرّوح مع الرّوح.. والجسد إلى جوار الجسد..!!

    تلك عظمة الإسلام الفريدة..

    بل تلك واحدة من عظائمه، ومزاياه..!!

    * * *

    لقد آمن ((سالم)) إيمان الصّادقين.. وسلك طريقه إلى الله سلوك الأبرار المتّقين..

    فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أيّ اعتبار..

    لقد ارتفع بتقواه وبإخلاصه إلى أعلى مراتب المجتمع الجديد، الذي جاء الإسلام يُقيمه ويُنهضُه على أساس جديد عادل وعظيم..

    أساس تُلخّصه الآية الجليلة:

    ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[ [الحجرات: 13]

    والحديث الشريف: ((ليس لعربيّ على عجميّ فضلٌ إلا بالتّقوى))..

    و((ليس لابن البيضاء على ابن السّوداء فضل إلا بالتّقوى))..!!

    * * *

    في هذا المجتمع الجديد الرّشيد، وجد أبو حذيفة شرفاً لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبداً .. بل ووجد شرفاً لأسرته أن يزوّج ((سالماً)) ابنة أخيه ((فاطمة بنت الوليد بن عُتبة))..!!

    وفي هذا المجتمع الجديد الرّشيد، الذي هدّم الطّبقيّة الظالمة، وأبطل التّمايز الكاذب، وجد ((سالم))؛ بسبب صِدقه، وإيمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصّفّ الأوّل دوماً..!!

    أجل.. لقد كان إماماً للمهاجرين من مكّة إلى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء..!!

    وكان ((حُجّةً)) في كتاب الله، حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتعلّموا منه ..!!

    وكان معه من الخير، والتفوّق ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له:

    ((الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مِثلكَ))..!!

    وحتى كان إخوانه المؤمنون يسمّونه: ((سالم من الصالحين))..!!

    إنّ قصّة ((سالم)): كقصّة ((بلال))، وكقصّة عشرات العبيد، والفقراء الذين نفض الإسلام عنهم عوادي الرّقّ والضعف، وجعلهم في مجتمع الهدى والرّشاد أئمّة، وزعماء، وقادة.

    * * *

    كان سالم مُلتقىً لكلّ فضائل الإسلام الرّشيد..

    كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان إيمانه العميق الصادق ينسّقُها أجمل تنسيق.

    وكان من أبرز مزاياه، الجهر بما يراه حقّاً..

    إنّه لا يعرف الصمت تجاه كلمة يرى من واجبه أن يقولها..

    ولا يخون الحياة بالسّكوت عن خطأٍ يؤودها..

    * * *

    بعد أن فتحت مكّة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السّرايا إلى ما حول مكّة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنّه صلى الله عليه وسلم إنّما يبعث بهم دعاة، لا مقاتلين..

    وكان على رأس إحدى هذه السّرايا ((خالد بن الوليد))..

    وحين بلغ ((خالد)) وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيف، ويريق الدم..

    هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها؛ اعتذر إلى ربّه طويلاً، وهو يقول:

    ((اللهم إنّي أبرَأ إليك ممّا صنع خالد))..!!

    والتي ظل أمير المؤمنين ((عمر)) يذكرها له، ويأخذها عليه، ويقول: ((إنّ في سيف خالد رهقاً))..

    وكان يصحب ((خالداً)) في هذه السرية ((سالم مولى أبي حذيفة)) مع غيره من الأصحاب..

    ولم يكد ((سالم)) يرى صنيع ((خالد))؛ حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكِبت..

    و((خالد)) القائد، والبطل العظيم في الجاهلية والإسلام، يُنصت مرة، ويدافع عن نفسه مرة ثانية، ويشتد في القول مرة ثالثة، و((سالم)) مستمسك برأيه، يعلنه في غير تهيّب أو مديارارة..

    لم يكن ((سالم)) آنئذ ينظر إلى ((خالد)) كشريف من أشراف مكّة.. بينما هو من كان بالأمس القريب رقيقاً.

    لا.. فقد سوّى الإسلام بينهما..!!

    ولم يكن ينظر إليه؛ كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..!!

    ولم يكن يصدر في معارضته خالداً عن غرض، أو شهوة، بل هي النصيحة التي قدّس الإسلام حقّها، والتي طالما سمع نبيّه صلى الله عليه وسلم يجعلها قوام الدين كلّه حين يقول:

    ((الدِّين النّصيحة..

    ((الدِّين النّصيحة.. الدِّين النّصيحة)) .

    * * *

    ولقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بلغه صنيع ((خالد بن الوليد))..

    سأل عليه السلام قائلاً:

    ((هَل أنكرَ عليه أحد)) ..؟؟

    ما أجلَّه سؤالاً، وما أروعه..؟؟!!

    وسكَن غضبه عليه السلام، حين قالوا له:

    ((نعم.. راجَعَهُ ـ سالم ـ وعارضَهُ))..

    وعاش سالم مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين..

    لا يتخلّف عن غزوة، ولا يقعد عن عبادة..

    وكان إخاؤه مع أبي حذيفة يزداد مع الأيام تفانياً وتماسكاً..

    * * *

    وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى..

    وواجهت خلافة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ مؤامرات المرتدّين.

    وجاء يوم اليمامة ..

    وكانت حرباً رهيبة؛ لم يُبتَلَ الإسلام بمثلها..

    وخرج المسلمون للقتال..

    وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..

    وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم.. وأحسّ كل مؤمن هناك أنّ المعركة معركتُهُ.. والمسؤولية مسؤوليّتُهُ..

    وجمعهم ((خالد بن الوليد)) من جديد..

    وأعاد تنسيق الجيش بعبقريّة مذهلة..

    وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم، وتعاهدا على الشّهادة في سبيل الدّين الحقّ الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة..

    وقذفا نفسيهما في الخِضَمّ الرّهيب..!!

    كان أبو حذيفة ينادي:

    ((يا أهل القرآن.. زيّنوا القرآن بأعمالكم)).

    وسيفه يضرب؛ كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذّاب.

    وكان سالم يصيح:

    ((بئس حامل القرآن أنا.. لو هوجم المسلمون من قِبَلي))..!!

    حاشاك يا سالم.. بل نِعمَ حامل القرآن أنت..!!

    وكان سيفه صوّالاً في أعناق المرتدّين الذين هبّوا ليعيدوا جاهليّة قريش.. ويطفؤوا نور الإسلام.

    وهوى سيف من سيوف الردّة على يمناه؛ فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها ((زيد بن الخطاب))..

    ولما رأى يُمناه تُبتر التقط بيُسراه، وظلّ يُلوّح بها إلى أعلى، وهو يصيح تالياً الآية الكريمة:

    ]وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ[ [آل عمران: 146]

    ألا أعظِم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعاراً له..!!

    * * *

    وأحاطت به غاشية من المرتدّين؛ فسقط البطل.. ولكن روحه ظلّت تتردّد في جسده الطّاهر، حتّى انتهت المعركة بقتل ((مسيلمة الكذاب))، واندحار جيشه، وانتصار المسلمين..

    وبينما المسلمون يتفقّدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالماً في النّزع الأخير..

    وسألهم:

    ما فعل أبو حذيفة..؟؟

    قالوا: استشهدَ..

    قال: فأضجِعُوني إلى جواره..

    قالوا: إنّه إلى جوارك يا سالم.. لقد استُشهدَ في نفس المكان..!!

    * * *

    وابتسم ابتسامته الأخيرة..

    ولم يعد يتكلّم..!!

    لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..!!

    معاً أسلما..

    ومعاً عاشا..

    ومعاً استُشهدا..

    يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..!!

    * * *

    وذهب إلى الله، ذلك المؤمن الكبير الذي قال عنه ((عمر بن الخطاب))، وهو يموت:

    ((لو كان ((سالم)) حيّاً؛ لوَلّيته الأمر من بعدي))..!!







    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول *صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  4. #34
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    ربيعَة بنُ كعبٍ



    ((دأبَ ربيعة بن كعبٍ في العبادة ليحظى بمرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة … كما حظي بخِدمتهِ وصحبته في الدنيا))



    قال ربيعة بن كعب:

    كنتُ فتىً حديث السنّ لمّا أشرقت نفسي بنور الإيمان ، وامتلأ فؤادي بمعاني الإسلام .

    ولمّا اكتحلت عيناي بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل مرّة ؛ أحببتُه حبّاً ملك عليّ كل جارحة من جوارحي …

    وأولِعتُ به ولعاً صرفني عن كل ما عداه .

    فقلت في نفسي ذات يوم : وَيحكَ يا ربيعة ، لِم لا تُجرّد نفسك لِخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!… اعرِض نفسك عليه … فإن رضيَ بكَ سعدتَ بقربه وفزتَ بحبّهِ ، وحظيتَ بخيري الدنيا والآخرة .

    ثم ما لبثت أن عرضتُ نفسي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجوتُهُ أن يقبلني في خِدمته .

    فلم يُخيّب رجائي ، ورضيَ بي أن أكون خادماً له .

    فصِرتُ منذ ذلك اليوم ألزم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم من ظِلّهِ :

    أسيرُ معه أينما سار ، وأدور في فَلكِه كيفما ديار .. فما رمى بِطرفه مرّة نحوي إلا مثلت واقفاً بين يديه ، وما تشوّف لحاجة من حاجاته إلا وجدني مسرعاً في قضائها .

    وكنتُ أخدمه نهاره كلّه ، فإذا انقضى النهار وصلى العشاء الأخيرة وأوى إلى بيته ؛ أهمّ بالانصراف .

    لكنّي ما ألبث أن أقول في نفسي : إلى أين تمضي يا ربيعة ؟!…

    فلعلّها تعرضُ لِرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة في الليل ، فأجلس على بابه ولا أتحوّل عن عتبة بيته .

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع ليله قائماً يُصلّي ؛ فربّما سمعتُهُ يقرأ بفاتحة الكتاب ؛ فما يزال يُكرّرها هزيعاً من الليل ، حتّى أملّ فأتركه ، أو تغلبني عيناي فأنام .

    وربّما سمعته يقول: ((سمعَ الله لمن حمِدَه)) فما يزال يُردّدها زمناً أطول من ترديده لفاتحة الكتاب .

    * * *

    وقد كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه ما صنع له أحد معروفاً إلا أحبّ أن يجازيه عليه بما هو أجلّ منه ، وقد أحبّ أن يُجازيني على خِدمتي له ، فأقبل عليَّ ذات يوم وقال: ((يا ربيعة بن كعب)) .

    فقلتُ: لبيك يا رسول الله وسعديكَ .

    فقال: ((سلني شيئاً أعطِهِ لكَ)) .

    فروّيتُ قليلاً ثمّ قلت: أمهلني يا رسول الله لأنظر فيما أطلبه منك ، ثم أعلِمكَ .

    فقال: ((لا بأس عليك)) .

    وكنتُ يومئذ شاباً فقيراً لا أهل لي ولا مال ولا سكن ، وإنّما كنتُ آوي إلى صُفّة المسجد مع أمثالي من فقراء المسلمين ـ الصُّفّة: مكان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأوي إليه الفقراء الذين لا بيوت لهم ، وكانوا يُدعون أهل الصّفّة ـ

    وكان الناس يدعوننا ((بضيوف الإسلام)) .

    فإذا أتى أحد من المسلمين بصدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثَ بها كلّها إلينا .

    وإذا أهدى له أحد هديّة أخذ منها شيئاً ، وجعل باقيها لنا .

    فحدّثتني نفسي أن أطلب من رسول الله شيئاً من خير الدنيا ، أغتني به من فقر ، وأغدو كالآخرين ذا مال وزوج وولد .

    لكنّي ما لبثتُ أن قلت: تبّاً لكَ يا ربيعة بن كعبٍ ، إنّ الدنيا زائلة فانية ، وإنّ لك فيها رزقاً كفلهُ الله عزّ وجلّ ، فلا بدّ أن يأتيك .

    والرسول صلى الله عليه وسلم في منزلةٍ عند ربّه لا يُردُّ له معها طلبٌ .. فاطلب منه أن يسأل الله لكَ من فضلِ الآخرة .

    فطابت نفسي لذلك ، واستراحت له .

    ثمّ جئتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما تقول يا ربيعة؟! )) .

    فقلتُ: يا رسول الله أسألك أن تدعو لي الله تعالى أن يجعلني رفيقاً لكَ في الجنّة .

    فقال صلى الله عليه وسلم : ((من أوصاكَ بذلك ؟)) .

    فقلتُ : لا والله ما أوصاني بهِ أحد ، ولكنّك حين قلتَ لي : سلني أعطكَ حدّثتني نفسي أن أسألك شيئاً من خير الدنيا … ثمّ ما لبثتُ أن هُديتُ إلى إيثار الباقية على الفانية ، فسألتكَ أن تدعو الله لي بأن أكون رفيقك في الجنّة .

    فصمَتَ رسول الله طويلاً ثم قال: ((أوَ غير ذلك يا ربيعة ؟)) .

    فقلتُ: كلا يا رسول الله فما أعدِلُ بما سألتك شيئاً .

    فقال: ((إذن أعنّي على نفسكَ بكثرة السجود)) .

    فجعلتُ أدأبُ في العبادة لأحظى بمرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة كما حظيت بخدمته وصحبته في الدنيا .

    * * *

    ثمّ إنّه لم يمض على ذلك وقت طويل حتّى ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((ألا تتزوّج يا ربيعة ؟!)) .

    فقلتُ: ما أحبُّ أن يشغلني شيء عن خدمتك يا رسول الله … ثمّ إنّه ليس عندي ما أمهر به الزّوجة ، ولا ما أقيم حياتها به ، فسكت .

    ثم رآني ثانية وقال : ((ألا تتزوّج يا ربيعة ؟!)) .

    فأجبته بمثل ما قلتُ له في المرّة السابقة .

    لكنّي ما إن خلوت إلى نفسي حتّى ندِمتُ على ما كان منّي ، وقلت : ويحكَ يا ربيعة …

    واللهِ إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لأعلم منك بما يصلح لك في دينك ودنياك ، وأعرف منك بما عندك .

    واللهِ لئن دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه المرة إلى الزواج لأجيبنّه .

    * * *

    لم يمض على ذلك طويل وقت حتى قال لي الرسول صلى الله عليه وسلم : ((ألا تتزوّج يا ربيعة ؟!)) .

    فقلتُ : بلى يا رسول الله … ولكن من يُزوّجني ، وأنا كما تعلم ؟! .

    فقال صلى الله عليه وسلم : ((انطلِق إلى آل فلان وقل لهم : إنّ رسول الله يأمركم أن تزوّجوني فتاتكم فلانة)) .

    فأتيتهم على استحياء وقلت لهم: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليكم لتزوّجوني فتاتكم فلانة .

    فقالوا: فلانة؟! .

    فقلتُ: نعم .

    فقالوا: مرحباً برسول الله ، ومرحباً برسول رسول الله … واللهِ لا يرجع رسول رسول الله إلا بحاجته … وعقدوا لي عليها .

    فأتيت النبي صلوات الله وسلامه عليه وقلتُ: يا رسول الله ، لقد جئتُ من عندِ خير بيت … صدّقوني ، ورحّبوا بي ، وعقدوا لي على ابنتهم .

    فمن أين آتيهم بالمهر؟! .

    فاستدعى الرسول صلى الله عليه وسلم بُريدة بن الحُصيب ـ وكان سيّداً من سادات قومي [بني أسلم] ـ وقال له: ((يا بُريدة ، اجمعوا لربيعة وزنُ نواةٍ ذهباً)) … فجمعها لي .

    فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم : ((اذهب بهذا إليهم ، وقل لهم : هذا صَدَاق ابنتكم)) ، فأتيتهم ، ودفعته إليهم فقبلوه ، ورضوه ، وقالوا: كثير طيّب …

    فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقلتُ : ما رأيتُ قوماً قطّ أكرم منهم ؛ فلقد رضوا ما أعطيتهم ـ على قلّته ـ وقالوا: كثير طيّب .

    فمن أين لي ما أولِم به يا رسول الله ؟! ـ أولم به : أنفق منه على وليمة العرس ـ

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لبُريدة : ((اجمعوا لربيعة ثمنَ كبش)) ، فابتاعوا لي كبشاً عظيماً سميناً .

    فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم : ((اذهب إلى عائشة ، وقل لها أن تدفع لك ما عندها من الشعير)) ، فأتيتها فقالت: إليكَ المِكتل ففيه سبعُ آصعٍ شعير ، لا والله ما عندنا طعام غيره .

    فانطلقت بالكبش والشعير إلى أهل زوجتي فقالوا: أمّا الشعير فنحنُ نعدّه ، وأمّا الكبش فمُر أصحابك أن يعدّوه لكَ .

    فأخذتُ الكبشَ ـ أنا وناسٌ من ((أسْلَم)) ـ فذبحناه وسلخناه وطبخناه ، فأصبح عندنا خبز ولحم .

    فأولمتُ ودعوتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجاب دعوتي .

    * * *

    ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم منحني أرضاً إلى جانب أرض لأبي بكر ، فدخلتُ على الدنيا ، حتّى إنّي اختلفتُ مع أبي بكر على نخلةٍ فقلتُ: هي في أرضي .

    فقال: بل هي في أرضي .

    فنازعته، فأسمعني كلمةً كرهتها .

    فلمّا بدَرت منهُ الكلمة ؛ ندِمَ عليها وقال: يا ربيعة ردّ عليّ مثلها حتّى يكون قصاصاً .

    فقلتُ: لا والله لا أفعل .

    فقال: إذن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشكو إليه امتناعك عن الاقتصاص منّي … وانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمضيتُ في إثره .

    فتبعني قومي بنو ((أسلم)) وقالوا:

    هو الذي بدأ بكَ فشتمكَ ، ثمّ يسبقُكَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشكوكَ ؟!! .

    فالتفتُ إليهم وقلتُ: وَيحكم أتدرون من هذا ؟!…

    هذا الصّدّيق … وذو شيبةِ المسلمين … ارجعوا قبل أن يلتفتَ فيراكم ، فيظنّ أنّكم إنّما جئتم لِتعينوني عليه فيغضب ، فيأتي رسول الله فيغضب النبي صلى الله عليه وسلم لِغضبه ، فيغضب الله لِغضبهما فيهلك ربيعة؛ فرجعوا ..

    ثمّ أتى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحدّثه الحديث كما كان ، فرفعَ الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه إليّ وقال : ((يا ربيعة ما لكَ وللصّدّيق ؟!)) .

    فقلتُ: يا رسول الله أرادَ منّي أن أقول له كما قال لي ؛ فلم أفعل .

    فقال صلى الله عليه وسلم: ((نعم لا تقل له كما قال لك … ولكنْ قلْ : غفرَ الله لأبي بكرٍ)) .

    فقلتُ له: غفرَ الله لكَ يا أبا بكر .

    فمضى وعيناه تفيضان من الدمعِ، وهو يقول:

    جزاكَ الله عنّي خيراً يا ربيعة بنُ كعبٍ …

    جزاكَ الله عنّي خيراً يا ربيعة بنُ كعبٍ .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  5. #35
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ



    ((باركَ اللهُ لكَ فيما أعطيتَ ، وباركَ الله لكَ فيما أمسكتَ)) [مِن دعاءِِ الرسول صلى الله عليه وسلم لَه]



    هو أحد الثمانية السّابقين إلى الإسلام …

    وأحد العشرة المُبشّرين بالجنّة …

    وأحدُ الستة أصحاب الشورى يوم اختيار الخليفة بعد الفاروق …

    وأحد النفر الذين كانوا يُفتون في المدينة ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه حيّ قائم بين ظهرانَي المسلمين …

    كان اسمه في الجاهليّة عبد عمرو ، فلمّا أسلم دعاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن .

    ذلكم هو عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه وأرضاه .



    * * *

    أسلم عبد الرحمن بن عوف قبل أن يدخل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ديار ((الأرْقم)) - ديار الأرقم: ديار في مكّة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو فيها إلى الإسلام ، وهي للأرقم بن عبد مناف المخزومي ، وكانت تسمّى ((ديار الإسلام)) - وذلك بعد إسلام الصّدّيق بيومين اثنين .

    ولقِيَ من العذاب في سبيل الله ما لَقِيهُ المسلمون الأوّلون فصبَرَ وصبروا ، وثبتَ وثبتوا ، وصدقَ وصدقوا ، وفرّ بدينة إلى ((الحَبَشة)) كما فرّ كثير منهم بدينه .

    ولمّا أُذِنَ للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهجرة إلى المدينة كان في طليعة المهاجرين الذين هاجروا لله ورسوله .

    ولمّا أخذَ الرسول صلوات الله عليه يؤاخي بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سعدِ بن الربيع الأنصاريّ رضي الله عنه ، فقال سعدٌ لأخيه عبد الرحمن بن عوف :

    أي أُخيّ … أنا أكثرُ أهل المدينة مالاً ، وعِندي بُستانانِ ، ولي امرأتانِ ؛ فانظر أي بُستانيّ أحبّ إليك حتى أخرجَ لك عنه ، وأيّ امرأتيّ أرضى عندك حتى أطلّقها لك .

    فقال عبد الرحمن لأخيه الأنصاريّ : باركَ الله لكَ في أهلكَ ومالكَ … ولكن دُلّني على السوق … فدلّه عليه فجعل يتّجرُ ، وطفِقَ يشتري ويبيع ، ويربحُ ويدّخر .

    وما هو إلا قليل حتى اجتمع لديه مهر امرأة فتزوّج ، وجاء الرسول عليه الصلاة والسلام وعليه طِيبٌ …

    فقال له الرسول صلوات الله عليه: ((مَهْيَمْ يا عبد الرحمن)) - مِهْيَمْ: كلمة يمانِية تُفيد الاستفسار والتعجّب-.

    فقال: تزوّجت …

    فقال: ((وما أعطيت زوجك من المهرِ ؟!)) .

    قال: وزن نواة من ذهب …

    قال صلى الله عليه وسلم: ((أوْلِمْ ، ولو بشاة ، بارك الله لكَ في مالِك)) …

    قال عبد الرحمن: فأقبلتِ الدنيا عليّ حتى رأيتني لو رفعتُ حجراً لتوقّعت أن أجِد تحته ذهباً أو فضّة .

    * * *

    وفي يوم ((بدر)) جاهد عبد الرحمن بن عوف في الله حقّ جهاده فأردى عدوّ الله عُمير بن عثمان بن كعب التّيميّ .

    وفي يوم ((أحُد)) ثبتَ حين زُلزلتِ الأقدام ، وصمدَ حين فرّ المُنهزمون ، وخرج من المعركة وفيه بضعة وعشرون جرحاً ، بعضها عميق تدخلُ فيه يدُ الرجل .

    ولكنّ جهاد عبد الرحمن بن عوف بنفسه أصبح يُعد قليلاً إذا قيس بجهاده بماله .

    فها هو ذا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يريد أن يجهّز سريّة ، فوقف في أصحابه وقال: ((تصدّقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً)) .

    فبادر عبد الرحمن بن عوف إلى منزله وعاد مسرعاً وقال :

    يا رسول الله عندي أربعة آلاف : ألفان منها أقرضتهما ربّي ، وألفان تركتهما لعيالي .

    فقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه :

    ((باركَ الله لكَ فيما أعطيتَ … وباركَ الله لكَ فيما أمسكتَ))



    * * *

    ولمّا عزم الرسول عليه الصلاة والسلام على غزوة ((تبوك)) - وهي آخر غزوة غزاها في حياته - كانت الحاجة إلى المال لا تقلّ عن الحاجة إلى الرجال؛ فجيش الروم وافرُ العَدد كثير العُدد ، والعامُ في المدينة عام جدبٍ ، والسفر طويل ، والمؤونة قليلة ، والرّواحلُ أقل حتّى إنّ نفراً من المؤمنين جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه في حُرقة أن يأخذهم معه فردّهم لأنّه لم يجد عنده ما يحملهم عليه ، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما يُنفقون .. فسمّوا بالبَكّائين ، وأطلِق على الجيش اسم ((جيشِ العسرَة)) .

    عِند ذلك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه بالنفقة في سبيل الله واحتساب ذلك عند الله ، فهبّ المسلمون يستجيبون لِدعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان في طليعة المُتصدّقين عبد الرحمن بن عوف ؛ فقد تصدّق بمائتي أوقية من الذهب ، فقال عمر بن الخطاب للنبي عليه السلام:

    إنّي لا أرى عبد الرحمن إلا مرتكباً إثماً ؛ فما تركَ لأهله شيئاً … فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : ((هل تركتَ لأهلك شيئاً يا عبد الرحمن ؟)) .

    فقال: نعم … تركتُ لهم أكثر ممّا أنفقت وأطيب .

    قال صلى الله عليه وسلم: ((كَم ؟!)) .

    قال: ما وعدَ الله ورسوله منَ الرزق والخير والأجرِ .



    * * *

    ومضى الجيش إلى تبوك … وهناك أكرم الله عبد الرحمن بن عوف بما لم يُكرم به أحداً من المسلمين ، فقد دخلَ وقت الصلاة ، ورسول الله صلوات الله عليه غائب ؛ فأمّ المسلمين عبد الرحمن بن عوف ، وما كادت تتمّ الركعة الأولى حتى لحِقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلّين ، واقتدى بعبد الرحمن بن عوف وصلّى خلفَه …

    فهل هنالِكَ أكرم كرامة وأفضل فضلاً من أن يغدو أحدٌ إماماً لسيّد الخلقِ ، وإمام الأنبياء محمد بن عبد الله ؟!! .



    * * *

    ولمّا لحِق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى جعلَ عبد الرحمن بن عوف يقوم بمصالِح أمهات المؤمنين ، فكان ينهضُ بحاجاتهنّ … فيخرج معهنّ إذا خرجنَ ، ويحُجّ معهنّ إذا حجَجْنَ ويجعل على هوادِجهنّ الطّيالِسَة - الطيالسة: أكسية خضر يستعملها الخواصّ - ، وينزل بهنّ في الأماكن التي تسُرهنّ ، وتِلكَ منقبة من مناقب عبد الرحمن بن عوف ، وثقة من أمهات المؤمنين بهِ يحقّ له أن يعتزّ بها ويفخر .



    * * *

    ولقد بلغ من برّ عبد الرحمن بن عوف بالمسلمين وأمّهات المؤمنين أنّه باعَ أرضاً له بأربعين ألف دينار ؛ فقسمها كلها في بني ((زُهرة)) ـ بني زهرة: قوم آمنة بنت وهب أمّ الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وفقراء المسلمين والمهاجرين ، وأزواج النبي عليه الصلاة والسلام ، فلمّا بعثَ إلى أمّّ المؤمنين عائشة رضوان الله عليها بما خصّها من ذلك المال ؛ قالت: مَن بعثَ هذا المال ؟ .

    فقيل: عبد الرحمن بن عوف .

    فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يحنو عليكنّ مِن بعدي إلا الصّابرون)) .



    * * *

    وقد استجيبت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وبُورك لعبد الرحمن بن عوف في ماله ، فقد أخذت تجارته تنمو وتزداد ، وطفِقت عِيرُهُ تتردّد ذاهبة من المدينة أو عائدة إليها تحمل لأهلها القمح ، والدقيق ، والدّهن ، والثياب ، والآنية ، والطّيب ، وكل ما يحتاجون إليه … وتنقل ما يفضل عن حاجتهم ممّا يُنتجونه .



    * * *

    وفي ذات يوم قدِمت عيرُ عبد الرحمن بن عوف على المدينة ، وكانت مؤلّفة من سبعمائة راحلة …

    نعم سبعمائة راحِلة … وهي تحمل على ظهورها الطعام ، والمتاع ، وكل ما يحتاج إليه الناس .

    فما إن دخلتِ المدينة حتّى رجّت الأرض بها رجّا ، وسُمِع لها دوي وضجّة ، فقالت عائشة رضوان الله عليها:

    ما هذه الرجّة؟ .. فقيل لها: عيرٌ لعبد الرحمن بن عوف … سبعمائة ناقة تحملُ البُرّ ، والدقيق ، والطعام .

    فقالت عائشة رضوان الله عليها: باركَ الله لهُ فيما أعطاه في الدنيا ، ولَثوابُ الآخرة أعظم .

    وقبلَ أن تبرُك النوق ، كان الخبرُ قد نُقِلَ إلى عبد الرحمن بن عوف ، فما إن لامَست مقالة أمّ المؤمنين سَمعَهُ حتى طار مسرعاً إلى عائشة وقال:

    أُشهدُكِ يا أمّه أنّ هذِه العير جميعها بأحمالها وأقتابها أحلاسها في سبيل الله .



    * * *

    بقيت دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لِعبد الرحمن بن عوف بأن يُبارك الله له تُظلّله ما امتدّت به الحياة ، حتّى غدا أغنى الصحابة غنىً وأكثرهم ثراءً … لكِنَ عبد الرحمن بن عوف جعل ذلك المال كلّه في مرضاة الله ومرضاة رسوله ، فكان يُنفقه بكلتا يديه يميناً وشمالاً ، وسرّاً وإعلاناً … حيث تصدّق بأبعين ألف درهم من الفضة ، ثمّ أتبعها بأربعين دينارٍ ذهباً … ثم تصدّق بمائتي أوقية من الذهب … ثمّ حمل مجاهِدين في سبيل الله على خمسمائة فرس ، ثمّ حملَ مجاهدين آخرين على ألف وخمسمائة راحِلة .

    ولمّا حضرت عبد الرحمن بن عوف الوفاة أعتقَ خلقاً كثيراً مِن مماليكه .

    وأوصى لكل رجل بقيَ من أهلِ ((بدرٍ)) بأربعمائة دينارٍ ذهباً ، فأخذوها جميعاً ، وكان عددهم مائة .

    وأوصى لكلّ واحدة من أمّهات المؤمنين بمالٍ جزيلٍ ؛ حتى إنّ أمّ المؤمنين عائشة - رضوان الله عليها- كثيراً ما كانت تدعو له فتقول:

    ((سقاهُ الله من ماءِ السّلسبيل)) .

    ثمّ إنّه بعد ذلك كلّه خلّف لِورثته مالاً لا يكاد يُحصيه العدّ … حيث تركَ ألف بعير ، ومائة فرس ، وثلاثة آلاف شاة ، وكانت نساؤه أربعاً فبلغَ ربع الثمن الذي خصّ كل واحدة منهنّ ثمانين ألفاً .

    وتركَ من الذهب والفضة ما قسّم بين ورثته بالفؤوسِ حتى تأثّرت أيدي الرجال من تقطيعه .

    كلّ ذلك بفضلِ دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُباركَ لهُ مَالِه .



    * * *

    لكنّ ذلك المال كلّه لم يفتن عبد الرحمن بن عوف ، ولم يغيّره ؛ فكان الناس إذا رأوه بين مماليكه لم يُفرّقوا بينه وبينهم .

    وقد أتِيَ ذات يوم بطعام - وهو صائم- فنظرَ إليه ثمّ قال:

    لقد قتِلَ مُصعب بن عُمير - وهو خيرٌ منّي - فما وجدنا لهُ إلا كفناً إن غطّى رأسه بدت رِجلاه ، وإن غطّى رجليه بدا رأسه .

    ثمّ بسطَ الله لنا منَ الدنيا ما بسطَ …

    وإنّي لأخشى أن يكونَ ثوابنا قد عجّل لنا …

    ثمّ جعل يبكي وينشج حتى عافَ الطعام .



    * * *

    طوبى لِعبد الرحمن بن عوف وألفُ غِبطة …

    فقد بشَّره بالجنّة الصّادق المَصدوق محمد بنُ عبدِ الله .

    وحملَ جنازَتهُ إلى مثواه الأخير خال رسول الله سعدُ بن أبي وقّاص .

    وصلّى عليه ذو النّورين عثمان بن عفّان .

    وشيّعه أمير المؤمنين المُكرّم الوجه علي بن أبي طالب ، وهو يقول:

    ((اذهب فقد أدركتَ صَفوها ، وسَبقتَ زَيفَها يرحَمُكَ الله)) .







    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  6. #36
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    سعيدُ بنُ زَيدٍ



    ((اللّهمّ إن كُنتَ حَرَمتني مِن هذا الخير فلا تحرِم منهُ ابني سَعيداً)) [زَيدٌ والدُ سعيدٍ]





    وقفَ زيدُ بنُ عمرو بن نُفيل بعيداً عن زحمة الناس يشهد قريشاً وهي تحتفلُ بعيدٍ من أعيادها ، فرأى الرجال يلفّون العمائم السندسيّة الغالية ، ويختالون بالبرود اليمانيّة الثمينة ، وأبصر النساء والوِلدان وقد لَبِسوا زاهي الثياب وبديعَ الحُلل ، ونظرَ إلى الأنعام يقودها الموسرون ، بعدَ أن حلّوها بأنواع الزينة ، ليذبحوها بين أيدي الأوثان …

    فوقف مسنداً ظهرهُ إلى جديار الكعبة وقال:

    يا معشرَ قريش … الشاة خلقها الله ، وهو الذي أنزل لها المطر مِن السماء فرويت ، وأنبت لها العشب من الأرض فشبعت ، ثم تذبحوها على غير اسمه ، إنّي أراكم قوماً تجهلون !!

    فقام إليه عمّه الخطاب والدُ عمر بن الخطاب ، فلَطَمه ، وقال:

    تبّاً لكَ ، ما زِلنا نسمعُ منك هذا البذاءَ ونحتمِلهُ ، حتّى نفدَ صبرُنا ، ثمّ أغرى به سفهاء قومه فآذوه ، وَلَجّوا في إيذائه ، حتّى نزحَ عن مكّة والتجأ إلى جبل ((حِراء)) ، فوكلَ بهِ الخطاب طائفةً من شباب قريش ، لِيحولوا دونه ودُونَ دخولِ مكّة ، فكان لا يدخُلها إلا سِرّاً .

    * * *

    ثمّ إنّ زيد بن عمرو بن نُفيل اجتمع - في غفلةٍ من قريش - إلى كل من ورقة بن نوفل ، وعبد الله بن جحشٍ ، وعثمان بن الحارث ، وأميمة بنت عبد المُطّلب عمّة محمد بن عبد الله ، وجعلوا يتذاكرون ما غرِقت فيه العرب من الضلال ؛ فقال زيد لأصحابه :

    إنّكم - واللهِ - لتعلمون أنّ قومكم ليسوا على شيءٍ ، وأنّّهم أخطؤوا دِين إبراهيم وخالفوه ، فابتغوا لأنفسكم ديناً تدينون به ، إن كنتم ترومون النجاة .

    فهبّ الرجال الأربعة إلى الأحبار من اليهود والنّصارى وغيرهم مِن أصحاب المِلل ، يلتمسون عندهم الحنيفيّة دينَ إبراهيم .

    أمّا ورقة بن نوفلٍ فتنصّر .

    وأمّا عبدُ الله بن جحشٍ ، وعثمان بن الحارث فلم يصلا إلى شيء .

    وأمّا زيد بن عمرو بنُ نفيل فكانت له قصّة ، فلندَع له الكلام ليرويها لنا …

    * * *

    قال زيد بن عمرو: وقفت على اليهوديّة والنّصرانيّة ، فأعرضتُ عنهما إذ لم أجد فيهما ما أطمئنّ إليه ، وجعلتُ أضرِبُ في الآفاق بحثاً عن ملّة إبراهيم حتى صرت إلى بلاد الشام ، فذكر لِي راهبٌ عنده علمٌ من الكتاب ، فأتيته فقصصتُ عليه أمري ، فقال:

    أرَاكَ تريدُ دينَ إبراهيم يا أخا مكّة .

    قلتُ: نعم ، ذلك ما أبغي ..

    فقال: إنّك تطلب ديناً لا يوجد اليوم ، ولكن الْحَقْ بِبَلَدِكَ فإنّ الله يبعث مِن قومِكَ من يجدّد دين إبراهيم ، فإذا أدركتهُ فالتزمهُ .

    فقفل زيدٌ راجعاً إلى مكّة يحثّ الخُطى الْتِماساً للنبي الموعود .

    ولمّا كان في بعض طريقه بعث الله نبيّه محمداً بدين الهدى والحق ؛ لكنّ زيداً لم يُدركه إذ خرجت عليه جماعة من الأعراب فقتلتُه قبل أن يبلغ مكّة ، وتكتحل عيناه برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وفيما كان زيد يلفظ أنفاسه الأخيرة رَفَع بصره إلى السماء وقال:

    اللّهمّ إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني ((سعيداً)) .

    * * *

    وشاء الله سبحانه أن يستجيب دعوة زيد ، فما إن قام الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى الإسلام حتى كان سعيد بن زيد في طليعة مَن آمنوا بالله ، وصدّقوا رسالة نبيّه .

    ولا غروَ ؛ فقد نشأ سعيد في بيت يستنكر ما كانت عليه قريش من الضلال ، ورُبّي في حِجْر أبٍ عاش حياته وهو يبحث عن الحق … ومات وهو يركض لاهِثاً وراء الحق …

    ولم يُسلِم سعيد وحدَه ، وإنّما أسلمَت معه زوجته فاطمة بنتُ الخطاب أختُ عمر بن الخطاب .

    وقد لقيَ الفتى القرشيّ من أذى قومه ما كان خليقاً أن يفتنهُ عن دينه ؛ ولكنّ قريشاً بدلاً مِن أن تصرفه عن الإسلام استطاع هو وزوجه أن ينتزعا منها رجلاً مِن أثقلِ رجالِها وزناً ، وأجلّهم خطراً …

    حيثُ كانا سبباً في إسلام عمر بن الخطاب .

    * * *

    وضعَ سعيد بن زيد طاقاته الفتيّة الشّابة كلها في خدمة الإسلام ، إذ إنّه أسلم وسنّه لم تجاوز العشرين بعد ، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلّها إلا ((بدراً)) ، فقد غاب عن ذلك اليوم لأنّه كان في مهمّة كلّفه إيّاها النبي عليه الصلاة والسلام .

    وأسهم مع المسلمين في استلال عرشِ ((كسرى)) وتقويض مُلك ((قيصر)) ، وكانت له في كل موقفة خاض غِمارها المسلمون مواقف غرّ مشهودة ، وأيادٍ بيض محمودة .

    ولعلّ أروع بطولاته ، تلك التي سجّلها يوم ((اليرموك)) ، فلنترك له الكلام ليقصّ علينا طرَفاً من خبر ذلك اليوم .

    * * *

    قال سعيد بن زيد:

    لمّا كان يوم ((اليرموك)) كنّا أربعاً وعشرين ألفاً أو نحواً من ذلك ، فخرجت لنا ((الروم)) بعشرين ومائة ألف ، وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة كأنّهم الجبال تحرّكها أيد خفيّة ، وسار أمامهم الأساقفة والبطارقة والقِسّيسون يحملون الصّلبان وهم يجهرون بالصلوات ؛ فيّردّدها الجيش من ورائهم وله هزيم كهزيم الرعد .

    فلمّا رآهم المسلمون على حالهم هذه ، هالتهم كثرتهم ، وخالط قلوبهم شيء من خوفهم .

    عند ذلك قام أبو عبيدة بن الجرّاح يحضّ المسلمين على القتال ، فقال:

    عِباد الله ، انصروا الله ينصركم ويُثبّت أقدامكم …

    عِباد الله ، اصبروا فإنّ الصبر منجاةٌ من الكٌفر ، ومرضاة للربّ ، ومدحضة للعار ، وأشرِعوا الرماح ، واستتروا بالتروس ، والزموا الصمت إلا من ذِكر الله عزّ وجلّ في أنفسكم ، حتّى آمركم إن شاء الله .

    قال سعيد: عند ذلك ، خرج رجلٌ من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة :

    إنّي أزمعتُ على أن أقضيَ أمريَ الساعة ، فهل لكَ من رسالةٍ تبعثُ بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! .

    فقال أبو عبيدة: نعم ، تُقرئهُ منّي ومنَ المسلمين السلام ، وتقول له :

    يا رسول الله ، إنّا وجدنا ما وعدنا ربّنا حقاً .

    قال سعيد: فما إن سمعتُ كلامه ، ورأيته يمتشق حسامهُ ، ويمضي إلى لقاء أعداء الله، حتى اقتحمت إلى الأرض ، وجثوتُ على رُكبتيَّ ، وأشرعتُ رُمحي وطعنتُ أوّل فارس أقبل علينا ، ثمّ وثبت على العدوّ وقد انتزع الله كلّ ما في قلبي من الخوف ؛ فثار الناس في وجوه ((الروم)) ، وما زالوا يقاتلونهم حتّى كتبَ الله للمؤمنين النّصر .

    * * *

    شهِدَ سعيد بن زيد بعد ذلكَ فتحَ ((دِمشق)) ، فلمّا دانت للمسلمين بالطاعة ، جعلهُ أبو عبيدة بن الجرّاح والياً عليها ، فكان أوّل من وَليَ إمرةَ ((دمشق)) من المسلمين .

    * * *

    وفي زمن بني أميّة وقعت لسعيد بن زيد حادثة ظلَّ أهل يثرب يتحدّثون بها زمناً طويلاً .

    ذلك أنّ ((أروى بنتَ أويسٍ)) زعمت أنّ سعيد بن زيد قد غصبَ شيئاً من أرضها وضمّها إلى أرضه ، وجعلت تلوكُ ذلك بين المسلمين وتتحدّث به ، ثم رفعت أمرها إلى ((مروان بن الحكم)) والي المدينة المنوّرة ، فأرسل إليه مروان أناساً يُكلّمونه في ذلك ، فصعبَ الأمرُ على صاحب رسول الله وقال:

    يَروْنَني أظلمُها !! كيف أظلِمها! وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

    ((من ظلم شبراً من الأرض طوّقه يوم القيامة من سبعِ أرضينَ)) …

    اللهمّ إنّها قد زعمت أنّي ظلمتها ، فإن كانت كاذبة ، فأعمِ بصرَها ، وألقها في بئرها الذي تنازعني فيه ، وأظهر من حقّي نوراً يبيّن للمسلمين أنّي لم أظلمها .

    * * *

    لم يمض على ذلك غير قليل ، حتى سال ((العقيق)) - العَقِيق: وادٍ في المدينة يجري فِيه السَّيل -بسيلٍ لم يسل مثله قط ، فكشف عن الحدّ الذي كانا يختلفانِ فيه ، وظهر للمسلمين أنّ سعيداً كان صادقاً .

    ولم تلبث المرأة بعد ذلك شهراً حتى عميت ، وبينما هي تطوف في أرضِها تلك ، سقطت في بئرها .

    قال عبد الله بن عمر: فكنّا ونحن غلمان نسمع الإنسان يقول للإنسان:

    ((أعماكَ الله كما أعمى الأروى)) .

    ولا عجبَ في ذلك ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول:

    ((اتّقوا دعوة المظلوم ، فإنّه ليس بينها وبين الله حجابٌ)) .

    فكيف إذا كان المظلوم سعيد بن زيد ، أحدَ العشرةِ المبشّرينَ بالجنّةِ ؟! .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  7. #37
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    زيد بن ثابت | جامع القرآن

    إذا حملتَ ((المصحف)) بيمينك ، واستقبلتَه بوجهك، ومضيت تتأنّق في روضاته اليانعات، سورة سورة، وآية آية، فاعلم أن من بين الذين يدينونك بالشكر والعرفان على هذا الصنيع العظيم ، رجل كبير اسمه: ((زيد بن ثابت))..!!

    وإنّ وقائع جمع القرآن في مصحف، لا تُذكر إلا ويُذكر معها هذا الصحابي الجليل ..

    وحين تُنثر زهور التكريم على ذكرى المباركين الذين يرجع إليهم فضل جمع القرآن وترتيبه وحفظه، فإنّ حظ ((زيد بن ثابت)) من تلك الزهور، لَحظّ عظيم..



    * * *

    هو أنصاريّ من المدينة ..

    وكانت سِنّه يوم قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً ، إحدى عشرة سنة، وأسلم الصبي الصغير مع المسلمين من أهله ، وبُورِك بدعوة من الرسول له..

    وصحبه آباؤه معهم إلى غزوة بدر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم رَدَّه لِصغر سنّه وجسمه ..

    وفي غزوة أُحُد ذهب مع جماعة من أترابه إلى الرسول يحملون إليه ضَراعتهم كي يقبلهم في أي مكان من صفوف المجاهدين ..

    وكان أهلوهم أكثر منهم ضراعة وإلحاحاً ورجاء ..

    ألقى الرسول صلى الله عليه وسلم على الفرسان الصغار نظرة شاكرة، وبدا كأنّه سيعتذر عن تجنيدهم في هذه الغزوة أيضاً ..

    لكن أحدهم، وهو – رافع بن خديج – تقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحمل حربة، ويحركها بيمينه حركات بارعة، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم:

    ((إنّي كما ترى رامٍ، أجيدُ الرمي فأذَن لي))..

    وحيَّا الرسول هذه البطولة الناشئة، الناضرة، بابتسامة راضية، ثمّ أذن له..

    وانتفضت عروق أتْرابه..

    وتقدم ثانيهم، وهو ((سَمُرة بن جُندب))، وراح يُلوِّح في أدب بذراعيه المفتولتين، وقال بعض أهله للرسول صلى الله عليه وسلم:

    ((إنّ سَمُرة يصرعُ رافعاً)) ..

    وحيّاه الرسول صلى الله عليه وسلم بابتسامته الحانية، وأذن له ..

    كانت سنُّ كل من رافع وسَمُرة، قد بلغت الخامسة عشرة، إلى جانب نموها الجسماني القوي..

    وبقي من الأتراب ستة أشبال، منهم زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر..

    ولقد راحوا يبذلون جهدهم وضراعتهم بالرجاء تارة، وبالدمع تارة، وباستعراض عضلاتهم تارة..

    لكنّ أعمارهم كانت باكرة، وأجسامهم غضة، فوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالغزوة المقبلة ..

    وهكذا بدأ زيد مع إخوانه دوره كمقاتل في سبيل الله بدءاً من غزوة الخندق، سنة خمس من الهجرة..

    كانت شخصيته المسلمة المؤمنة تنمو نمواً سريعاً وباهراً، فهو لم يبرع كمجاهد فحسب، بل كمثقف متنوع المزايا أيضاً، فهو يُتابع القرآن حفظاً، ويكتب الوحي لرسوله، ويتفوّق في العلم والحكمة، وحين يبدأ الرسول في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي كله، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها، يأمر زيداً أن يتعلم بعض لغاتهم فيتعلمها في وقت وجيز..

    وهكذا تألّقت شخصية زيد بن ثابت وتبوأ في المجتمع الجديد مكاناً عَليّاً وصار موضع احترام المسلمين وتوقيرهم..

    يقول ((الشَّعبي)): ((ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسك ابن عبّاس بالرّكاب.

    فقال له زيد: تنحَّ يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فأجابه ابن عبّاس: لا ، فهكذا نصنع بعلمائنا)) ..

    ويقول ((قَبيصَة)): ((كان زيد رأساً بالمدينة في القضاء، والفتوى، والقراءة، والفرائض))…

    ويقول ((ثابت بن عبيد)): ((ما رأيتُ رجلاً أفْكَهَ في بيته، ولا أوقَر في مجلسه من زيد)) .

    ويقول ((ابن عبّاس)):

    ((لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم)) ..

    إنّ هذه النُّعوت التي يرددها عنه أصحابه لَتزيدنا معرفة بالرجل الذي تدَّخر له المقادير شرَف مهمة من أنبل المهام في تاريخ الإسلام كله.. مهمة جمع القرآن.



    * * *

    منذ بدَأ الوحي يأخُذ طريقه إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون من المُنذرين، مُستهلاًّ موكب القرآن والدعوة بهذه الآيات الرائعة..

    ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[ [العلق: 1 – 5]

    منذ تلك البداية، والوحي يُصاحب الرسول عليه الصلاة والسلام، ويَخفُّ إليه كلما ولّى وجهه شّطر الله راجياً نوره وهُداه.

    وخلال سنوات الرسالة كلها، حيث يفرغ النبي من غزوة ليبدأ أخرى .. وحيث يُحْبط مكيدة وحرباً، ليواجه خصومه بأخرى، وأخرى.. وحيث يبني عالماً جديداً بكل ما تحمله الجدّة من معنى..

    كان الوحي يتنزَّل، والرسول يتلو، ويُبلغ، وكان هُناك ثُلة مباركة تحرك حِرصها على القرآن من أول يوم، فراح بعضهم يحفظ منه ما استطاع، وراح بعضهم الآخر ممن يجيدون الكتابة، يحتفظون بالآيات مسطورة.

    وخلال إحدى وعشرين سنة تقريباً، نزل القرآن خلالها آية آية، أو آيات، تِلْو آيات، مُلبِّياً مناسبات النزول وأسبابها، كان أولئك الحفَظة، والمسجِّلون، يوالون عملهم في توفيق من الله كبير..

    ولم يجئ القرآن مرة واحدة وجملة واحدة، لأنه ليس مكتوباً مؤلفاً، ولا موضوعاً.

    إنّما هو دليل ((أمة جديدة)) تُبنى على الطبيعة، لَبِنة لَبنة ، ويوماً يوماً، تنهض عقيدتها، ويتشكل قلبها، وفِكرها، وإرادتها وَفْق مشيئة إلهية، لا تفرض نفسها من عَلٍ، وإنّما تقود التجربة البشرية لهذه الأمة في طريق الاقتناع الكامل بهذه المشيئة..

    ومن ثمّ، كان لا بد للقرآن أن يجيء مُنجَّماً، ومُجزَّأً، ليتابع التجربة في سيرها النامي، ومواقفها المتجددة، وأزماتها المتصَدية .

    توافَر الحُفّاظ، والكتبة، -كما ذكرنا من قبل - على حفظ القرآن وتسجيله، وكان على رأسهم علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس، وصاحب الشخصية الجليلة التي نتحدث عنها الآن: ((زيد بن ثابت)) - رضي الله عنهم - أجمعين ..



    * * *

    وبعد أن تم نزولا، وخلال الفترة الأخيرة من فترات تنزّله، كان الرسول يقرؤه على المسلمين … مُرتِّباً سوره وآياته .

    وبعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - شُغِل المسلمون من فَوْرِهم بحروب الرِّدَّة..

    وفي معركة اليمامة…التي تحدثنا عنها من قبل خلال حديثنا عن ((خالد بن الوليد)) كان عدد الشهداء من قرّاء القرآن وحفظته كبيراً ومُثيراً … فما كادت نار الردّة تخبو وتنطفئ حتى فزع عمر إلى الخليفة ((أبي بكر الصّدّيق)) راغباً إليه في إلحاح أن يُسارعوا إلى جمع القرآن قبلما يدرك الموت والشهادة بقية القرّاء والحُفّاظ .

    واستخار الخليفة ربَّه.. وشاور صحبه… ثم دعا زيد بن ثابت وقال له:

    ((إنّك شاب عاقل لا نتهمك))..

    وأمره أن يبدأ بجمع القرآن الكريم، مستعيناً بذوي الخبرة في هذا الموضوع..

    ونهض زيد بالعمل الذي توقف عليه مصير الإسلام كله كدين..!

    وأبلى بلاءً عظيماً في إنجاز أشق المهام وأعظمها، فمضى يجمع الآيات والسور من صدور الحفاظ، ومن مواطنها المكتوبة، ويُقابل، ويُعارض، ويتحرّى، حتى جمع القرآن مُرتباً ومنسقاً…

    ولقد زكّى عمله إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - الذين عاشوا يسمعونه من رسولهم صلى الله عليه وسلم خلال سنوات الرسالة جميعها، لا سيّما العلماء منهم والحفاظ والكتبة..

    وقال زيد وهو يُصوِّرُ الصعوبة الكبرى التي شكلتها قداسةُ المهمة وجلالها:

    ((والله، لو كلفوني نَقْلَ جَبَل من مكانه، لكان أهونَ عليَّ مما أمروني به من جمع القرآن))..!!

    أجَلْ …

    فَلأن يحمل زيد فوق كاهله جبلاً ، أو جبالاً، أرضى لنفسه من أن يخطئ أدنى خطأ، في نقل آية أو إتمام سورة..

    كل هول يصمد له ضميره، ودينه.. إلا خطأ كهذا مهما يكن ضعيفاً وغير مقصود…

    ولكن توفيق الله كان معه، وكان معه كذلك وعده القائل:

    ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[ [الحجر: 9]

    فنجح في مهمته، وأنجز على خير وجه مسؤوليته وواجبه.



    * * *

    كانت هذه هي المرحلة الأولى في جمع القرآن…

    بيدَ أنه جُمِع هذه المرة مكتوباً في أكثر من مصحف…

    وعلى الرغم من أن مظاهر التفاوُت والخلاف بين هذه المصاحف كانت شكلية، فإن التجربة أكّدت لأصحاب الرسول عليه السلام وجوب توحيدها جميعاً في مصحف واحد.

    ففي خلافة ((عثمان)) - رضي الله عنه - ، والمسلمون يواصلون فتوحاتهم وزحوفهم مبتعدين عن المدينة، مغتربين عنها..

    في تلك الأيام، والإسلامُ يستقبل كل يوم أفواجاً تِلوَ أفواج من الداخلين فيه ، المبايعين إيّاه، ظهر جَليّاً ما يمكن أن يُفضي إليه تعدُّد المصاحف من خطر حين بدأت الألسنة تختلف على القرآن حتى بين الصحابة الأقدمين والأولين…

    هنالك تقدم إلى الخليفة ((عثمان)) فريق من الأصحاب - رضي الله عنهم - على رأسهم ((حذيفة بن اليمان)) مفسرين الضرورة التي تُحتّم توحيد المصحف …

    واستخار الخليفة ربَّه وشاور صحبه..

    وكما استنجد أبو بكر الصّدّيق من قبل بزيد بن ثابت، استنجد به عثمان أيضاً…

    فجمع زيد أصحابه وأعوانه، وجاءوا بالمصاحف من بيت حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - ، وكانت محفوظة لَدَيها، وباشر زيد وصحبه مهمتهم العظيمة الجليلة.

    كان كل الذين يعاونون زيداً من كُتّاب الوَحي، ومن حفظة القرآن…

    ومع هذا، فما كانوا يختلفون - وقلّما كانوا يختلفون - إلا جعلوا رأي زيد وكلمته هي الحجَّة والفيْصل .



    * * *

    والآن ونحن نقرأ القرآن العظيم مُيَسَّراً .. أو نسمعه مُرتّلاً .. فإنّ الصعوبات الهائلة التي عاناها الذين اصطنعهم الله لجمعه وحفظه لا تخطر لنا على بال..!!

    تماماً، مثل الأهوال التي كابدوها، والأرواح التي بذلوها، وهم يجاهدون في سبيل الله، ليُقرِؤوا فوق الأرض ديناً قيّماً، وليبدِّدوا ظلامها بنوره المبين..







    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للكاتب الكبير خالد محمد خالد

    يتبع

  8. #38
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    صهيب الرّوميّ

    صُهيبُ بنُ سِنانٍ

    رَبحَ البيعُ أبَا يَحْيى !!





    وُلِد في أحضان النعيم …

    فقد كان أبوه حاكم ((الأبلّة)) ووالياً عليها لكسرى .. وكان من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعقد طويل ، وفي قصره القائم على شاطئ الفرات ، مما يلي الجزيرة والموصل ، عاش الطفل ناعماً ، سعيداً ..

    وذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم … وأسر المغيرون أعداداً كثيرة وسبوا ذلك الغلام ((صهيب بن سنان)) …

    ويقتنصه تجار الرقيق ، وينتهي تطوافه الطويل إلى مكّة ، حيث بيع لعبد الله بن جُدعان ، بعد أن قضى طفولته كلها وصدر شبابه في بلاد الروم ، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم .

    ويُعجب سيده بذكائه ، ونشاطه ، وإخلاصه ، فيعتقه ويحرّره ، ويهيّئ له فرصة الاتجار مَعَه .

    وذات يوم … ولندع صديقه ((عمّار بن ياسر)) يحدّثنا عن ذلك اليوم :

    ((لقيتُ صُهيب بن سِنان على باب ديار الأرقم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها …

    فقلت له : ماذا تريد…؟

    فأجابني : وماذا تريد أنت ..؟

    قلت له : أريد أن أدخل على محمد ، أسمَع ما يقول .

    قال: وأنا أريد ذلك ..

    فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم فعرَض علينا الإسلام ، فأسلمنا .

    ثم مكثنا على ذلك حتى أمسَينا … ثمّ خرجنا ، ونحن مُستخفيان)) ..!!

    عرف صهيب إذاً طريقه إلى ديار الأرقم …

    عرف طريقه إلى الهدى والنور ، و - أيضاً - إلى التضحية الشاقة ، والفداء العظيم …

    فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل ديار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطّي عتبة … بل كان يعني تخطّي حدود عالم بأسرِه..!

    عالم قديم ، بكل ما يمثله من دين وخُلُق ، ونظام وحياة .. يتخطّاه إلى عالم جديد بكل ما يمثله من دين وخلق ، ونظام ، وحياة ..

    وتخطي عتبة ديار الأرقم ، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني - في حقيقة الأمر وواقعه - عبور خِضَمّ من الهول .. واسع وعريض …

    واقتحام تلك العقبة؛ أعني تلك العتبة، كان إيذاناً بعهد زاخر بالمسؤوليات الجِسام …!

    وبالنسبة للفقراء والغرباء ، والرقيق ، كان اقتحام عتبة ديار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر .

    وإن صاحبنا ((صُهيباً)) لرجل غريب … وصديقه الذي لقيَهُ على باب الديار ((عمار بن ياسر)) رجل فقير … فما بالهما يستقبلان الهول ويُشمّران سواعدهما لملاقاته …؟؟

    إنّه نداء الإيمان الذي لا يقاوم …

    وإنّها شمائل محمد صلى الله عليه وسلم ، التي يملأ عبيرها أفئدة الأبرار هُدى وحُبّاً …

    وإنّها روعة الجديد المُشرِق ، تبهو عقولاً سئمت عفونة القديم ، وضلاله ، وإفلاسه …

    وإنّها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء … وهُداه يهدي إليه من يُنيب …

    * * *

    أخذ ((صهيب)) مكانه في قافلة المؤمنين …

    وأخذ مكاناً فسيحاً وعالياً بين صفوف المضطهدين والمعذبين ..!!

    ومكاناً عالياً كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين …

    وإنّه ليتحدث صادقاً عن ولائه العظيم لمسؤولياته؛ كمسلم بايع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسار تحت راية الإسلام ، فيقول :

    ((لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً قطّ ، إلا كُنتُ حاضِره …

    ولم يُبايع بيعةً قطّ ، إلا كنت حاضرها …

    ولم يَسِرْ سَرِيََّةً قطّ، إلا كنتُ حاضرها …

    ولا غزا غزاة قطّ ، أوّل الزمان وآخره ، إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله …

    وما خاف المسلمون أمامهم قطّ ، إلا كنت أمامهم …

    ولا خافوا وراءهم ، إلا كنت وراءهم …

    وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو أبداً حتى لقِيَ ربّه))…!!

    هذه صورة باهرة لإيمان فذ ، وولاء عظيم …

    ولقد كان ((صهيب)) - رضي الله عنه وعن إخوانه أجمعين - أهلاً لهذا الإيمان المتفوق من أول يوم استقبل فيه نور الله ، ووضع يمينه في يمين رسوله صلى الله عليه وسلم ..

    يومئذ ، أخذت علاقاته بالناس ، وبالدنيا ، بل وبنفسه طابعاً جديداً ، يومئذ امتشق نفساً صُلبة ، زاهدة ، متفانية ، وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها .. والأهوال فيُروّعها .

    ولقد مضى - كما حدّثنا من قبل - يواجه تبعاته في إقدام جَسور .. فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر .. منصرفاً ولعه وشغفه عن المغانم إلى المغارم .. وعن شهوة الحياة ، إلى عشق الخطر وحب الموت ..

    ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته ، ففي ذلك اليوم تخلّى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكّة .. تخلّى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشُب جلالها تردد ولا نكوص .

    فعندما همّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة ، علم صهيب بها ، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة ، هم : الرسول صلى الله عليه وسلم .. وأبو بكر .. وصهيب ..

    بيد أنّ القرشيين كانوا قد بيّتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ..

    ووقع ((صهيب)) في بعض فخاخهم ، فعُوّق عن الهجرة بعض الوقت ، بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله ..

    وحاور ((صهيب)) وداور ، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه ، وامتطى ظهر ناقته ، وانطلق يقطع بها الصحراء وثباً ..

    بيد أنّ قريشاً أرسلت في أثره قناصَتها فأدركوه .. ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلاً :

    ((يا معشر قريش … لقد علمتُم أنّي من أرماكم رجلاً .. وَ ايمُ الله ، لا تصلُون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ، ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء ، فأقدِموا إن شئتم …

    وإن شئتم دللتكم على مالي ، وتتركوني وشأني)) ..

    ولقد استامُوا لأنفسهم ، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له :

    - أتيتنا صعلوكاً فقيراً ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت بيننا ما بلغت ، والآن تنطلق بنفسك وبمالك ..؟؟

    فدلّّهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته ، وتركوه وشأنه ، وقفلوا إلى مكّة راجعين ..

    والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك ، وفي غير حذر فلم يسألوه بيّنة .. بل لم يستحلفوه على صدقه ..!! وهذا موقف يضفي على صهيب كثيراً من العظمة يستحقها ؛ كرجل صادق وأمين ..!!

    واستأنف ((صهيب)) هجرته وحيداً سعيداً ، حتى أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء …

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً وحوله بعض أصحابه حين أهلّ عليهم صهيب ، ولم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يراه حتى ناداه متهللاً :

    ((رَبحَ البيعُ أبا يحيى ..!! ربحَ البيعُ أبا يحيى)) ..!!

    وآنئذٍ ، نزلت الآية الكريمة :

    ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد[ِ [البقرة: 207]

    أجل ، لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة بكل ثروته التي أنفق في جمعها شبابه ، كل شبابه .. ولم يحس قطّ أنّه المغبون .

    فما المال ، وما الذهب ، وما الدنيا كلها ، إذا بقي له إيمانه ، وإذا بقيت لضميره سيادته .. ولمصيره إرادته ..؟؟

    كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه كثيراً .. وكان صهيب إلى جانب ورعه وتقواه ، خفيف الروح ، حاضر النكتة .

    رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً يأكل رطباً ، وكان بإحدى عينيه رمد ..

    فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ضاحكاً : ((أتأكل الرطب وفي عينك رمد)) …؟

    فأجاب قائلاً: ((وأيّ بأس …؟ إنّي آكله بعيني الأخرى)) ..!!

    وكان جواداً مِعطاء .. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله ، يُعين محتاجاً .. يغيث مكروباً .. ((ويطعم الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً)) .

    حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه ((عمر)) فقال له: ((أراكَ تُطعم كثيراً حتى إنّك لتسرف..؟))

    فأجابه صهيب : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((خِياركم مَن أطعمَ الطعامَ))..

    * * *

    ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم ، فإن اختيار عمر بن الخطاب إيّاه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألقاً وعظمة ..

    فعندما اعتُدي على أمير المؤمنين وهو يصلّي بالمسلمين صلاة الفجر ..

    وعندما أحس نهاية الأجل ، فراح يلقي على أصحابه وصيته وكلماته الأخيرة ، قال: ((وليُصلِّ بالناس صهيب)) ..

    لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة ، ووكل إليهم أمر اختيار الخليفة الجديد ..

    وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في صلواتهم .. ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين ، واختيار الخليفة الجديد ، من يؤم المسلمين في الصلاة ..؟

    إن عمر وخصوصاً في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها إلى الله .. إنّه ليستأني ألف مرة قبل أن يختار .. فإذا اختار ، فلا أحد هناك أوفر حظاً ممن يقع عليه الاختيار .. ولقد اختار عمر صهيباً …

    اختاره ليكون إمام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد .. بأعباء مهمته ..

    اختاره وهويعلم أنّ في لسانه عجمة ، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح ((صهيب بن سنان)) .







    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول *صلى الله عليه وسلم* للكاتب الكبير خالد محمد خالد

    يتبع

  9. #39
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    عبد الله بن الزبير

    كان جنيناً مُباركاً في بطن أمه، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكّة إلى المدينة على طريق الهجرة العظيم .

    وهكذا قُدِّر لعبد الله بن الزبير أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج إلى الدنيا بعد، ولم تتشقّق عنه الأرحام..!!

    وما كادت أمه ((أسماء)) – رضي الله عنها وأرضاها – تبلغ قباء عند مشارف المدينة ، حتى جاءها المَخاض ونزل المهاجر الجنين أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..!!

    وحُمِلَ أول مولود في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دياره بالمدينة فقبَّله وحنّكه ، وكان أول شيء دخل جوف ((عبد الله بن الزبير)) ريق الرسول الكريم .

    واحتشد المسلمون في المدينة، وحملوا الوليد في مهده، ثم طوّفوا به في شوارع المدينة كلها مُهلِّلين مكبِّرين .

    ذلك أنّ اليهود – حين نزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة – كُبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدءوا حرب الأعصاب ضد المسلمين ، فأشاعو أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلّطوا عليهم العقم، فلن تشهد المدينة منهم وليداً جديداً .. فلما أهلَّ عبد الله بن الزبير عليهم من عالم الغيب ، كان وثيقةً دمَغ بها القدرُ إفكَ يهود المدينة وأبطلَ بها كيدهم وما يفترون ..!!

    إنّ ((عبد الله)) لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولكنه تلقى من ذلك العهد، ومن الرسول نفسه بحكم اتصاله الوثيق به كل ((خامات)) رجولته ومبادئ حياته التي سنراها فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس …

    لقد راح الطفل ينمو نموّاً سريعاً ، وكان خارقاً في حيويته، وفطنته وصلابته …

    وارتدى مرحلة الشباب، فكان شبابُه طهراً، وعِفّة، ونُسكاً، وبطولة تفوق الخيال..

    ومضى مع أيامه وقدره، لا تتغير خلائقه ولا تنبو به رغائبه.. إنما هو رجل يعرف طريقه، ويقطعه بعزيمة جبارة. وإيمان وثيق وعجيب…

    * * *

    وفي فتح إفريقية، والأندلس، والقسطنطينية. كان – وهو لم يجاوز السابعة والعشرين – بطلاً من أبطال الفتوح الخالدين ..

    وفي معركة إفريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مئة وعشرون ألفاً ..

    وديار القتال .. وغَشيَ المسلمين خطرٌ عظيم..

    وألقى عبد الله بن الزبير نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوتهم . وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش، يصيح في جنوده ويحرضهم بطريقة تدفعهم إلى الموت دفعاً عجيباً ..

    وأدرك عبد الله أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد … ولكن أين السبيل إليه، ودون بلوغه جيش لجبٌ، يقاتل كالإعصار..؟؟

    بيدَ أنّ جسارة ابن الزبير وإقدامه لم يكونا موضع تساؤل قطّ..!!

    هنالك نادى بعض إخوانه، وقال لهم:

    ((احموا ظهري، واهجموا معي))…

    وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامداً نحو القائد، حتى إذا بلغه، هوى عليه في كرَّة واحدة فهوى، ثم استديار بمن معه إلى الجنود الذين كانوا يحيطون بملكهم وقائدهم فصرعوهم … ثم صاحوا: الله أكبر…

    ورأى المسلمون رايتهم ترتفع هناك، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره ويحرض جيشه، فأدركوا أنّه النصر، فشدُّوا شدَّة رجل واحد، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين…

    وعلم قائد الجيش المسلم ((عبد الله بن أبي سَرح)) بالدور العظيم الذي قام به ((ابن الزبير)) ، فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بُشرى النصر إلى المدينة، وإلى خليفة المسلمين عثمان بن عفان ..

    * * *

    على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها وإعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.

    فهذا الذي يمكن أن يبْتَعِث فيه الزّهوَ، وثنيَ الأعطاف، أكثرُ مِنْ سبب، يذهلنا بمكانه الدائم والعالي بين النَّاسكين العابدين…

    فلا حَسَبُه ولا شبابه، ولا مكانته ورفعته، ولا أمواله ولا قوته… لا شيء من ذلك كله، استطاع أن يَحول بين عبد الله بن الزبير وبين أن يكون العابد الذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعاً يبهر الألباب..

    قال عمر بن عبد العزيز يوماً لابن أبي مُليكة: صِفْ لنا عبد الله بن الزبير .. فقال:

    ((والله، ما رأيتُ نفساً رُكِّبت بين جَنبين مثل نفسه…

    ولقد كان يدخل في الصلاة ، فيخرج من كل شيء إليها…

    وكان يركع أو يسجد ، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله، لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدياراً ، أو ثوباً مطروحاً…

    ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحسَّ بها ولا اهتزَّ لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجّل ركوعه))..!!

    إن الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عِبَادة ((ابن الزبير)) لشيء يشبه الأساطير…

    فهو في صيامه، وفي صلاته، وفي حجه، وفي عُلوّ همته، وشرف نفسه…

    في سهره الليل - طوال عمره - صائماً مجاهداً..

    وفي إيمانه الوثيق بالله، وفي خشيته الدائمة له..

    هو في كل هذا نسيج وحده..!!

    سئل عنه ابن عباس فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف :

    ((كان قارئاً لكتاب الله، مُتَّبعاً سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم … قانتاً لله .. صائماً في الهواجر من مخافة الله ..ابن حواريِّ رسول الله .. وأمّه ((أسماء)) بنت الصّدّيق .. وخالته ((عائشة)) زوجة رسول الله .. فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله))..!!

    * * *

    وهو في قوة خُلقه وثبات سجاياه، يُزري بثبات الجبال..

    واضحٌ .. شريف .. قوي .. على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمناً لصراحته، واستقامة نَهجه..

    أثناء نزاعه وحروبه مع الأمويين، زاره ((الحُصين بن نمير)) قائد الجيش الذي أرسله يزيد لإخماد ثورة ابن الزبير ..

    زاره إثر وصول الأنباء إلى مكّة بموت ((يزيد)) ..

    وعرض عليه أن يذهب معه إلى الشام، ويستخدم ((الحصين)) نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..

    فرفض عبد الله هذه الفرصة الذهبية، لأنه كان مقتنعاً بضرورة القصاص من جيش الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله خلال غزوهم الفاجر لمدينة – رسول الله – خدمة لأطماع الأمويين..

    قد نختلف مع عبد الله في موقفه هذا ، وقد نتمنى لو أنه آثر السلام والصفح، واستجاب للفرصة النادرة التي عرضها عليه ((الحصين)) قائد يزيد ..

    ولكنّ وقفة الرجل – أي رجل – إلى جانب اقتناعه واعتقاده.. ونبذه الخداع والكذب، أمر يستحق الإعجاب والاحترام..

    وعندما هاجمه الحجّاج بجيشه، وفرض عليه وعلى مَن معه حصاراً رهيباً، كان من بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش، وكانوا من أمهر الرُّماة والمقاتلين..

    ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان – رضي الله عنه – حديثاً لا وَرَع فيه ولا إنصاف، فعنَّفهم وقال لهم:

    ((والله، ما أحِبُّ أن استظهِرَ على عدوي بمن يُبغض عثمان))..!!

    ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون ؛ حاجة الغريق إلى أمل ..!!

    إنَّ وضوحه مع نفسه، وصِدقه مع عقيدته ومبادئه، جعلاه لا يبالي بأن يخسر مئتين من أكفئ الرّماة، لم يعُد دينهم موضع ثقته واطمئنانه، مع أنّه في معركة مصير طاحنة، وكان من المحتمل كثيراً أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرّماة الأكفاء بجانبه..!!

    * * *

    ولقد كان صموده في وجه ((معاوية)) وابنه ((يزيد)) بطولة خارقة حقّاً…

    فقد كان يرى أن ((يزيد بن معاوية بن أبي سفيان)) آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين، إن كان يصلح على الإطلاق.. وهو مُحق في رأيه ، فـ ((يزيد)) هذا كان فاسداً في كل شيء .. لم تكن له فضيلة واحدة تشفع لجرائمه وآثامه التي رواها لنا التاريخ..

    يتبع

  10. #40
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    تابع

    فكيف يبايعه ابن الزبير..؟؟

    لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حيٌّ ..

    وها هو ذا يقولها ليزيد بعد أن صار خليفة، وأرسل إلى ابن الزبير يتوعّده بشرِّ مصير..

    هنالك قال ابن الزبير:

    ((لا أبايع ((السكير)) أبداً)) ..

    ثم أنشد:

    ولا أَلِينُ لغير الحق أَسألــه

    حتى يلين لِضِرْسِ الماضِغ الحجَرُ



    * * *

    وظلَّ ابن الزبير أميراً للمؤمنين ، مُتَّخذاً من مكّة المكرّمة عاصمة خلافته، باسطاً حكمه على الحجاز، واليمن، والبصرة، والكوفة، وخراسان والشام كلها عدا دمشق بعد أن بايعه أهل هذه الأمصار جميعاً …

    ولكن الأمويين لا يقرُّ قرارهم ، ولا يهدأ بالهم ، فيشنون عليه حروباً موصولة ، يبوءون في أكثرها بالهزيمة والخذلان..

    حتى جاء عهد ((عبد الملك بن مروان)) حين ندب لمهاجمة عبد الله في مكّة واحداً من أشقى بني آدم وأكثرهم إيغالاً في القسوة والإجرام..

    ذلكم هو ((الحجّاج بن يوسف الثقفيّ)) الذي قال عنه ((الإمام العادل عمر بن عبد العزيز)):

    ((لو جاءت كل أمَّة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجّاج وحده، لرجحناهم جميعاً))…!!!

    * * *

    ذهب الحجّاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكّة عاصمة ابن الزبير، وحاصرها وأهلها قُرابة ستة أشهر مانعاً عن الناس الماء والطعام ، كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير وحيداً، بلا جيش وبلا أعوان.

    وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون، ووجد عبد الله نفسه وحيداً ، أو يكاد .. وعلى الرغم من أنّ فُرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مُهيَّأة له، فقد قرر أن يحمل مسؤوليته إلى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجّاج في شجاعة أسطوريّة، وهو يومئذ في السبعين من عمره ..!!

    ولن نبصر صورة أمينة لذلك الموقف الفذّ إلا إذا أصغَينا للحوار الذي ديار بين عبد الله وأمّه العظيمة المجيدة ((أسماء بنت أبي بكر)) في تلك الساعات الأخيرة من حياته.

    لقد ذهب إليها، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه، وللمصير الذي بدا واضحاً أنّه ينتظره..

    قالت له أسماء:

    ((يا بني: أنت أعلم بنفسك – إن كنت تعلم أنك على حق، وتدعو إلى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تمكّن من رقبتك غِلمان بني أميّة ..

    وإن كنت تعلم أنك أردتَ الدنيا، فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتِل معك)) .

    قال عبد الله:

    ((والله يا أمَّاهُ، ما أردت الدنيا ولا رَكنتُ إليها ..

    وما جُرتُ في حكم الله أبداً، ولا ظلمتُ، ولا غَدَرت)) ..

    قالت أمّه أسماء:

    ((إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسناً إن سبقتني إلى الله أو سَبقتُك ..

    اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظَمأه في الهواجر، وبرَّه بأبيه وبي ..

    اللهم إني أسلمتُه لأمرك فيه، ورضيتُ بما قضيت، فأثِبني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين..!!)) .

    وتبادلا معاً عَناق الوداع وتحيته .

    وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ ، تلقَّى الشهيد العظيم ضربة الموت، في وقت استأثر الحجّاج فيه بكفل ما في الأرض من حقارة ولؤم، فأبى إلا أن يصلب الجثمان الهامِد، تشفِّياً وخِسة …!!

    * * *

    وقامت أمّه، وعمرها يومئذ سبع وتسعون سنة – قامت لترى ولدها المصلوب .

    وكالطّود الشامخ وقفت تجاهَهُ لا تريم .. واقترب الحجّاج منها في هوان وذِلَّة قائلاً لها:

    - يا أمّاه ، إنّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيراً فهل لك من حاجة ..؟

    فصاحت به قائلة:

    ((لستُ لكَ بأمٍّ ..

    إنما أنا أمُّ هذا المصلوب على الثَّنيَّة ..

    وما لي إليكم حاجة ..

    ولكني أحدِّثك حديثاً سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

    ((يخرج من ثَقِيف كذّاب ومُبير)) ..

    ((فأمّا الكذّاب فقد رأيناه .. وأمّا المُبير؛ فلا أراهُ إلا أنت)) !!

    وتقدم منها عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – مُعزّياً، وداعياً إياها إلى الصبر ، فأجابته قائلة:

    ((وماذا يمنعني من الصبر، وقد أُهديَ رأس يحيى بن زكريا إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل))..!!

    يا لَعظمتك ، يا ابنة الصّدّيق..!!

    أهناك كلمات أروع من هذه تُقال للذين فَصَلوا رأس عبد الله بن الزبير عن جسده قبل أن يصلبوه..؟؟

    أجَلْ .. إن يَكُن رأس ((ابن الزبير)) قد قُدّم هدية للحجّاج ولعبد الملك .. فإن رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قُدّم من قبل هدية لـ ((سالومي)) .. بَغيٍّ حقيرة من بني إسرائيل !!

    ما أروعَ التشبيه، وما أصدق الكلمات .

    * * *

    وبعد، فهل كان يمكن لعبد الله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى البعيد من التَّفوق، والبطولة والصلاح، وقد رَضع لبان أمٍّ من هذا الطراز ..؟؟

    سلام على عبد الله …

    وسلام على أسماء …

    سلام عليهما في الشهداء الخالدين ..

    وسلامٌ عليهما في الأبرار المتَّقين .







    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للكاتب الكبير خالد محمد خالد

    يتبع

صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سحابة الأحساء الإستوائيه الغزيره الجمعه 21-5-1433هـ
    بواسطة النايفه في المنتدى المواسم والفلك
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2012-04-15, 13:47

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Tweets by dyar966