جمعية تحفيظ القرآن بالرياض
صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 30 من 55
صحابة وصحابيات
  1. #21
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ

    ((لا ينام ، ولا يترك أحد ينام!!))

    ……….



    إن أمره لعجب … !!

    هذا الفاتك بالمسلمين يوم أُحُد والفاتك بأعداء الإسلام بقيَّة الأيام … !!

    ألا فلنأت على قصته من البداية ..

    ولكن أيّة بداية ..؟؟

    إنه هو نفسه ، لا يكاد يعرف لحياته بدءاً إلا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مُبايعاً … ولو استطاع لنحّى عن عمره وحياته كل ما سبق ذلك اليوم من سنين ، وأيام …فلنبدأ معه إذاً من حيث يحب …من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله ، وتلقّت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن ـ وكلتا يديه يمين ـ ؛ فتفجّرت شوقاً إلى دينه ، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى استشهاد عظيم في سبيل الحق ّ ، ينضو عن كاهله أوزار مُناصرته الباطل في أيّامه الخاليات …

    لقد خلا ـ يوماً ـ إلى نفسه ، وأديار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوم تألقاً وارتفاعاً ، وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدَّ إليه من الهدى بسبب … والتَمَعَت في فؤاده الذكي بشائر اليقين ، فقال :

    ((واللهِ لقد استقام المنْسِم .. وإنّ الرجل لرسول .. فحتّى متى ..؟؟ .. أذهبُ واللهِ ، فأُسلم)) ..

    ولنصغِ إليه ـ رضي الله عنه ـ يحدثنا عن مسيره المبارك إلى رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وعن رحلته من مكة إلى المدينة ؛ ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين :

    ((..وَودِدتُ لو أجد من أصاحب ، فلقيتُ عثمان بن طلحة ، فذكرتُ له الذي أريد ؛ فأسرع الإجابة ، وخرجنا جميعاً فأدْلجنا سَحَراً …فلمَّا كنّا بالسهل إذا عمرو بن العاص ، فقال : مرحباً بالقوم ، قلنا : وَبك …

    قال : أين مسيركم ؟ فأخبرناه ، وأخبرنا ـ أيضاً ـ أنّه يريد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليُسلم .

    فاصطحبنا حتى قدِمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان .. فلمّا اطَّلعتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه بالنبوَّة فردّ عليّ السلام بوجه طلق ، فأسلمتُ وشهدت شهادة الحق .. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

    “قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يُسلمك إلا إلى خير” ..

    وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت : استغفر لي كل ما أوضَعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله ..

    فقال : إنّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله ..

    قلت: يا رسول الله على ذلك ..

    فقال : اللّهمّ اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه مِن صدٍّ عن سبيلك ..

    وتقدّم عمرو بن العاص ، وعثمان بن طلحة ، فأسلما وبايعا رسول الله)) ..



    أرأيتم قوله للرسول صلى الله عليه وسلم : ((استغفر لي كل ما أوضَعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله)) ..؟؟

    إنّ الذي يضع على هذه العبارة بصره وبَصيرته ، سيهتدي إلى فهم صحيح لتلك المواقف التي تشبه الألغاز في حياة سيف الله وبطل الإسلام …

    وعندما نبلغ تلك المواقف في قصة حياته ستكون هذه العبارة دليلنا لفهمها وتفسيرها … أما الآن ، فمع ((خالد)) الذي أسلم لتوّه ؛ لنرى فارس قريش وصاحب أعنّة الخيل فيها ، لنرى داهية العرب كافة في دنيا الكرِّ والفرِّ ، يعطي لآلهة آبائه وأمجاد قومه ظهره ، ويستقبل مع الرسول والمسلمين عالماً جديداً ، كتب الله له أن ينهض تحت راية محمد صلى الله عليه وسلم وكلمة التوحيد …

    مع خالد ـ إذاً ـ وقد أسلم ، لنرى من أمره عجباً …!!!

    أتذكرون نبأ الثلاثة الشهداء أبطال معركة مؤتة ..؟؟

    لقد كانوا : زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ …

    لقد كانوا أبطال غزوة ((مُؤتَة)) بأرض الشام .. تلك الغزوة التي حشد لها الروم مئتي ألف مقاتل ، والتي أبلى المسلمون فيها بلاء منقطع النظير …

    وتذكرون العبارة الجليلة الآسية التي نعى بها الرسول صلى الله عليه وسلم قادة المعركة الثلاثة حين قال :

    ((أخذ الراية (زيد بن حارثة) فقاتل بها ، حتى قُتل شهيداً .. ثم أخذها (جعفر) فقاتل بها ، حتى قُتل شهيداً .. ثم أخذها (عبد الله بن رواحَة) فقاتل بها ، حتى قُتل شهيداً)) .

    كان لحديث رسول الله هذا بقيَّة ، ادَّخرناها لمكانها على هذه الصفحات ..

    هذه البقيّة هي :

    ((ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ؛ ففتح الله على يديه)) .

    فمن كان هذا البطل ..؟؟

    لقد كان ((خالد بن الوليد)) .. الذي سارع إلى غزوة ((مؤتة)) جندياً عاديّاً تحت قيادة القوّاد الثلاثة الذين جعلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الجيش : زيد ، وجعفر ، وابن رواحة ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ والذين استشهدوا بنفس الترتيب على أرض المعركة الضاربة …

    وبعد سقوط آخر القوّاد شهيداً ، سارع إلى اللواء ((ثابت بن أقرم)) فحمله بيمينه ورفعه عالياً وسط الجيش المسلم حتى لا تُبعثر الفوضى صفوفه ..

    ولم يكد((ثابت)) يحمل الراية حتى توجّه بها مسرعاً إلى خالد بن الوليد ، قائلاً له : ((خذ اللواء يا أبا سُليمان)) ..ولم يجد خالد من حقّه ، وهو حديث العهد بالإسلام أن يقود قوماً فيهم الأنصار والمهاجرون الذين سبقوه بالإسلام .

    أدب ، وتواضع ، وعرفان ، ومزايا ، هو لها أهلٌ وبها جدير !!

    هنالك قال مجيباً ((ثابت بن أقرم)) :

    ((لا …لا آخذ اللواء ، أنت أحقُّ به .. لك سنٌّ وقد شهدتَ بدراً)) .. وأجابه ثابت :

    ((خذه ، فأنت أدرى بالقتال منّي ، ووالله ، ما أخذته إلا لك)) ..ثم نادى في المسلمين : أترضَوْنَ إمرَةَ خالد ..؟

    قالوا : نعم ..

    واعتلى العبقري جواده ودفع الراية بيمينه إلى الأمام كأنما يقرع بها أبواباً مغلقة آن لها أن تُفتح على طريق طويل لاحب سيقطعه البطل وثباً..وثباً .. في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد مماته ، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمراً كان مقدوراً …وَلي خالد إمرة الجيش ، بعد أن كان مصير المعركة قد تحقق ؛ فضحايا المسلمين كثيرون ، وجناحهم مهيض .. وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح، ظافر ، مُدمدم .. ولم يكن بوسع أيّة كفاية حربية أن تغيّر من المصير شيئاً ؛ فتجعل المغلوب غالباً ، والغالب مغلوباً …

    وكان العمل الوحيد الذي ينتظر عبقرياً لكي ينجزه ، هو وَقف الخسائر في جيش الإسلام ، والخروج ببقيته سالمة ؛ أي : الانسحاب الوقائي الذي يحول دن هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة .

    بيد أنَّ انسحاباً كهذا كان من الاستحالة بمكان ..

    ولكن إذا كان صحيحاً أنّه (( لا مستحيل على القلب الشجاع )) فمن أشجع من خالد قلباً ، ومن أروع عبقريةً وأنفذ بصيرة ..؟؟!

    هنالك تقدّم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين ؛ كعيني الصقر ، ويديرالخطط في بديهته بسرعة الضوء .. ويقسم جيشه ـ والقتال دائر ـ إلى مجموعات ، ثم يكل إلى كل مجموعة بمهامها … وراح يستعمل فنّه المعجز ودهائه البليغ حتى فتح في صفوف جيش الروم ثغرة فسيحة واسعة ، خرج منها جيش المسلمين كله سليماً معافى بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الإسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال ..!!

    وفي هذه المعركة أنعم الرسول صلى الله عليه وسلم على خالد بهذا اللقب العظيم .

    وتنكث قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فيتحرك المسلمون بقيادته لفتح مكة .. وعلى الجناح الأيمن من الجيش ، يجعل الرسول خالد بن الوليد أميراً …

    ويدخل ((خالد)) مكة واحداً قادة من الجيش المسلم والأمة المسلمة ، بعد أن شهدته سهولها وجبالها قائداً من قوّاد جيش الوثنية والشرك زمناً طويلاً ..

    وتخطر له ذكريات الطفولة ، حيث مراتعها الحلوة .. وذكريات الشباب ، حيث ملاهيه الصاخبة … ثم تستجيشه ذكريات الأيام الطويلة التي ضاع فيها عمره قرباناً خاسراً لأصنام عاجزة كاسدة … وقبل أن يعضّ الندم فؤاده ينتفض تحت روعة المشهد وجلاله …

    مشهد النور الزاحف على مكة .. مشهد المستضعفين الذين لا تزال جسومهم تحمل آثار العذاب والهول ، يعودون إلى البلد الذي أخرجوا منه بَغْياً وعَدْواً ، يعودون إليه على صهوات جيادهم الصاهلة ، وتحت رايات الإسلام الخافقة .. وقد تحول همسهم الذي كانوا يتناجون به في ديار الأرقم بالأمس ـ إلى تكبيرات صادعة رائعة ترجّ مكة رجّاً ، وتهليلات باهرة ظافرة ، يبدو الكون معها ؛ وكأنه كله في عيد ..!!

    كيف تمت المعجزة ..؟؟

    أي تفسير لهذا الذي حدث ؟

    لا شيء … لا شيء إلا هذه الآية التي يردّدها الزاحفون الظافرون وسط تهليلاتهم وتكبيراتهم حين ينظر بعضهم إلى بعض فرحين قائلين :

    (( وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ )) :الروم: 6

    ويرفع خالد رأسه إلى أعلى ، ويرمق في إجلال وغبطة وحُبور رايات الإسلام تملأ الأفق .. فيقول لنفسه :

    أجل .. إنه وعد الله ، ولا يُخلف الله وعده ..!!

    ثم يحني رأسه شاكراً نعمة ربه الذي هداه للإسلام وجعله في يوم الفتح العظيم هذا ، واحداً من الذين يحملون الإسلام إلى مكة .. وليس من الذين سيحملهم الفتح على الإسلام ..

    ويظل خالد إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضعاً كفاياته المتفوقة في خدمة الدين الذي آمن به من كل يقينه ، ونذر له كل حياته .

    وبعد أن يلحق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، ويحمل أبو بكر الصدّيق مسؤولية الخلافة ، وتهبّ أعاصير الردّة غادرة ماكرة ، مطوقّة الدين الجديد بزئيرها المصمّ وانتفاضها المُدمدم .. يضع أبو بكر عينه لأول وهلة على بطل الموقف ورجل الساعة .. أبي سليمان ، سيف الله ، خالد بن الوليد ..!!

    وصحيح أن أبا بكر لم يبدأ معارك المرتدين إلا بجيش قاده هو بنفسه ، ولكن ذلك لا يمنع أنّه ادّخر خالداً ليوم الفصل ، وأنّ خالداً في المعركة الفاصلة التي كانت أخطر معارك الردّة جميعاً ، كان رجلها الفذ وبطلها الملهم …

    عندما بدأت جموع المرتدين تتهيأ لإنجاز مؤامراتها الضخمة ، صمّم الخليفة العظيم أبو بكر على أن يقود جيش المسلمين بنفسه ، ووقف زعماء الصحابة يبذلون محاولات يائسة لصدّه عن هذا العزم ، ولكنه ازداد تصميماً .. ولعله بهذا أراد أن يعطي القضية التي دعا الناس لخوض الحرب من أجلها أهمية وقداسة ، لا يؤكدها في رأيه إلا اشتراكه الفعلي في المعارك الضارية التي ستدور رحاها بين قوى الإيمان ، وبين جيوش الردة والضلال ، وإلا قيادته المباشرة لبعض أو لكل القوات المُسلمة ..

    ولقد كانت انتفاضات الردة بالغة الخطورة ، على الرغم من أنها بدأت وكأنها تمرّد عارض ..لقد وجد فيها جميع الموتورين من الإسلام والمتربصين به فرصتهم النادرة ، سواء بين قبائل العرب أن على الحدود ، حيث يجثم سلطان الروم والفرس ، هذا السلطان الذي بدأ يحسُّ خطر الإسلام الأكبر عليه ، فراح يدفع الفتنة في طريقه من وراء ستار ..!!

    ونشبت نيران الفتنة في قبائل : أسد ، وغطفان ، وعبس ،وطيئ ، وذبيان …

    ثم في قبائل : بني عامر ، وهوازن ، وسليم ، وبني تميم ..

    ولم تكد المناوشات تبدأ حتى استحالت إلى جيوش جرارة قوامها عشرات الألوف من المقاتلين …

    واستجاب للمؤامرة الرهيبة أهل البحرين ، وعُمان ، والمهرة ، وواجه الإسلام أخطر محنة ، واشتعلت الأرض من حول المسلمين ناراً … ولكن ، كان هناك أبو بكر ..!!

    عبَّأ أبو بكر المسلمين وقادهم إلى حيث كانت قبائل بني عبس ، وبني مرة ، وذبيان قد خرجوا في جيش لَجِب ..

    وديار القتال ، وتطاول ، ثم كُتب للمسلمين نصر مؤزّر وعظيم …

    ولم يكد الجيش المنتصر يستقر بالمدينة حتى ندبه الخليفة للمعركة التالية … وكانت أنباء المرتدين وتجمعاتهم تزداد كل ساعة خطورة .. وخرج أبو بكر على رأس هذا الجيش الثاني ، ولكنّ كبار الصحابة يفرغ صبرهم ، ويجمعون على بقاء الخليفة بالمدينة ، ويعترض الإمام ((علي)) طريق أبي بكر ويأخذ بزمام راحلته التي كان يركبها وهو ماض أمتم جيشه الزاحف ، فيقول له :

    ((إلى أين يا خليفة رسول الله ..؟؟

    إني أقول لك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسم يوم أُحُد : لُمَّ سيفك يا أبا بكر ، ولا تَفجَعنا بنفسك ..)) .

    وأمام إجماع مُصمم من المسلمين ، رضي الخليفة أن يبقى بالمدينة وقسّم الجيش إلى إحدى عشرة مجموعة .. رسم لكل مجموعة دورها …

    وعلى مجموعة ضخمة من تلك المجموعات كان خالد بن الوليد أميراً .. ولمّا عقد الخليفة لكل أمير لواءه ، اتجه صوب خالد وقال يخاطبه:

    ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نِعم عبدُ الله وأخو العشيرة ، خالد بن الوليد ، سيف من سيوف الله سلّه الله على الكُفار والمنافقين)) ..

    ومضى خالد إلى سبيله ينتقل بجيشه من معركة إلى معركة ، ومن نصر إلى نصر حتى كانت المعركة الفاصلة …

    فهناك باليمامة كان بنو حنيفة ومن انحاز إليهم من القبائل ، قد جيشوا أخطر جيوش الردة قاطبة ، يقوده ((مسليمة الكذّاب)) …

    وكانت بعض القوات المسلمة قد جرّبت حظّها مع جيش مسيلمة ، فلم تبلغ منه منالاً .. وجاء أمر الخليفة إلى قائده ((المظفَّر)) أن سرْ إلى بني حنيفة .. وسار خالد ..

    ولم يكد ((مسيلمة)) يعلم أن ابن الوليد في الطريق إليه حتى أعاد تنظيم جيشه وجعل منه خطراً حقيقاً ، وخصماً رهيباً ..

    والتقى الجيشان …



    يتبع

  2. #22
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    وحين تُطالع في كتب السيرة والتاريخ سَيرَ تلك المعركة الهائلة ، تأخذك رهبة مُضنية ، إذ تجد نفسك أمام معركة أشبه في ضراوتها وجبروتها معارك حروبنا الحديثة ، وإن تخلّفت عنها في نوع السلاح وظروف القتال ..

    ونزل خالد بجيشه على كثيب مُشرف على اليمامة ، وأقبل مسيلمة في خُيلائه وبغيه ، صفوف جيشه من الكثرة كأنها لا تؤذن بانتهاء ..!!

    وسلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه ، والتَحم الجيشان وديار قتال رهيب .. ثمّ رهيب .. وسقط شهداء المسلمين تباعاً ؛ كزهور حديقة طوَّحت بها عاصفة عنيدة ..!!

    وأبصر خالد رجحان كفّة الأعداء ، فاعتلى بجواده ربوة قريبة وألقى على المعركة نظرة سريعة ، ذكية وعميقة .. ومن فوره أدرك نقاط الضعف في جيشه وأحصاها ..

    رأى الشعور بالمسؤولية قد وهن تحت وقع المفاجأة التي دهمهم بها جيش مسيلمة ، فقرر في نفس اللحظة أن يشدّ في أفئدة المسلمين جميعاً زناد المسؤولية إلى أقصاه ..فمضى ينادي إليه فيالق جيشه وأجنحته ، وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة ، ثم صاح بصوته المنتصر :

    ((امتازوا؛ لنرى اليوم بلاء كل حيّ)) .

    وامتازوا جميعاً ..

    مضى المهاجرون تحت رايتهم ، والأنصار تحت رايتهم ، ((وكلُّ بني أب على رايتهم)).

    وهكذا صار واضحاً تماماً ، من أين تجيء الهزيمة حين تجيء؟ ..واشتعلت الأنفس حماسة …واتّقدت مضاء ، وامتلأت عزماً وروعة ..

    وخالد بين الحين والحين ، يرسل تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقي بها أمراً ، فتتحول سيوف جيشه إلى مقادير لا رادّ لأمرها ، ولا معوِّق لغاياتها ..

    وفي دقائق معدودة تحوّل اتجاه المعركة وراح جنود مسيلمة يتساقطون بالعشرات ، فالمئات ، فالألوف ؛ كذباب حنقت أنفاس الحياة فيه نفثاتُ مُطَهر صاعق مُبيد ..!!

    لقد نقل خالد حماسته ؛ كالكهرباء إلى جنوده ، وحلت روحه في جيشه جميعاً ..وتلك كانت إحدى خصال عبقريته الباهرة ..

    وهكذا سارت أخطر معارك الردة وأعنف حروبها ، وقُتِل مسيلمة .. وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال ، وطويت تحت التراب إلى الأبد راية الدّعيّ الكذّاب ..

    وفي المدينة صلى الخليفة لربه الكبير المتعال صلاة الشكر ؛ إذ منحهم هذا النصر ، وهذا البطل … وكان أبو بكر قد أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دور خطير في تهديد مصير الإسلام وأهله ..الفرس في العراق ..والروم في بلاد الشام …

    إمبراطوريتان خَرِعَتان تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة ، وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب ، بل وتسخرهم ـ وأكثرهم عَرب ـ لقتال المسلمين العرب الذين يحملون راية الدين الجديد ، ويضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله ، ويجتثون عفَنه وفساده ..!

    هنالك ، أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته إلى خالد أن يمضي بجيشه صوب العراق .. ويمضي البطل إلى العراق ، وليت هذه الصفحات كانت تتسع لِتَتَبُّع مواكب نصره ؛ إذاً لرأينا من أمرها عجباً .

    لقد استهلَّ عمله في العراق بكُتب أرسلها إلى جميع وُلاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه …

    ((بسم الله الرحمن الرحيم

    من خالد بن الوليد .. إلى مرازبة فارس … سلام على من اتَّبع الهُدى

    أما بعد ، فالحمد لله الذي فضَّ خدمَكم ، وسَلب مُلككم ، ووهَّن كيدكم

    مَن صلّى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحنا فذلكم المسلم ، له ما لنا وعليه ما علينا ، إذا جاءكم كتابي فابعثوا إليَّ بالرُّهن واعتقدوا منّي الذمَّة …

    وإلا ، فوالذي لا إله غيره ، لأبعثنَّ إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة)) .!!!

    وجاءته طلائعه التي بثّها في كل مكان بأنباء الزّحوف الكثيرة التي يُعدها له قوّاد الفرس في العراق ، فلم يضيّع وقته ، وراح يقذف بجنوده على الباطل لِيدمغَه .. وطويت له الأرض طيَّاً عجيباً .

    في الأُبُلَّة ، إلى السدير ، فالنجف ، إلى الحيرة ، فالأنبار ، فالكاظمية ، مواكب نصر تتبعها مواكب .. وفي كل مكان تُهلُّ به رياحه البُشريات ترتفع للإسلام راية يأوي إلى فيّها الضعفاء والمستعبدون .

    أجل ، الضعفاء والمستعبدون من أهل البلد الذين كان الفرس يستعمرونهم ، ويسومونهم العذاب ..

    وكم كان رائعاً من خالد أن بدأ زحفه بأمر أصدره إلى جميع قواته :

    ((لا تتعرضوا للفلاحين بسوء ، دعوهم في شغلهم آمنين ، إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم ، فآنئذ قاتلوا المقاتلين)) .

    وسار بجيشه الظافر ؛ كالسكين في الزبد الطريّ حتى وقف على تخوم الشام …وهناك دوّت أصوات المؤذنين ، وتكبيرات الفاتحين .

    تُرى ، هل سمع الروم في الشام ..؟؟

    وهل تبيّنوا في هذه التكبيرات نعي أيامهم ، وعالمهم ..؟؟

    أجل ، سمعوا وفزعوا .. وقرّروا أن يخوضوا في جنون معركة اليأس والضياع ..!



    كان النصر الذي أحرزه الإسلام على الفرس في العراق بشيراً مِثله على الروم في الشام .. فجنّد الصّدّيق أبو بكر جيوشاً عديدة ، واختار لإمارتها نفراً من القادة المهرة ((أبو عبيدة بن الجراح)) …و((عمرو بن العاص)) ..و((يزيد بن أبي سفيان)) ، ثم ((معاوية بن أبي سفيان)) .. وعندما نمت أخبار هذه الجيوش إلى إمبراطور الروم نصح وزراءه وقواده بمصالحة المسلمين ، وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة ..

    بيد أن وزراءه وقواده أصرّوا على القتال وقالوا :

    ((والله لنشغلنَّ أبا بكر عن أن يُوردَ خيله إلى أرضنا)) .. وأعدوا للقتال جيشاً بلغ قوامه مئتي ألف مقاتل ، وأربعين ألفاً .

    وأرسل قادة المسلمين إلى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف ، فقال أبو بكر :

    ((والله لأشفِيَنَّ وَساوسهم بخالد)).!!!

    وتلقّى ((تِرياق الوساوس)) .. وساوس التمرّد ، والعدوان ، والشرك ، تلقّى أمر الخليفة بالزحف إلى الشام ؛ ليكون أميراً على جيوش الإسلام التي سبقته إليها … وما أسرع ما امتثل خالد وأطاع ، فترك على العراق ((المُثنّى بن حارثة)) وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام ، وأنجز بعبقريته الباهرة تنظيم الجيش المسلم وتنسيق مواقعه في وقت وجيز ، وبين يدي المعركة واللقاء ، وقف في المقاتلين خطيباً ، فقال ـ بعد أن حمد ربّه وأثنى عليه ـ :

    ((إن هذا يوم من أيام الله ، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي … أخلصوا جهادكم ، وأريدوا الله بعملكم ، وتعالوا نتعاور الإمارة ـ أي: نتبادلها ـ فيكون أحدنا اليوم أميراً ، والآخر غداً ، والآخر بعد غد ، حتى يتأمّر كلكم))..

    هذا يوم من أيام الله .. ما أروعها من بداية …!!

    لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي … وهذه أكثر روعة وأوفى ورعاً!!

    ولم تنقص القائد العظيم الفِطنة المفعمة بالإيثار ، فعلى الرغم من أنّ الخليفة وضعه على رأس الجيش بكل أمرائه ، فإنه لم يشأ أن يكون عوناً للشيطان على أنفس أصحابه ، فتنازل لهم عن حقّه الدائم في الإمارة وجعلها دولةً بينهم جميعاً …

    اليوم أمير … وغداً أمير ثان .. وبعد غد أمير آخر .. وهكذا ..

    كان جيش الروم بأعداده وبعتاده ، شيئاً بالغ الرهبة .. لقد أدرك قواد الروم أن الزمن في صالح المسلمين ، وأن تطاوُل القتال وتكاثر المعارك يهيئان لهم النصر دائماً ؛ من أجل ذلك قرروا أن يحشدوا كل قواهم في معركة واحدة يُجهزون خلالها على العرب ؛ حيث لا يبقى لهم بعدها وجود ، وما من شك في أن المسلمين أحسّوا يوم ذاك من الرهبة والخطر ما ملأ نفوسهم المقدامة قلقاً وخوفاً ..

    ولكنّ إيمانهم كان يَخِفّ لخدمتهم في مثل تلك الظلمات الحالكات ؛ فإذا فجرُ الأمل والنصر يغمرهم بسناه ..!!

    ومهما يكن بأس الروم وجيوشهم ، فقد قال أبو بكر ـ وهو بالرجال جدُّ خبير ـ :

    ((خالدٌ لها)) .!!!

    وقال : ((والله، لأشفينّ وساوسهم بخالد)).

    فليأت الروم بكل هولهم ، فمع المسلمين الترياق ..!!

    عبّأ ابن الوليد جيشه ، وقسمه إلى فيالق ، ووضع للهجوم والدفاع خُطة جديدة تتناسب مع طريقة الروم بعد أن خبر وسائل إخوانهم الفرس في العراق .. ورسم للمعركة كل مقاديرها .. ومن العجب أن المعركة ديارت كما رسم خالد وتوقّع ، خطوة خطوة ، وحركة حركة ، حتى ليبدو وكأنه لو تنبأ بعدد ضربات السيوف في المعركة ، لما أخطأ التقدير والحساب ..!!

    كل مناورة توقعها من الروم صنعوها ..

    كل انسحاب تنبأ به فعلوه .. وقبل أن يخوض القتال كان يشغل باله ـ قليلاً ـ احتمال قيام بعض جنود جيشه بالفرار ، ولا سيما أولئك الذين هم حديثو العهد بالإسلام ، بعد أن رأى ما ألقاه منظر جيش الروم من رهبة وجزع ..

    وكان خالد يتمثّل عبقرية النصر في شيء واحد ، هو ((الثبات)) .. وكان يرى أن حركة هروب يقوم بها اثنان أو ثلاثة ، يمكن أن تشيع في الجيش من الهلع والتمزّق ما لا يقدرعليه جيش العدوّ بأسه ..

    من أجل هذا ، كان صارماً ـ أي صارم ـ تجاه الذي يلقي سلاحه ويولي هارباً .. وفي تلك الموقعة بالذات ((موقعة اليرموك)) ، وبعد أن أخذ جيشه مواقعه ، دعا نساء المسلمين ، ولأول مرة سلّمهن السيوف ، وأمرهن بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب ، وقال لهن :

    ((من يُولي هارباً ؛ فاقتُلنه))… وكانت لفتة بارعة أدت مهمتها على أحسن وجه ..!!

    وقُبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد ؛ ليقول له بضع كلمات ..وبرز إليه خالد ؛حيث تواجها فوق جواديهما في الفراغ الفاصل بين الجيشين ..وقال ((ماهان)) قائد الروم يخاطب خالداً :

    ((قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع .. فإن شئتم ، أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير ، وكسوة وطعاماً ، وترجعون إلى بلادكم ، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها)) .!!

    وضغط خالد الرجل والبطل على أسنانه ، وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب .. وقرر أن يردّ عليه بجواب مناسب ، فقال له :

    ((إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت ؛ ولكننا قوم نشرب الدماء ، وقد علِمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم ؛ فجئنا لذلك))..!!!

    ولوى البطل زمام جواده عائداً إلى صفوف جيشه ، ورفع اللواء عالياً مُؤذناً بالقتال .. ((الله أكبر)) .

    ((هُبِّي رياح الجنة))..

    كان جيشه يندفع ؛ كالقذيفة المصبوبة .. وديار قتال ليس لضراوته نظير ..

    وأقبل الروم في فيالق ؛ كالجبال ..وبدا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون .. ورسم المسلمون صوراً تُبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم ..

    فهذا أحدهم يقترب من أبي عبيدة بن الجرّاح والقتال دائر ، ويقول : ((إني قد عزمت على الشهادة ، فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه))؟؟

    فيجيب أبو عبيدة :

    ((نعم .. قل له : يا رسول الله إنّا قد وجدنا ما وَعدنا ربنا حقّاً)).

    ويندفع الرجل ، كالسهم المقذوف … يندفع وسط الهول مشتاقاً إلى مصرعه ومضجعه … يَضرب بسيفه ، ويُضرب بآلاف السيوف حتى يرتفع شهيداً …!!

    وهذا ((عكرمة بن أبي جهل)) .. أجل ابن أبي جهل …!!

    ينادي في المسلمين حين ثقلت وطأة الروم عليهم قائلاً :

    ((لطالما قاتلتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهديني الله إلى الإسلام ، أَفأَفِرُّ من أعداء الله اليوم ))؟؟

    ثم يصيح : ((من يُبايع على الموت))… فبايعه على الموت كوكبة من المسلمين ، ثم ينطلقون معاً إلى قلب المعركة لا باحثين عن النصر ، بل عن الشهادة .. ويتقبّل الله بيعهم وبَيعَتهم ؛ فيستشهدون ..!!

    وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراح أليمة ، وجيء لهم بماء يبللون به أفواههم ، فلمّا قُدّم الماء إلى أولهم ، أشار للساقي أن أعطِ أخي الذي بجواري ؛ فجرحه أخطر ، وظمؤه أشدّ .. فلمّا قدّم الماء إليه ، أشار بدوره لجاره ، فلمّا انتقل إليه أشار بدوره لجاره .. وهكذا .. حتى جادت أرواح أكثرهم ظامئة .. ولكن أنضر ما تكون تفانياً وإيثاراً ..!!

    أجل .. لقد كانت معركة ((اليرموك)) مجالاً لفدائية يعزّ نظيرها .

    ومن بين لوحات الفداء الباهرة التي رسمتها عزمات مُقدرة ، تلك اللوحة الفذة … لوحة تحمل صورة خالد بن الوليد على رأس مئة لا غير من جنده ، ينقضّون على ميسرة الروم ، وعددها أربعون ألف جندي ، وخالد يصيح في المئة الذين معه :

    ((والذي نفسي بيده ، ما بقي مع الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم ، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم)) .

    مئة .. يخوضون في أربعين ألفاً .. ثم ينتصرون ..!!

    ولكن أيّ عجب؟؟

    أليس مِلء قلوبهم إيمان بالله العليّ الكبير …؟؟

    وإيمان برسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم ؟؟

    وإيمان بقضية ، هي أكثر قضايا الحياة برّاً ، وهُدى ، ونُبلاً ؟!

    وأليس خليفتهم الصّدّيق ـ رضي الله عنه ـ ، هذا الذي ترتفع راياته فوق الدنيا ، بينما هو في المدينة ـ العاصمة الجديدة للعالم الجديد ـ يحلِبُ بيده شِياهَ الأيامى ، ويعجن بيديه خبز اليتامى …؟؟

    وأليس قائدهم ((خالد بن الوليد)) ترياق وساوس التجبر ، والصّلف ، والبغي ، والعدوان ، وسيف الله المسلول على قوى التخلّف ، والتعفّن ، والشِّرك؟؟

    أليس ذلك ، كذلك ..؟

    إذاً هُبّي رياح النصر … هُبّي قوية عزيزة ، ظافرة ، قاهرة .



    يتبع


  3. #23
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    لقد بهرت عبقرية خالد قواد الروم وأمراء جيشهم ؛ مما حمل أحدهم ، واسمه ((جرجه)) على أن يدعوا خالداً للبروز إليه في إحدى فترات الراحة بين القتال .. وحين يلتقيان ، يوجه القائد الروماني حديثه إلى خالد قائلاً :

    ((يا خالد .. اصدقني ، ولا تكذبني فإنّ الحرّ لا يكذب ..

    هل أنزل الله على نبيّكم سيفاً من السماء فأعطاك إياه ، فلا تسلّه على أحد إلا هزمته))؟؟

    قال خالد : (( لا… )) .

    قال الرجل : ((فبِمَ سُمّيت سيف الله))؟

    قال خالد : ((إن الله بعث فينا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمنّا من صدّقه ومنّا من كذّب … وكنت فيمن كذّب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام ، وهدانا برسوله صلى الله عليه وسلم فبايعناه … فدعا لي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال لي : أنت سيف من سيوف الله ، فهكذا سُمّيت .. سيف الله)) .

    قال القائد الروماني : ((وإلام تَدعون)) ..؟

    قال خالد : ((إلى توحيد الله ، وإلى الإسلام)) .

    قال : ((هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكم في المثوبة والأجر))؟

    قال خالد : ((نعم ، وأفضل..)) .

    قال الرجل : ((كيف ، وقد سبقتموه)) ..؟؟

    قال خالد : ((لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأينا آياته ومعجزاته ، وحُقَّ لمن رأى ما رأينا ، وسمع ما سمعنا أن يُسلم في يُسر ..

    أمّا أنتم يا مَن لم تَروه ولم تسمعوه ، ثم آمنتم بالغيب ؛ فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صَدَقتُم الله سرائركم ونواياكم)) .

    وصاح القائد الروماني ، وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ، ووقف بجواره :

    ((علّمني الإسلام يا خالد)) .!!!

    وأسلم … وصلّى لله ركعتين … لم يُصلّ سواهما ؛ فقد استأنف الجيشان القتال .. وقاتل ((جرجه الروماني)) في صفوف المسلمين مستميتاً في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها ..!!



    وبعد فها نحن أولاء نوجه العظمة الإنسانية في مشهد من أبهى مشاهدها .. إذ كان خالد يقود جيش المسلمين في هذه المعركة الضارية ، ويستلُ النصر من بين أنياب الروم استلالاً فذّاً ، بقدر ما هو مُضنٍ ورهيب ، وإذا به يفاجأ بالبريد القادم من المدينة يحمل كتاب الخليفة الجديد ((أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)) ..وفيه تحية الفاروق للجيش المسلم ، ونَعْيُه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصّدّيق ، ثم أمره بتنحية خالد عن القيادة ، وتولية ((أبي عبيدة بن الجرّاح)) مكانه ..

    قرأ خالد الكتاب ، وهمهم بابتهالات الترحّم على أبي بكر والتوفيق لعمر .. ثم طلب من حامل الكتاب ألا يبوح لأحد بما فيه والزَمَهُ مكاناً أمره ألا يغادره ، وألا يتصل بأحد ..

    استأنف قيادته للمعركة مُخفياً موت أبي بكر وأوامر عمر ـ رضي الله عنهما ـ حتى يتحقق النصر الذي بات وشيكاً وقريباً ..

    ودقّت ساعة الظّفر ، واندحر الروم .. وتقدّم البطل من أبي عبيدة مؤدياً إليه تحية الجندي لقائده .. وظنّها أبو عبيدة في أول الأمر دعابة من دعابات القائد الذي حقق نصراً لم يكن في الحسبان … بيد أنه ما فتِئ أن رآها حقيقة وجدّاً ، فقبّل خالداً بين عينيه ، وراح يُطري عظمة نفسه ، وسجاياه ..

    وثمّة رواية تاريخية أخرى ، تقول : إن الكتاب أرسل من أمير المؤمنين عمر إلى أبي عبيدة ، وكتم أبو عبيدة النبأ عن خالد حتى انتهت المعركة …

    وسواء كان هذا الأمر أو ذاك ، فإن مَسلَك خالد في كلتا الحالتين هو الذي يعنينا .. ولقد كان مسلكاً بالغ الروعة ، والعظمة ، والجلال .. ولا أعرف في حياة خالد كلها موقفاً ينبئ لإخلاصه العميق وصدقه الوثيق ، مثل هذا الموقف .. فسواء عليه أن يكون أميراً ، أو جنديّاً ..

    إن الإمارة ، كالجندية ، كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله الذي آمن به ، ونحو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بايعه ، ونحو الدين الذي اعتنقه وسار تحت رايته ..

    وجهده المبذول وهو أمير مُطَاع … كجهده المبذول وهو جندي مُطِيع ..!!

    ولقد هيأ له هذا الانتصار العظيم على النفس ، كما هيّأه لغيره طراز الخلفاء الذين كانوا على رأس الأمّة المسلمة والدولة المسلمة يوم ذاك .

    أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ … اسمان لا يكاد يتحرك بهما لسان ، حتى يخطر على البال كل مُعجزٍ من فضائل الإنسان ، وعظمة الإنسان ..

    وعلى الرغم من الوُدّ الذي كان مفقوداً ـ أحياناً ـ بين عمر وخالد ، فإن نزاهة عمر ، وعدله ، وورعه ، وعظمَته الخارقة ، لم تكن قطّ موضع تساؤل لدى خالد .. ومن ثم لم تكن قراراته موضع شك ؛ لأن الضمير الذي يُمليها ، قد بلغ من الورع ، ومن الاستقامة ، ومن الإخلاص والصدق أقصى ما يبلغه ضمير مُنزّه ورشيد .

    لم يكن أمير المؤمنين عمر يأخذ على خالد من سُوء ، ولكنه كان يأخذ على سيفه التسرُّع ، والحِدّة .. ولقد عبّر عن هذا حين اقترح على أبي بكر عزله إثر مقتل ((مالك بن نويرة)) ، فقال : ((إن في سيف خالد رَهقاً)) . ـ أي: خِفّة ، وحِدّة ، وتَسرّعاً ـ .. فأجابه الخليفة الصّدّيق :

    ((ما كنت لأشيم سيفاً سَلّه الله على الكافرين)) .

    لم يقل عمر إن في خالد رهقاً .. بل جعل الرهق صفة لسيفه لا لشخصه ، وهي كلمات لا تنمُّ عن أدب أمير المؤمنين فحسب ، بل عن تقديره لخالد ـ أيضاً ـ … وخالد رجل حرب من المهد إلى اللّحد .. فبيئته ، ونشأته ، وتربيته ، وحياته كلها ـ قبل الإسلام وبعده ـ كانت كلها وِعاء لفارس ، مُخاطر ، داهية ..

    ثم إن إلحاح ماضيه قبل الإسلام ، والحروب التي خاضها ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، والضربات التي أسقط بها سيفه ـ أيام الشرك ـ رؤوساً مؤمنة ، وجباهاً عابدة ، كل هذا كان له على ضميره ثِقَل مُبهِظ ، جعل سيفه توّاقاً إلى أن يُطوّح من دعامات الشرك أضعاف ما طوّح من حملة الإسلام ..

    وإنكم لتذكرون العبارة التي أوردناها أوّل هذا الحديث والتي جاءت في سياق حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال له :

    ((يا رسول الله .. استغفِر لي كلَّ ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله)) .

    وعلى الرغم من إنباء الرسول إياه ، بأن الإسلام يجبُّ ما كان قبله ، فإنه ظل يتوسّل على الظفر بعهد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله له فيما صَنَعت من قبلُ يداه ..

    والسيف حين يكون في يد فارس خارق ؛ كخالد بن الوليد ، ثم يحرّك اليدَ القابضة عليه ضمير متوهّج بحرارة التطهّر والتعويض ، ومُفعم بولاء مطلق لدين تُحيط به المؤامرات والعداوات ، فإن من الصعب على هذا السيف أن يتخلى عن مبادئه الصارمة ، وحدّته الخاطفة ..

    وهكذا رأينا سيف خالد يُسبب لصاحبه المتاعب .

    فحين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفتح إلى بعض قبائل العرب القريبة من مكة ، وقال له :

    ((إني أبعثك داعياً ، لا مُقاتلاً)) .

    غلبه سيفه على أمره ودفعَه إلى دور المُقاتل .. متخلّياً عن دور الداعي الذي أوصاه به الرسول صلى الله عليه وسلم مما جعله عليه الصلاة والسلام ينتفض جزعاً وألماً حين بلغه صنيع خالد ، وقام مستقبلاً القبلة ، رافعاً يديه ، ومعتذراً إلى الله بقوله :

    ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) .

    ثم أرسل عليّاً فَودى لهم دماءهم وأموالهم .

    وقيل إن خالداً اعتذر عن نفسه بأن عبد الله بن حُذافة السّهمي قال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك بقتالهم ؛ لامتناعهم عن الإسلام ..

    كان خالد يحمل طاقة غير عادية .. وكان يستبدّ به توق عارم إلى هدم عالمه القديم كله .. ولو أننا نبصره وهو يهدم صنَم ((العُزّى)) ، الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لهدمِه .

    لو أننا نبصره وهو يُدمدم بمعوله على هذه البناية الحجرية ، لأبصرنا رجلاً يبدو كأنه يقاتل جيشاً بأسره ، يُطوّح رؤوس أفراده ، ويبتر بالمنايا صفوفه .

    فهو يضرب بيمينه وبشماله ، وبقدمه ، ويصيح في الشظايا المتناثرة ، والتراب المتساقط :

    ((يا عُزى كفرانك ، لا سُبحانك ؛ إني رأيت الله قد أهانك)) ..!!

    ثم يحرقها ويشعل النار في ترابها ..!

    كانت كل مظاهر الشرك وبقاياه في نظر خالد ـ كالعُزّى ـ لا مكان لها في العالم الجديد الذي وقف خالد تحت أعلامه .. ولا يعرف خالد أداةً لتصفيتها إلا سيفه ..

    وإلا .. ((كفرانك ، لا سُبحانك .. إني قد رأيت الله قد أهانك))..!!



    على أنّا إذ نتمنّى مع أمير المؤمنين عمر لو خلا سيف خالد من هذا الرَّهق ؛ فإننا سنظلّ نردّد مع أمير المؤمنين عمر ـ قوله :

    ((عجزت النساء أن يَلِدْن مثلَ خالد))..!!

    لقد بكاه عمر يوم مات بُكاءً كثيراً ، وعلم الناس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقدَه فحسب ، بل ويبكي فرصة أضاعها الموت من عمر إذ كان يعتزم ردّ الإمارة إلى خالد بعد أن زال افتتان الناس به ، ومُحِّصت أسباب عزله ، لولا أن تدياركه الموت وسارع خالد إلى لقاء ربّه .

    نعم ، سارع البطل العظيم إلى مثواه في الجنّة ..

    أما آن له أن يستريح ..؟؟ .. هو الذي لم تشهد الأرض عدوّاً للراحة مثله ..!!

    أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلاً …؟؟ .. هو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه :

    ((الرجل الذي لا ينام ، ولا يترك أحداً ينام))..؟؟

    أمّا هو ، فلو خيّر لاختار أن يمدّ الله له في عمره مزيداً من الوقت يواصل فيه هدم البقايا المتعفّنة القديمة ، ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والإسلام …

    إن روحَ هذا الرجل ورَيحانه ليُوجدان دائماً وأبداً ، حيث تصهل الخيل ، وتلتمع الأسنّة ، وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة .. وإنّه ليقول :

    ((ما ليلةٌ يُهدى إليّ فيها عَروس ، أو أُبشّر فيها بوليد ، بأحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد ، في سريّة من المهاجرين ، أصبِّح بهم المشركين)) ..

    من أجل ذلك ، كانت مأساة حياته ـ في رأيه ـ أن يموت على فراشه ؛ وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده ، وتحت بريق سيفه ..

    هو الذي غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقهر أصحاب الردّة ، وسوّى بالتراب عرشَي فارس والروم ، وقطع الأرض وثباً ، في العراق خطوة خطوة .. حتى فتحها للإسلام ـ وفي بلاد الشام خطوة خطوة ، حتى فتحها كلها للإسلام …

    أميراً ، يحمل شَظَف الجنديّ وتواضعه .. وجنديّاً ، يحمل مسؤولية الأمير وقدوته .

    كانت مأساة حياة البطل أن يموت على فراشه ..!!

    هنالك قال ودموعه تنثال من عينيه :

    ((لقد شهِدت كذا ، وكذا زحفاً ، وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف ، أو طعنة رُمح ، أو رمية سهم ..

    ثم هآنذا أموت على فراشي حتف أنفي ؛ كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجُبناء)) ..!!

    كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن ، إلا مثل هذا الرجل .

    وحين كان يستقبل لحظات الرحيل ، شرع يُملي وصيَّته ..

    أتدرون إلى من أوصى ..؟؟

    إلى عمر بن الخطاب ذاته ..!!

    أتدرون ماذا كانت تركتُه ..؟

    فرسَه وسلاحه ..!!

    ثم ماذا ..؟؟

    لا شيء أبداً ، مما يقتني الناس ويمتلكون ..!!

    ذلك أنه لم يكن يستحوذ عليه وهو حيّ سوى اقتناء النصر وامتلاك الظفر على أعداء الحقّ .. وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه ..

    شيء واحد ، كان يحرص عليه في شغف واستماتة .. تلك هي ((قلنسُوتُه)) .. سقطت منه يوم اليرموك ؛ فأضنى نفسه والناس في البحث عنها .. فلمّا عُوتِب في ذلك قال :

    ((إن فيها بعضاً من شعر ناصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإني أتفاءل بها ، وأستنصر)) .

    وأخيراً ، خرج جثمان البطل من دياره محمولاً على أعناق أصحابه ورمَقَته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودّعه :



    أنت خير من ألف ألف من القو

    م إذا ما كَبَتْ وجوه الرجال



    أشْجاعٌ ..؟ فأنت أشجع من لَيْــ

    ــثٍ غَضنْفَر يذودُ عن أشبال



    أجوادٌ ..؟ فأنت أجود من سَيــ

    ـل غامر يسيلُ بين الجبال



    وسمعها ((عمر)) فازداد قلبه خفقاً .. ودمعه دَفقاً .. وقال :

    ((صدَقَتْ .. والله، إن كان لكذلك)) .

    وثوى البطل في مرقَدِهِ .. ووقف أصحابه في خشوع ، والدنيا من حولهم هاجعة ، خاشعة ، صامتة ..

    لم يقطع الصمت المهيب سوى صهيل فرس جاءت ـ كما نتخيّلها ـ تركض بعد أن خلعت رَسَنها ، وقطعت شوارع المدينة وثباً وراء جثمان صاحبها ، يقودها عبيرهُ وأريجُه .

    وإذا بلغت الجمع الصامت والقبر الرطب لوّحت برأسها ؛ كالراية ، وصَهيلها يصدح .. تماماً مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها ، يهدّ عروش فارس والروم ، ويشفي وساوس الوثنية والبغي ، ويزيح من طريق الإسلام كل قوى التقهقر والشرك ..

    وراحت ـ وعيناها على القبر لا تزيغان تعلو برأسها وتهبط ، مُلوّحة لسيدها وبطلها ، مُؤدية له تحية الوداع ..!!

    ثم وقفت ساكنة ـ ورأسها مرتفع .. وجبهتها عالية : ولكن من مآقيها تسيل دموع غِزار وكبار ..!!

    لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله .. ولكن …هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد ..؟؟

    وهل ستُذَلل ظهرها لأحد سواه ..؟؟

    إيه يا بطل كل نصر …

    ويا فجر كل ليل …

    لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف بقولك لجندك :

    ((عند الصباح يحمد القوم السُّرى)) ..

    حتى ذهبت عنك مثَلاً ..

    وها أنت ذا ، قد أتممت مَسراك ..

    فَلِصباحك الحمد ، أبا سليمان ..!!

    ولذكراك المجدُ ، والعِطر، والخُلد ، يا خالد ..!!

    ودَعْنا … نُردّد مع أمير المؤمنين عمر كلماتِه العِذاب الرّطاب التي ودّعك بها ورثاك :



    رَحِمَ الله أبا سليمان

    ما عند الله خيرٌ مما كان فيه

    ولقد عاش حَميداً

    وماتَ سعيداً





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  4. #24
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    أَبُو أَيُّوبَ الأَنصَاريُّ | خالدٌ بنُ زَيدِ النَّجَّاريُّ

    ((يُدفن تحت أسوار القُسطنطِينيَّة))

    ……….



    هذا الصحابي الجليل يُدعى خالد بن زيد بن كُليب ، من بني ((النّجّار)) .. أمّا كُنيته فأبو أيّوب .. وأمّا نسبته فإلى الأنصار .

    ومن منَّا معشرَ المسلمين لا يعرف أبا أيّوب الأنصاريّ ؟! .

    فقد رفع الله في الشرق والغرب ذِكره ، وأعلى في الخلق قدره ؛ حين اختار بيته من دون بيوت المسلمين جميعاً لينزل فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمّا حلَّ في المدينة مُهاجراً ، وحسبُهُ بذلك فخراً .

    ولنزُول الرسول صلوات الله عليه في بيت أبي أيّوب قصّة يحلو تردادها ويلذُّ تكرارها .

    ذلك أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حين بلغ المدينة تلقّته أفئدة أهلها بأكرم ما يُتلقّى بهِ وافد … وتطلَّعت إليه عيونهم تبثّه شوق الحبيب إلى حبيبه … وفتحوا له قلوبهم ليحلَّ منها في السّويداء ـ أي في أعماق القلوب ـ … وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعزّ منزل .

    لكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، قضى في ((قباء)) من ضواحي المدينة أيّاماً أربعة ، بنى خِلالها مسجده الذي هو أوّل مسجد أُسّس على التّقوى .

    ثمَّ خرج منها راكباً ناقته ، فوقف سادات ((يثرب)) في طريقها ، كلٌّ يريد أن يظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته … وكانوا يعترضون النّاقة سيّداً إثرَ سيّد ، ويقولون :

    أقِم عِندنا يا رسول الله في العَدَدِ والعُدَدِ والمَنعَة (المنعة: القوّة التي تمنع من يريده بسوء) .

    فيقول لهم : (دعوها فإنّها مأمورة) .

    وتظلّ الناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون ، وتحفّ بها القلوب … فإذا جازت منزلاً حزِنَ أهله وأصابهم اليأس ، بينما يُشرق الأمل في نفوس من يليهم .

    وما زالت الناقة على حالها هذه ، والناس يمضون في إثرها ، وهم يتلهّفون شوقاً لمعرفة السّعيد المحظوظ ؛ حتّى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيّوب الأنصاريّ ، وبركت فيها …لكنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينزل عنها … فما لبثت أن وثبت وانطلقت تمشي ، والرسول صلى الله عليه وسلم مُرخٍ لها زمامها ، ثمّ ما لبثت أن عادت أدراجها وبركت في مبركها الأوّل .

    عند ذلك غمرت الفرحة فؤاد أبي أيّوب الأنصاريّ ، وبادر إلى رسول الله صلوات الله عليه يُرحّب به ، وحمل متاعه بين يديه ، وكأنّما يحمل كنوز الدنيا كلّها ، ومضى بهِ إلى بيته .

    كان منزل أبي أيّوب يتألّف من طبقة فوقها عُلّيَّة ، فأخلى العُلّيَّة من متاعه ومتاع أهله ليُنزِلَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم … لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام آثَرَ عليها الطّبقة السُّفلى ، فامتثلَ أبو أيّوب لأمره ، وأنزلَهُ حيث أحبَّ .

    ولمّا أقبل الليل ، وأوى الرسول صلوات الله عليه إلى فراشه ، صعدَ أبو أيّوب الأنصاريّ وزوجه إلى العُلّيّة ، وما إن أغلقا عليهما بابها حتّى التفّتَ أبو أيّوب إلى زوجته وقال :

    وَيحَكِ ، ماذا صَنعنَا ؟! … أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ، ونحن أعلى منه ؟! … أَنَمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! … أنَصيرُ بين النبي والوحي ؟! إنّا إذن لهالكون .

    وسُقِطَ في أيدي الزّوجين ـ أي تحيّرا وندِما ـ وهما لا يدريان ما يفعلان .

    ولم تسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العُلّيّة الذي لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف مُتباعِدين عن الوسط .

    فلمّا أصبح أبو أيّوب ؛ قال للنبي عليه الصلاة والسلام :

    واللهِ ما أُغمِضَ لنا جفن في هذه الليلة ، لا أنا ولا أمّ أيّوب .

    فقال عليه الصلاة والسلام : (وممَّ ذاكَ يا أبا أيّوب؟!) .

    قال : ذكرتُ أنِّي على ظهر بيت أنت تحته ، وأنّي إذا تحرّكت تناثرَ عليك الغُبار فآذاك ، ثمّ أنِّي غدوت بينك وبين الوحي .

    فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام :

    ((هوّن عليك يا أبا أيّوب ، إنَّهُ أرفقُ بنا أن نكونَ في السٌّفلِ ؛ لكثرةِ مَن يغشانا ـ أي يزورنا ـ من الناس )) .

    قال أبو أيّوب :

    فامتثلت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت لنا جرّة وأريق ماؤها في العُلّيَّة ، فقُمتُ إلى الماء أنا وأمّ أيّوب ، وليس لدينا إلا قطيفة ـ أي قطعة من المخمل ـ كُنّا نتّخذها لِحافاً ، وجعلنا نُنشّف بها الماء خوفاً من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فلمّا كان الصّباح غدوت على الرسول صلوات الله عليه ، وقلت :

    بأبي أنت وأمّي ، إنّي أكره أن أكون فوقك ، وأن تكون أسفل منّي … ثمّ قصصتُ عليه خبر الجرّة ، فاستجاب لي ، وصعدَ إلى العُلّيّة ، ونزلتُ أنا وأمّ أيّوب إلى السُّفل .

    أقام النبي عليه الصلاة والسلام في بيت أبي أيّوب نحواً من سبعة أشهر ، حتّى تمّ بناء مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها النّاقة ، فانتقل إلى الحُجرات التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه ، فغدا جاراً لأبي أيّوب ، أكرِم بهما من مُتجاورين .

    أحبَّ أبو أيّوب رسول الله صلوات الله عليه حُبَّاً ملكَ عليه قلبهُ ولُبّه ، وأحبَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أبا أيّوب حُبّاً أزال الكُلفة فيما بينه وبينه ، وجعلهُ ينظُر إلى بيت أبي أيّوب كأنّهُ بيتُهُ .

    حدَّثَ ابن عبَّاس قال :

    خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجِرة ـ أي في نصف النهار في شدّة القيظ ـ إلى المسجد فرآه عمر رضي الله عنه ، فقال :

    يا أبا بكر ما أخرجَكَ هذه الساعة ؟! .

    قال : ما أخرجني إلا ما أجِدُ من شدّة الجوع .

    فقال عمر : وأنا واللهِ ما أخرجني غيرُ ذلك .

    فبينما هما كذلك ؛ إذ خرجَ عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

    (ما أخرجَكما هذه الساعة؟!) .

    قالا : واللهِ ما أخرجنا إلا ما نجِدُهُ في بطوننا من شدّة الجوع .

    قال عليه السلام : ( وأنا ـ والذي نفسي بيده ـ ما أخرجني غيرُ ذلك … قوما معي ).

    فانطلقوا فأتوا باب أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه ، وكان أبو أيّوب يدَّخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ يوم طعاماً ، فإذا أبطأ عنه ولم يأتِ إليه في حينه أطعمه لأهله .. فلمّا بلغوا الباب خرجت إليهم أمّ أيّوب ، وقالت : مرحباً بنبيّ الله وبمَن معه .

    فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام : (أينَ أبو أيّوب ؟) … فسمعَ أبو أيّوب صوت النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان يعمل في نحل قريب له ـ فأقبل يُسرِع ، وهو يقول :

    مرحباً برسول الله وبِمَن معه ، ثُمَّ أتبعَ قائلاً :

    يا نبيَّ اللهِ ليس هذا بالوقت الذي كُنتَ تجيء فيه .

    فقال عليه الصلاة والسلام : (صدقتَ) ، ثمَّ انطلقَ أبو أيّوب إلى نخيله فقطعَ منهَ عِذقاً ـ أي غصن له شِعب ـ فيه تمرٌ ورُطَب وبُسْرٌ ـ الرطب: ما نضج من تمر النخل ، والبسر: ما لم يكتمل نضجه ـ .

    فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أردتُ أن تقطع هذا ، ألا جَنيتَ لنا من تَمرِه ؟) .

    قال : يا رسول الله أحببتُ أن تأكُلَ من تمرِهِ ورُطَبِهِ وبُسْرِهِ ، ولأذبحنَّ لك أيضاً .

    قال : ( إن ذبحتَ فلا تذبحنَّ ذات لبنٍ ) .

    فأخذ أبو أيّوب جَدياً فذَبحه ، ثمَّ قال لامرأته : اعْجِني واخبزي لنا ، وأنتِ أعلم بالخَبزِ ، ثمّ أخذَ نصف الجَدي فطبخَهُ ، وعمَدَ إلى نصفه الثاني فشواه ، فلمَّا نضِجَ الطعام ووُضِعَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، أخذَ الرسول قطعة من الجدي ووضعها في رغيف ، وقال :

    (يا أبا أيّوب ، بادِر بهذه القِطعة إلى فاطمة ، فإنّها لم تُصِب مثل هذا منذُ أيّام ) ..

    فلمّا أكلوا وشبِعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم :

    (خُبزٌ ، ولحمٌ ، وتمرٌ ، وبسرٌ ، ورُطبٌ !!! ) … ودمَعت عيناه ثمَّ قال :

    ( والذي نفسي بيده إنَّ هذا هو النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة ، فإذا أصبتم مثلَ هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا :

    بسمِ اللهِ ، فإذا شبِعتم فقولوا : الحمدُ للهِ الذي هوَ أشبعنا وأنعمَ علينا فأفضَلَ ).

    ثمَّ نهض الرسول صلوات الله عليه ، وقال لأبي أيّوب :

    ( ائْتِنَا غداً ) .

    وكان عليه الصلاة والسلام لا يصنع له أحدٌ معروفاً إلا أحبَّ أن يُجازيَهُ عليه ، لكنَّ أبا أيّوب لم يسمع ذلك .. فقال له عمر رِضوان الله عليه :

    إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يأمُرُكَ أن تأتيهِ غداً يا أبا أيّوب .

    فقال أبو أيّوب : سَمعاً وطاعةً لرسول الله .

    فلمّا كان الغد ذهبَ أبو أيّوب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه جاريةً صغيرة كانت تخدمه ، وقال له :

    ( اسْتوصِ بها خيراً ـ يا أبا أيّوب ـ فإنّا لم نرَ منها إلا خيراً ما دامت عِندنا ) .

    عاد أبو أيّوب إلى بيته ومعه الجارية ؛ فلمّا رأتها أمّ أيّوب :

    قالت : لِمن هذه يا أبا أيّوب ؟! .

    قال : لنا … مَنَحنا إيَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    فقالت : أعظِم بهِ من مانِحٍ ؛ وأكرِم بها من مِنحةٍ .

    فقال : وقد أوصانا بها خيراً .

    فقالت : وكيفَ نصنع بها حتّى نُنفِّذ وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .

    فقال : واللهِ لا أجدُ لوصيّة رسول الله بها خيراً مِن أن أُعتِقها .

    فقالت : هُدِيتَ إلى الصّواب ، فأنتَ مُوفّقٌ … ثمّ أعتقها .



    هذه بعض صور حياة أبي أيّوب الأنصاريّ في سِلمِهِ ، فلو أُتيحَ لكَ أن تقِفَ على بعض صور حياته في حربِهِ لرأيتَ عجبَاً …

    فقد عاش أبو أيّوب رضي الله عنه طول حياته غازياً حتّى قِيلَ :

    إنّه لم يتخلّف عن غزوة غزاها المسلمون منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زمن معاوية إلا إذا كان مُنشغِلاً عنها بأخرى .

    وكانت آخر غزواته حين جهّز معاوية جيشاً بقيادة ابنه ((يَزيد)) ، لِفتحِ ((القُسطَنطِينيَّة)) ، وكان أبو أيّوب آنذاك شيخاً طاعِناً في السّنّ يحبو نحوَ الثمانين من عمره ؛ فلم يمنعه ذلك من أن ينضمّ تحت لواء ((يزيد)) ، وأن يشقّ أمواج البحر غازياً في سبيل الله .

    لكنّه لم يمضِ غير قليل على منازلة العدوّ حتّى مرِض أبو أيّوب مرَضاً أقعدَه عن مواصلة القتال ، فجاء (يزيد)) ليعُودَهُ وسألَهُ :

    ألَكَ من حاجةٍ يا أبا أيّوب ؟ .

    فقال : اِقرَأ عنِّي السلام على جُنودِ المسلمين ، وقل لهم :

    يُوصيكم أبو أيّوب أن تُوغِلوا في أرضِ العدوِّ إلى أبعدِ غايةٍ ، وأن تحمِلوه معكم ، وأن تدفِنوه تحت أقدامِكم عِندَ أسوار ((القُسطنطينيّة)) … ولفظَ أنفاسَهُ الطَّاهِرة .

    استجاب جُندُ المسلمين لِرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكرُّوا على جُند العدوِّ الكرَّة بعدَ الكرَّة ، حتَّى بلغوا أسوار ((القسطنطينيّة)) وهم يحملوا أبا أيّوب معهم … وهُناكَ حفروا له قبراً وواروهُ فيه .



    رحِمَ اللهُ أبا أيّوب الأنصاريَّ …

    فقد أبى إلا أن يموتَ على ظُهورِ الجِيادِ الصَّافِنات ـ وهي صفة من صفات الجياد الكريمة ـ غازياً في سبيل الله … وسِنُّهُ تُقارِب الثمانين .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  5. #25
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد:صحابة و صحابيات

    مُعَاذ بنُ جَبَل

    ((أعلمهم بالحلال والحرام))

    * * *



    عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع الأنصار بيعة العقبة الثانية ، كان يجلس بين السبعين الذين يتكوّن منهم وفدهم ، شاب مشرق الوجه ، رائع النظرة ، برّاق الثنايا .. يبهر الأبصار بهدوئه وسَمْتِه ، فإذا تحدّث ازدادت الأبصار انبهاراً ..!!

    ذلك كان ((معاذ بن جبل)) ـ رضي الله عنه ـ ..

    هو إذاً رجل من الأنصار ، بايع يوم العقبة الثانية ، فصار من السابقين الأولين .. ورجل له مثل أسبقيته ، ومثل إيمانه ويقينه ، لا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزوة ، وهكذا صنع معاذ ..

    على أن آلق مزاياه ، وأعظم خصائصه ـ كان فقهه ..

    بلغ من الفقه والعلم المدى الذي جعله أهلاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنه :

    ((أعلم أمّتي بالحلالِ والحرامِ ، مُعاذ بن جبل))

    وكان شبيه عمر بن الخطاب في استنارة عقله ، وشجاعة ذكائه ؛ سأله الرسول صلى الله عليه وسلم حين وجّهه إلى اليمن : ((بِمَ تقضي يا معاذ))؟

    فأجابه قائلاً : ((بكتاب الله)) ..

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((فإن لم تَجِد في كتاب الله)) …؟؟

    قال معاذ : ((أقضي بسنّة رسوله)) …

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((فإن لم تجد في سنّة رسوله)) ..؟؟

    قال معاذ : ((أجتهدُ رأيي ، لا آلُو)) …

    فتهلّل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال :

    ((الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يُرضي رسول الله)) .

    فولاء معاذ لكتاب الله ، ولسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحجب عقله عن متابعة رؤاه ، ولا يحجب عن عقله تلك الحقائق الهائلة المستسِرّة ؛ التي تنتظر من يكتشفها ويواجهها .

    ولعل هذه القدرة على الاجتهاد ، والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل ، هما اللتان مكّنتا معاذاً من ثرائه الفقهي الذي فاق به أقرانه وإخوانه ، وصار ـ كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم ـ :

    ((أعلم الناس بالحلال والحرام)) .

    وإن الروايات التاريخية لتصوره ـ حيثما كان ـ العقل المضيء الحازم الذي يحسن الفصل في الأمور .. فهذا ((عائذ بن عبد الله)) يحدّثنا أنه دخل المسجد يوماً مع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في أول خلافة عمر .. قال :

    ((فجلستُ مجلساً فيه بضع وثلاثون ، كلهم يَذكرون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الحلقة شاب شديد الأدمَة ، حلو المنطق ، وضيء ، وهو أشبُّ القوم سِنّاً ، فإذا اشتبه عليهم من الحديث شيء ردّوه إليه فأفتاهم ، ولا يحدّثهم إلا حين يسألونه ، ولمّا قُضِيَ مجلسهم دنوتُ منه وسألته :

    مَن أنت يا عبد الله ؟؟ .. قال : أنا مُعاذ بن جبل)) .

    وهذا أبو مسلم الخولاني يقول :

    ((دخلتُ مسجد ـ حمص ـ فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا ، صامت لا يتكلم .. فإذا امترى القوم في شيء توجّهوا إليه يسألونه .. فقلت لجليس لي : مَن هذا ..؟ قال : مُعاذ بن جبل .. فوقع في نفسي حُبُّه)) .

    وهذا شهر بن حَوْشب يقول :

    ((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدّثوا وفيهم معاذ بن جبل ، نظروا إليه هيبةً له)) ..

    ولقد كان أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ يستشيره كثيراً .. وكان يقول في بعض المواطن التي يستعين فيها برأي معاذ وفقهه : ((لولا معاذ بن جبل لَهَلَك عمر)) ..

    ويبدو أن معاذاً كان يمتلك عقلاً أحسن تدريبه ، ومنطقاً آسراً مقنعاً ، ينساب في هدوء وإحاطة .. فحيثما نلتقي به من خلال الروايات التاريخية عنه ، نجده كما أسلفنا واسطة العِقْد .. فهو دائماً جالس والناس حوله .. وهو صموت ، لا يتحدث إلا على شوق الجالسين إلى حديثه … وإذا اختلف الجالسون في أمر ، أعادوه إلى معاذ ؛ ليفصل فيه .. فإذا تكلم ، كان ـ كما وصفه أحد معاصريه ـ :

    ((كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ)) …

    ولقد بلغ كل هذه المنزلة في علمه ، وفي إجلال المسلمين له ، أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد مماته ، وهو شاب .. فلقد مات معاذ في خلافة عمر ولم يتجاوز من العمر ثلاثاً وثلاثين سنة ..!!

    وكان معاذ سَمْح اليد ، والنفس ، والخلق .. فلا يسأل عن شيء إلا أعطاه جزلان مغتبطاً .. ولقد ذهب جوده وسخاؤه بكل ماله .

    ومات الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ باليمن منذ وجّهه النبي إليها يعلّم المسلمين ويفقّههم في الدين .. وفي خلافة أبي بكر رجع معاذ من اليمن ، وكان عمر قد علم أن معاذاً أثرى .. فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله ..!! ولم ينتظر عمر ، بل نهض مسرعاً إلى ديار معاذ وألقى عليه مقالته ..

    كان معاذ طاهر الكفّ ، طاهر الذمة ، ولئن كان قد أثرى ، فإنه لم يكتسب إثماً ، ولم يقترف شبهة ، ومن ثم فقد رفض عرض عمر ، وناقشه رأيه .. وتركه عمر وانصرف …

    وفي الغداة ، كان معاذ يطوي الأرض حثيثاً شطر ديار عمر .. ولا يكاد يلقاه .. حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول :

    ((لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمة ماء ، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت فخلصتني يا عمر)) .

    وذهبا معاً إلى أبي بكر .. وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله ، فقال أبو بكر :

    ((لا آخذ منك شيئاً)) ..

    فنظر عمر إلى معاذ وقال له :

    ((الآن حلّ وطاب)) ..

    ما كان أبو بكر الورِع ليترك لمعاذ درهماً واحداً ، لو علم أنه أخذه بغير حقّ .. وما كان عمر متجنياً على معاذ بتهمة أو ظن .. وإنما هو ((عصر المُثُل)) كان يزخر بقوم يتسابقون إلى ذُرى الكمال الميسور ، فمنهم الطائر المحلّق ومنهم المهرول ، ومنهم المقتصد .. ولكنهم جميعاً في قافلة الخير سائرون .

    ويهاجر معاذ إلى الشام ، حيث يعيش بين أهلها والوافدين عليها معلّماً وفقيهاً ، فإذا مات أميرها أبو عبيدة الذي كان الصديق الحميم لمعاذ ، استخلفه أمير المؤمنين عمر على الشام ، ولا يمضي عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربّه مخبتاً منيباً …

    وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول :

    ((لو استخلفتُ معاذ بن جبل ، فسألني ربّي : لماذا استخلفته ؟ لقلت : سمعتُ نبيّك يقول : إنّ العلماء إذا حضروا ربّهم ـ عزّ وجلّ ـ كان معاذ بين أيديهم)) ..

    والاستخلاف الذي يعنيه عمر هنا ، هو الاستخلاف على المسلمين جميعاً ، لا على بلد أو ولاية ..

    فلقد سئل عمر قبل موته : لو عهدت إلينا ..؟ أي : اخترت خليفتك بنفسك وبايعناك عليه؟؟..

    فأجاب قائلاً :

    ((لو كان معاذ بن جبل حيّاً ، ووَلّيته ، ثم قَدِمتُ على ربّي ـ عزّ وجلّ ـ فسألني : مَن وَلّيت على أمّّة محمد ، لقلت : ولّيت عليهم معاذ بن جبل ، بعد أن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : معاذ بن جبل إمام العلماء يوم القيامة)) .

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً :

    ((يا معاذ .. والله إني لأحبّكَ فلا تنسَ أن تقول في عقِب كل صلاة :((اللهم أعنِّي على ذِكرك ، وشكرك ، وحُسن عبادتك)) ..

    أجل .. اللهم أعنّي .. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم دائب الإلحاح على هذا المعنى العظيم الذي يدرك الناس به أنه لا حول لهم ولا قوة ، ولا سند ولا عون إلا بالله ، ومن الله العلي العظيم ..

    ولقد حذِق معاذ الدرس وأجاد تطبيقه ..

    لقِيهُ الرسول صلى الله عليه وسلم صباح فسأله : ((كيف أصبحتَ يا معاذ)).؟؟

    قال : ((أصبحتُ مؤمناً حقّاً يا رسول الله)) .

    قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنّ لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك)) ..؟؟

    قال معاذ : ((ما أصبحتُ صباحاً قطّ ، إلا ظننتُ أني لا أُمسِي .. ولا أَمسَيتُ مساء إلا ظَننتُ أني لا أُصبح)) ..

    ولا خطوتُ خطوة إلا ظننتُ أني لا أُتبِعُها غيرها ..

    وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تُدعى إلى كتابِها ..

    وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنعّمون ..

    وأهل النار في النار يُعَذّبون …)) .

    فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ((عرفتَ فالزمْ)) ..

    أجل لقد أسلم معاذ كل نفسه وكل مصيره لله ، فلم يَعُد يبصر شيئاً سواه .. ولقد أجاد ابن مسعود وصفه حين قال :

    ((إنّ معاذاً كان أُمّةً ، قَانِتاً لله حنِيفاً ، ولقد كُنّا نُشبِّهُ معاذاً بإبراهيم عليه السلام)) …

    وكان معاذ دائب الدعوة إلى العلم ، وإلى ذكر الله .. وكان يدعو الناس إلى التماس العلم الصحيح النافع ، ويقول :

    ((احذروا زَيْغ الحكيم .. واعرفوا الحقّ بالحقّ ، فإن للحقّ نوراً)) ..!!

    وكان يرى العبادة قصداً ، وعدلاً ..

    قال له يوماً أحد المسلمين : علّمني .

    فسأله معاذ : وهل أنت مطيعي إذا علمتك ..؟؟

    قال الرجل : إني على طاعتك لحريص ..

    فقال له معاذ :

    ((صُمْ ، وأفطِر .. وصَلِّ ، ونَمْ ـ أي: لا تقم الليل كلّه مصلّياً ـ …

    واكتسب ، ولا تأثم …

    ولا تموتنّ إلأ مسلماً …

    وإياك ودَعوة المظلوم)) .

    وكان يرى العلم معرفة ، وعملاً .. فيقول :

    ((تعلّموا ما شئتم أن تتعلّموا ، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تَعمَلوا)) …

    وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضاراً دائماً لعظمته ، ومراجعة دائمة لسلوك النفس .

    يقول الأسود بن هلال :

    ((كُنّا نمشي مع معاذ ، فقال لنا : اجلسوا بنا نُؤمّن ساعة)) ..

    ولعل سبب صمته الكثير كان راجعاً إلى عملية التأمّل والتفكّر التي لا تهدأ ولا تكفّ داخل نفسه .. هذا الذي كان كما قال للرسول صلى الله عليه وسلم : لا يخطو خطوة ، ويظن أنه سيتبعها بأخرى .. وذلك من فرط استغراقه في ذكره ربّه ، واستغراقه في محاسبته نفسَه ..



    وحان أجل معاذ .. ودُعِي للقاء الله ..

    وفي سكرات الموت تنطلق عن اللاشعور حقيقة كل حيّ ، وتجري على لسانه ـ إن استطاع الحديث ـ كلمات تلخّص أمره وحياته ..

    وفي تلك اللحظات قال معاذ كلمات عظيمة تكشف عن مؤمن عظيم .. فقد كان يحدق في السماء ويقول مناجياً ربّه الرحيم :

    ((اللهم إني كُنتُ أخافك ، لكنني اليوم أرجوك ، اللهم إنك تعلم أنّي لم أكُن أحبُّ الدنيا لجري الأنهار ، ولا لِغرسِ الأشجار … ولكن لظمأ الهواجر ، ومُكابدة الساعات ، ونَيلِ المزيد من العلم ، والإيمان ، والطاعة)) .

    وبَسطَ يمينه ؛ كأنه يصافح الموت ، وراح في غيبوبته يقول :



    ((مرحباً بالموت .. حبيبٌ جاء على فاقة))

    وسافر ((معاذ)) إلى الله .







    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  6. #26
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    الطُّفيل بنُ عَمروٍ الدُّوسيُّ

    ((اللهمّ اجعل لهُ آيةً تُعينُه على ما ينوِي من الخيرِ)) ……. (من دُعاء الرسول صلى الله عيه وسلم لَهُ)

    ………..





    الطفيل بن عمرو الدوسي سيد قبيلة ((دَوْسٍ)) في الجاهليّة ، وشريف من أشراف العرب المرموقين ، وواحد من أصحاب المروءات المعدودين …

    لا تنزل له قِدرٌ عن نار ، ولا يُوصد له باب أمام طارق …

    يُطعم الجائع ، ويُؤمّن الخائف ، ويُجير المُستجير .

    وهو إلى ذلك أديب أريب لبيب ، وشاعر مُرهف الحِسّ رقيق الشعور بصير بِحُلوِ البيان ومُرّه … حيث تفعل فيه الكلمة فعل السِّحر .

    * * *

    غادر الطفيل منازل قومه في ((تِهامَة)) ـ تهامَة: السهل الساحلي في جزيرة العرب المحاذي للبحر الأحمرـ مُتوجهاً إلى مكّة ، ورحى الصراع دائرة بين الرسول الكريم صلوات الله عليه وكفّار قريش ، كلّ يريد أن يكسب لنفسه الأنصار ، ويجتذب لحزبِهِ الأعوان …

    فالرسول صلوات الله وسلامه عليه يدعو لربّه وسلاحه الإيمان والحقّ .

    وكفّار قريش يقاومون دعوته بكل سلاح ، ويصدّون الناس عنه بكل وسيلة .

    ووجدَ الطفيل نفسه يدخل في هذه المعركة على غير أُهبة الاستعداد ، ويخوض غِمارها عن غير قصدٍ …

    فهو لم يقدم إلى مكّة لهذا الغرض ، ولا خطر له أمر محمد وقريش قبل ذلك على بال .

    ومن هنا كانت للطفيل بن عمرو الدوسي مع هذا الصراع حكاية لا تُنسى ؛ فلنستمع إليها ، فإنها من غرائب القِصص .

    * * *

    حدّث الطفيل قال :

    قدِمتُ مكّة ، فما إن رآني سادة قريش ؛ حتّى أقبلوا عليّ فرحّبوا بي أكرم ترحيب ، وأنزلوني فيهم أعزّ منزل .

    ثمّ اجتمع إليّ سادتهم وكُبراؤهم وقالوا : يا طفيل ، إنّك قد قدِمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي يزعم أنّه نبيّ قد أفسد أمرنا ومزّق شملنا ، وشتّت جماعتنا ، ونحن إنّما نخشى أن يحِلّ بِك وبزعامَتِك في قومِك ما قد حلّ بنا ، فلا تُكلّم الرجل ، ولا تسمعنّ منه شيئاً ؛ فإنّ له قولاً كالسحر : يُفرّق بين الولد وأبيه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين الزوجة وزوجها .

    قال الطفيل :

    فواللهِ ما زالوا بي يقصّون عليّ من غرائب أخباره ، ويُخوّفونَني على نفسي وقومي بعجائب أفعاله ، حتّى أجمعت أمري على ألا أقترب منه ، وألا أكلّمه أو أسمع منه شيئاً .

    ولمّا غدوتُ إلى المسجد للطواف بالكعبة ، والتبرّك بأصنامها التي كنّا إليها نحجّ وإيّاها نعظّم ، حشوتُ في أذنيّ قطناً خوفاً من أن يلامس سمعي شيء من قول محمد .

    لكني ما إن دخلت المسجد حتّى وجدته قائماً يُصلّي عند الكعبة صلاةً غير صلاتنا ، ويتعبّد عبادةً غير عبادتنا ، فأسَرنِي مَنظرهُ ، وهزّني عِبادته ، ووجدتُ نفسي أدنو منه شيئاً فشيئاً على غير قصد منّي حتّى أصبحت قريباً منه…

    وأبى الله إلا أن يصِلَ إلى سمعي بعضٌ مما يقول ، فسمعتُ كلاماً حسناً ، وقلت في نفسي :

    ثكِلتكَ أمّك يا طفيل … إنّك لرجل لبيب شاعر ، وما يخفى عليك الحسن من القبيح ، فما يمنعك أن تسمع من الرجل ما يقول …

    فإن كان الذي يأتي به حسناً قبِلته ، وإن كان قبيحاً تركته .

    * * *

    قال الطفيل : ثمّ مكثتُ حتّى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فتبعته حتّى إذا دخل دياره دخلتُ عليه ، فقلت :

    يا محمد ، إنّ قومك قد قالوا لي عنك كذا وكذا ، فواللهِ ما برحوا يخوّفونني من أمرك حتّى سددتُ أذنيّ بقطن لئلا أسمع قولك ، ثمّ أبى الله إلا أن يُسمعني شيئاً منه ، فوجدته حسناً … فاعرِض عليّ أمرك …

    فعرض عليّ أمره ، وقرأ لي سورة الإخلاص والفلق ، فواللهِ ما سمعت قولاً أحسن من قوله ، ولا رأيت أمراً أعدل من أمره .

    عند ذلك بسطت يدي له ، وشهدت أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ، ودخلتُ في الإسلام .

    * * *

    قال الطفيل : ثمّ أقمت في مكّة زمناّ تعلّمت فيه أمور الإسلام وحفظتُ فيه ما تيسّر لي من القرآن ، ولمّا عزمت على العودة إلى قومي قلت :

    يا رسول الله ، إني امرؤ مطاع في عشيرتي ، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عوناً فيما أدعوهم إليه ، فقال : ((اللهم اجعل له آية)) .

    فخرجت إلى قومي حتّى إذا كنت في موضع مُشرف على منازلهم وقع نور فيما بين عينيّ مثل المصباح ، فقلت :

    اللهم اجعله في غير وجهي ، فإنّي أخشى أن يظنّوا أنّها عقوبة وقعت في وجهي لمفارقة دينهم … فتحوّل النّور فوقّع في رأس سوطي ، فجعل الناس يتراءون ذلك النّور في سوطي كالقنديل المُعلّق ، وأنا أهبط إليهم من الثنيّة ـ الثنيّة: العقبة وهي الفرجة بين جبلين ـ فلمّا نزلت ، أتاني أبي ـ وكان شيخاً كبيراً ـ فقلت :

    إليك عني يا أبتِ ، فلست منك ولستَ منّي .

    قال : ولمَ يا بُنيّ ؟! … قلتُ : لقد أسلمت ، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم .

    قال : أي بنيّ ، ديني دينك ، فقلت : اذهب واغتسل وطهّر ثيابك ، ثمّ تعال حتّى أعلمك ما عُلمتُ .

    فذهب فاغتسل وطهّر ثيابه ، ثمّ جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم . ثمّ جاءت زوجتي ، فقلتُ : إليك عنّي فلستُ منكِ ولست منّي .

    قالت : ولِمَ ؟! بأبي أنتَ وأمّي ، فقلتُ : فرّق بيني وبينك الإسلام ، فقد أسلمتُ ، وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم .

    قالت : فديني دينك ، قلت : فاذهبي فتطهّري من ماء ((ذِي الشّرى)) ـ ذي الشّرى: صنم لدوس حوله ماء يهبط من الجبل ـ .

    فقالت : بأبي أنت وأمّي ، أتخشى على الصّبيَة شيئاً من ((ذي الشّرى)) ؟! .

    فقلت : تبّاً لكِ ولذي الشّرى … قلتُ لكِ : اذهبي واغتسلي هناك بعيداً عن الناس ، وأنا ضامن لكِ ألا يفعل هذا الحجر الأصمّ شيئاً .

    فذهَبَت فاغتسَلت ، ثمّ جاءت ؛ فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمت .

    ثمّ دعوت ((دوساً)) فأبطؤوا عليّ إلا أبا هريرة فقد كان أسرع الناس إسلاماً .

    * * *

    قال الطفيل :

    فجئتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة ، ومعي أبو هريرة …

    فقال لي النبيّ عليه الصلاة والسلام : ((ما وراءكَ يا طفيل ؟)) .

    فقلتُ : قلوب عليها أكنّة وكفر شديد … لقد غلبَ على دوس الفسوق والعِصيان …

    فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضّأ وصلّى ورفع يده إلى السماء ، قال أبو هريرة : فلمّا رأيته كذلك خِفت أن يدعو على قومي فيهلكوا … فقلت : واقوماه …

    لكنّ الرسول صلوات الله عليه جعل يقول :

    ((اللهمّ اهدِ دَوْساً … اللهمّ اهدِ دَوْساً … اللهمّ اهدِ دَوْساً)) .

    ثمّ التفتَ إلى الطفيل وقال :

    ((ارجع إلى قومك وارْفْق بهم وادعُهم إلى الإسلام)) .

    * * *

    قال الطفيل : فلم أزل بأرض ((دوس)) أدعوهم إلى الإسلام حتّى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضت بدر ، وأُحُد ، والخندق ، فقدِمتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعي ثمانون بيتاً من ((دوس)) أسلموا وحسُنَ إسلامهم ؛ فسرّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسهم لنا مع المسلمين من غنائم ((خيبر)) فقلنا : يا رسول الله : اجْعلنا مَيمَنَتَكَ في كلّ غزوة تغزوها ، واجعل شعارنا : ((مَبرور)) .

    قال الطفيل : ثمّّ لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى فتح الله عليه مكّة ، فقلت :

    يا رسول الله ، ابعثني إلى ((ذي الكَفَينِ)) صنم عمرو بن حممة حتّى أحرِقه … فأذِنَ له النبيّ عليه الصلاة والسلام ؛ فسار إلى الصنم في سريّة من قومه .

    فلمّا بلغه ، وهمّ بإحراقه اجتمع حوله النساء والرجال والأطفال يتربّصون به الشرّ ، وينتظرون أن تصعقه صاعقة إن هو نال ((ذا الكفين)) بِضُرّ .

    لكنّ الطفيل أقبل على الصنم على مشهد من عُبّاده … وجعل يُضرم النار في فُؤاده … وهو يرتجز :

    يا ذا الكَفَينِ لستُ مِن عُبّادِكَا

    مِيلادُنَا أقدمُ مِن مِيلادِكَا

    إنّي حَشَوتُ النّارَ في فُؤادِكَا

    وما إن التهمت النّار الصّنم حتّى التهمت معها ما تبقّى من الشرك في قبيلة ((دوس)) ؛ فأسلم القوم جميعاً وحسُنَ إسلامهم .

    * * *

    ظلّ الطفيل بن عمرو الدوسي بعد ذلك مُلازماً لرسول الله صلوات الله عليه ، حتّى قبضَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربّه .

    ولمّا آلت الخلافة من بعده إلى صاحبه الصّدّيق ، وضعَ الطفيل نفسه وسيفه وولده في طاعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ولمّا نشبت حروب الردّة نفرَ الطفيل في طليعة جيش المسلمين لحربِ مُسيلمة الكذّاب ، ومعه ابنه عمرو .

    وفيما هو في طريقه إلى اليمامة رأى رؤيا ، فقال لأصحابه : إنّي رأيت رؤيا فعبّروها لِي .

    فقالوا : وما رأيت ؟ .

    قال : رأيت أن رأسي قد حُلِقَ ، وأنّ طائراً خرج من فمي ، وأنّ امرأةً أدخلتني في بطنها ، وأنّ ابني عمراً جعل يطلُبني حثيثاً لكنّه حيلَ بيني وبينه .

    فقالوا : خَيرَاً ….

    فقال : أمّا أنا ـ واللهِ ـ لقد أوّلتها :

    أمّا حلق رأسي فذلك أنّه يقطعُ …

    وأمّا الطائر الذي خرج من فمِي فهو روحي …

    وأمّا المرأة التي أدخلتني في بطنها فهي الأرض تُحفرُ لي فأدفنُ في جوفها … وإنّي لأرجو أن أُقتَل شهيداً …

    وأمّا طلبُ ابني لي فهو يعني أنّه يطلب الشهادة التي سأحظى بها ـ إذا أذِنَ الله ـ لكنّه يُدركُها فيما بعد .

    * * *

    وفي معركة ((اليمامة)) أبلى الصحابيّ الجليل الطفيل بن عمرو الدّوسِيّ أعظم البلاء ، حتّى خرّ صريعاً شهيداً على أرض المعركة .

    وأمّا ابنه عمرو فما زال يُقاتِل حتّى أثخنتهُ الجراح وقُطِعت كفّه اليُمنى فعاد إلى المدينة مُخلّفاً على أرض ((اليمامة)) أباه ويدَهُ .

    * * *

    وفي خلافة عُمر بن الخطّاب ، دخل عليه عمرو بن الطفيل ، فأتِيَ للفاروق بطعام ، والناس جلوس عنده ، فدعا القوم إلى طعامه ، فتنحّى عمرو عنه ، فقال له الفاروق :

    ما لَكَ ؟! … لعلّكَ تأخّرتَ عن الطعام خجلاً من يدِكَ .

    قال : أجل يا أمير المؤمنين .

    قال : واللهِ لا أذوقُ هذا الطعام حتّى تُخلِطَهُ بيدِك المقطوعة …

    واللهِ ما في القوم أحدٌ بعضُهُ في الجنّة إلا أنت .. ـ يريد بذلك يدَهُ ـ .

    * * *

    ظلّ حُلمُ الشهادة يلوحُ لعمرو منذ فارق أباه ، فلمّا كانت معركة ((اليرموك)) بادَرَ إليها عمرو مع المبادرين ، وما زال يُقاتِل حتّى أدرك الشهادة التي منّاهُ بها أبوه .

    * * *

    رَحِمَ اللهُ الطفيل بن عمرو الدّوسيّ ؛ فهوَ الشهيدُ وأبو الشهيدِ .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  7. #27
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ

    أوَّل سُفراء الإسلام

    ***



    هذا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما أجمل أن نبدأ به الحديث .

    غُرّة فتيان قريش ، وأوفاهم بهاءً ، وجمالاً ، وشباباً ..

    يصف المؤرخون والرواة شبابه ، فيقولون : ((كان أعطرَ أهل مكة)) …

    وُلِد في النعمة ، وغُذّي بها ، وشبّ تحت خمائلها .. ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر من تدليل أبويه بمثل ما ظفر به ((مصعب بن عمير)) … ذلك الفتى الريّان ، المدلل المنعَّم ، حديث حِسَان مكّة ، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها ، أيمكن أن يتحول إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء …؟

    بالله ما أروعه من نبأ … نبأ ((مصعب بن عمير)) أو ((مصعب الخير)) ؛ كما كان لقبه بين المسلمين ..!!

    إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام وربّاهم ((محمد)) ـ عليه الصلاة والسلام ـ … ولكن أي واحد كان …؟

    إنّ قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعاً …

    لقد سمع الفتى ذات يوم ، ما بدأ أهل مكّة يسمعونه عن محمد الأمين صلى الله عليه وسلم …

    ((محمد)) الذي يقول : إن الله أرسله بشيراً ، ونذيراً ، وداعياً إلى عبادة الله الواحد الأحد .

    وحين كانت مكّة تمسي وتُصبح ولا هَمَّ لها ، ولا حديث يشغلها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه ، كان فتى قريش المدلّل أكثر الناس استماعاً لهذا الحديث .

    وذلك أنّه كان ـ على الرغم من حداثة سنّه ـ زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة على أن يكون ((مُصعب)) بين شهودها ؛ ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال ((ابن عمير)) التي تفتح له القلوب والأبواب ..

    ولقد سمع فيما سمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ، يجتمعون بعيداً عن فضول قريش وأذاها .. هناك على الصّفا في ديار ((الأرقم بن أبي الأرقم)) فلم يطل به التردد ، ولا التلبث والانتظار ، بل صحب نفسه ذات مساء إلى ((ديار الأرقم)) تسبقه أشواقه ورُؤاه ..

    هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه ؛ فيتلو عليهم من القرآن ، ويصلّي معهم لله العلي الكبير .

    ولم يكد مصعب يأخذ مكانه ، وتنساب الآيات من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم متألقة على شفتيه ، ثم آخذة طريقها إلى الأسماع والأفئدة ؛ حتى كان فؤاد ((ابن عمير)) في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود ..!!

    ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه ، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير .. ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه المباركة الحانية حتى لامست الصدر المتوهج ، والفؤاد المتوثب ؛ فكانت السكينة العميقة عُمق المحيط … وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضِعف سنّه وعمره ، ومعه من التصميم ما يُغَيّر سير الزمان …!!!

    * * *

    كانت أم مصعب ((خُنّاس بنت مالك)) تتمتع بقوة فذة في شخصيتها ، وكانت تُهاب إلى حد الرهبة ..

    ولم يكن مصعب حين أسلم لِيحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمّه .. فلو أنّ مكّة بكل أصنامها ، وأشرافها ، وصحرائها استحالت هَوْلاً يُقارعه ويصارعه ، لاستخفَّ به مصعب إلى حين .. أما خصومة أمّه ، فهذا هو الهول الذي لا يطاق ..!

    ولقد فكّر سريعاً ، وقرّر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً .

    وظلَّ يتردّد على ديار الأرقم ، ويجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهو قرير العين بإيمانه ، وبتفاديه غضب أمّه التي لا تعلم عن إسلامه خُبْراً ..

    ولكنّ مكّة ، وفي تلك الأيام بالذات ، لا يخفى فيها سر ؛ فعيون قريش وآذانها على كل طريق ، ووراء كل بَصمة قَدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة الواشية …

    ولقد أبصر به ((عثمان بن طلحة)) وهو يدخل خفية إلى ديار الأرقم … ثم رآه مرة أخرى وهو يصلّي ؛ كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فسابق ريح الصحراء وزوابعها ؛ شاخصاً إلى أمّ مصعب ، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها .

    ووقف مصعب أمام أمّه ، وعشيرته ، وأشراف مكّة المتجمّعين حوله يتلو عليهم في يقين الحقّ وثبات القرآن الذي يغسل به الرسول صلى الله عليه وسلم قلوبهم ، ويملؤها به حكمة ، وشرفاً ، وعدلاً ، وتُقى .

    وهمّت أمّه أن تُسْكته بلطمة قاسية ، ولكنّ اليد التي امتدت ؛ كالسّهم ، ما لبثت أن استرخت وترنحت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالاً يفرض الاحترام ، وهدوءاً يفرض الإقناع …

    ولكنْ إذا كانت أمّه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى ، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر ..

    وهكذا مضت به إلى ركن قصي من أركان ديارها ، وحبسته فيه ، وأحكمت عليه إغلاقه ، وظلّ رهين محبسه ذاك ، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة ، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ ، وغافل أمّه وحرّاسه ، ومضى إلى الحبشة مهاجراً أوّاباً .

    ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين ، ثم يعود معهم إلى مكة ، ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة فيطيعون .

    ولكن سواء أكان مصعب بالحبشة أم في مكّة ؛ فإن تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل مكان وفي كل زمان ، ولقد فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد صلى الله عليه وسلم نموذجه المختار ، واطمأن مصعب إلى أنّ حياته قد صارت جديرة بأن تُقَدَّم قرباناً لباريها الأعلى ، وخالقها العظيم ..

    خرج يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما إن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم ، وغضُّوا أبصارهم ، وذرفت بعض عيونهم دمعاً شجياً ..

    ذلك أنهم رأوه .. يرتدي جلباباً مرقعاً بالياً ، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه ، حين كانت ثيابه ؛ كزهور الحديقة نضرة ، وألقاً ، وعِطراً …

    وتملّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهده بنظرات حكيمة ، شاكرة ، مُحِبة ، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة ، وقال :

    ((لقد رأيت مُصعباً هذا ، وما بمكّة فتى أنعمُ عندَ أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله ؛ حُبّاً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم)) ..!! لقد منعته أمّه حين يئست من رِدّه إليها كل ما كانت تفيض عليه من نعمة … وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها ، حتى لو يكون هذا الإنسان ابنها ..!!

    ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة ؛ فآلى على نفسه : لئن هي فعلت ؛ ليقتلن كل من تستعين به على حبسه .

    وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم ، فودّعته باكية ، وودّعها باكياً ..

    وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم ، وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك ، لم أعد لك أمّاً .. اقترب منها ، وقال :

    ((يا أُمَّه ، إني لكِ ناصح ، وعليك شَفوق ؛ فاشْهدي أنه لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله)) .

    أجابته غاضبة مهتاجة : ((قسماً بالثّواقِب ، لا أدخل في دينك ، فَيُزرَى برأيي ، ويضعف عقلي)) ..!!

    وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها ؛ مؤثراً الشظف والفاقة .. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر ، لا يُرى إلا مرتدياً أخشن الثياب ، يأكل يوماً ، ويجوع أياماً ، لكنّ روحه المتأنقة بسموِّ العقيدة ، والمتألقة بنور الله ، كانت قد جعلت منه إنساناً آخر يملأ الأعين جلالاً ، والأنفس روعة ..

    وآنئذٍ ، اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها : أن يكون سفيره إلى المدينة ، يُفقِّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة ، ويُدخل غيرهم في دين الله ، ويُعِدُّ المدينة ليوم الهجرة العظيم ..

    كان في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذٍ من هم أكبر منه سنّاً ، وأكثر جاهاً ، وأقرب من الرسول قرابة .. ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم اختار ((مصعب الخير)) ، وهو يعلم أنه يَكِل إليه بأخطر قضايا الساعة ، ويلقي بين يديه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون ديار الهجرة ، ومنطلق الدعوة ، والدعاة ، والمبشرين ، والغزاة ، بعد حين من الزمان قريب ..

    وحمل مصعب الأمانة مستعيناً بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم .. ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده ، وترفّعه ، وإخلاصه ؛ فدخلوا في دين الله أفواجاً .

    لقد جاءها يوم بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلماً ، هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ، ولكنّه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول ..!!

    وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة ، كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكّة للقاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفداً يمثلهم وينوب عنهم .. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمناً ومؤمنة .. جاؤوا بقيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم ((مصعب بن عمير)) .

    لقد أثبت مصعب بكياسته وحسن بلائه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار .. فلقد فهم مصعب رسالته تماماً ووقف عند حدودها .. عرف أنه داعية إلى الله ، ومبشّر بدينه الذي يدعو الناس إلى الهدى ، وإلى صراط مستقيم .. وأنّه ؛ كرسوله الذي آمن به ، ليس عليه إلا البلاغ ..

    هناك نهض في ضيافة ((أسعد بن زرارة)) يَغْشَيان معاً القبائل ، والبيوت ، والمجالس، تالياً على الناس ما معه من كتاب ربّه ، هاتفاً بينهم في رفق عظيم بكلمة الله :

    ((إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ)) :النساء: 171

    ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تُودِي به وبمن معه ، لولا فطنة عقله ، وعظمة روحه ..

    ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس ((أُسيد بن حُضَير)) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة ؛ فاجأه شاهراً حربته ، يتوهج غضباً وحنقاً على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم .. ويدعوهم لهجر آلهتهم ، ويحدّثهم عن إله واحد ، لم يعرفوه من قبل ، ولم يألفوه من قبل ..!

    إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها ، إذا احتاجها أحدهم عرف مكانها وولّى وجهه ساعياً إليها ، فتكشف ضرّه وتلبّي دعاءه .. هكذا يتصوّرون ويتوهّمون ..

    أمّا إله محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم ، فما أحد يعرف مكانه ، ولا أحد يستطيع أن يراه ..!!

    وما إن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مُصعباً مَقْدِمَ ((أسيد بن حضير)) متوشحاً غضبه المتلظي ، وثورته المتحفزة ؛ وَجِلوا … لكنّ ((مصعب الخير)) ظل ثابتاً ، وديعاً ، متهلّلاً ..



    يتبع

  8. #28
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    وقف أسيد أمامه مهتاجاً ، وقال ـ يخاطبه هو وأسعد بن زرارة ـ :

    ((ما جاء بكما إلى حَيّنا ، تُسَفّهان ضعفاءنا ..؟ اعتزلانا ، إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة))..!!

    وفي مثل هدوء البحر وقوّته ..

    وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته .. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه ؛ فقال :

    ((أَوَ لا تجلس فتستمع.؟! فإن رضيت أَمْرَنا قَبِلتَه .. وإن كرهته كَفَفْنا عنك ما تكره)) .

    الله أكبر .. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام ..!!

    كان ((أسيد)) رجلاً أريباً عاقلاً .. وها هو ذا يرى مصعباً يحتكم معه إلى ضميره .. فيدعوه إلى أن يسمع لا غير .. فإن اقتنع ؛ تركه لاقتناعه ، وإن لم يقتنع ؛ ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم ، وتحوّل إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارِّ ولا مُضارٍّ ..

    هنالك أجابه أسيد قائلاً : أنصفت … وألقى حربته إلى الأرض وجلس يُصْغي ..

    ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ، ويفسّر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أخذت أسارير ((أسيد)) تبرق وتشرق .. وتتغير مع مواقع الكلم ، وتكتسي بجماله ..!!

    ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به ((أسيد بن حضير)) وبمن معه قائلاً :

    ((ما أحسن هذا القول وأصدقه ! .. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟؟)) ..

    وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّاً ، ثم قال له مصعب :

    ((يطهِّر ثوبه وبدنه ، ويشهد أنْ لا إله إلا الله)) .

    فغاب ((أسيد)) عنهم غير قليل ، ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، ووقف يعلن أنّه يشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ..

    وسرى الخبر ؛ كالضوء .. وجاء ((سعد بن معاذ)) فأصغى لمصعب ، واقتنع ، وأسلم ، ثم تلاه ((سعد بن عبادة)) .. وتمّت بإسلامهم النعمة ، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون :

    إذا كان ((أسيد بن حضير)) ، و((سعد بن معاذ)) ، و((سعد بن عبادة)) قد أسلموا ، ففيمَ تخلّفنا ..؟ هيا إلى مصعب ، فلنؤمن معه ؛ فإنهم يتحدثون أن الحقّ يخرج من بين ثناياه ..!!

    * * *

    لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحاً منقطع النظير … نجاحاً هو له أهل ، وبه جدير ..

    وتمضي الأيام والأعوام ، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ـ رضوان الله عليهم ـ إلى المدينة ، وتتلمّظ قريش بأحقادها .. وتعدّ عُدّة باطلها ، وتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين .. وتقوم غزوة بدر ، فيتلقون فيها درساً يفقدهم بقية صوابهم ، ويسعَوْنَ إلى الثأر ، وتجيء غزوة أُحُد .. ويعبّئ المسلمون أنفسهم ، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ؛ ليختار من بينها من يحمل الراية … ويدعو مصعب الخير ، فيتقدّم ويحمل اللواء .

    وتَشُبُّ المعركة الرهيبة ، ويُحتدم القتال ، ويُخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ يغادرون مواقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين ، لكنّ عملهم هذا ، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة .. ويُفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل ، وتُعمل فيهم على حين غرّة السيوف الظامئة المجنونة ..

    وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين ، ركزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه .. وأدرك ((مصعب بن عمير)) الخطر الغادر ؛ فرفع اللواء عالياً ، وأطلق تكبيرة ؛ كالزئير ، ومضى يصول ، ويجول ، ويتواثب .. وكل همّه أن يلفت نظر الأعداء إليه ، ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ؛ وجرّد من ذاته جيشاً بأسره …

    أجل ، ذهب مصعب يقاتل وحده ؛ كأنه جيش لَجِب غزير ..

    يد تحمل الراية في تقديس .. ويد تضرب بالسيف في عنفوان ..

    لكنّ الأعداء يتكاثرون عليه ، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول صلى الله عليه وسلم .

    لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم ..!!

    يقول ابن سعد :

    أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري ، عن أبيه قال :

    ((حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحُد ، فلمّا جَال المسلمون ثبت بِه مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ؛ فضربهُ على يده اليمنة فقطعها ، ومصعب يقول :

    ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) :آل عمران: 144

    وأخذ اللواء بيده اليسرى وحَنا عليه ، فضرب يده اليُسرى فقطعها ، فحنا على اللواء وضمّهُ بعضديه إلى صدره وهو يقول :

    ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) …

    ثمّ حمل عليه الثالثة بالرّمح فأنفذه واندَقَّ الرّمح ، ووقع مصعب ، وسقط اللواء)) ..

    وقع مصعب .. وسقط اللواء ..!!

    وقع حِلية الشهادة ، وكوكب الشهداء ..!!

    وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان ..

    كان يظن أنه إذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خالياً من المدافعين والحماة ..

    ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبّه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعاً :

    ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ))

    هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها ، ويكملها ، ويجعلها قرآناً يُتْلى ..

    وبعد انتهاء المعركة المريرة ، وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقداً ، وقد أخفي وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية ..

    لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبه السوء ، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يُحاذره ويخشاه ..!!

    أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيداً قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه ..!!

    لك الله يا مصعب .. يا من ذِكرك عِطر للحياة ..!!

    * * *

    وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ يتفقدون أرض المعركة ويودّعون شهداءها ..

    وعند جثمان مصعب ، سالت دموع وفيّة غزيرة ..

    يقول خَبّاب بن الأرَتّ :

    ((هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله ؛ نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا على الله .. فمنّا من مضى ، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئاً ؛ منهم ((مصعب بن عمير)) قُتِل يوم أُحُد … فلم يوجد له شيء يكفّن فيه إلا نَمِرَة .. فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه ، وإذا وضعناها على رجليه برز رأسه ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :

    ((اجعََلوها مما يَلي رأسه ، واجعلوا على رجليه من نبات الإذخِر))

    وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رُزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمّه حمزة ، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلاً أفاض دموع الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأوجع فؤاده ..

    وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالَماً من الصدق ، والطهر ، والنور ..

    على الرغم من كل هذا ، فقد وقف على جثمان أول سفرائه ، يودّعه وينعاه ..

    أجل … وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير ، وقال وعيناه تلفانه بضيائهما ، وحنانهما ، ووفائهما :

    ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) :الأحزاب: 23

    ثم ألقى في أسَى نظرة على بُردته التي كُفِّن فيها وقال :

    ((لقد رأيتك بمكّة ، وما فيها أرَقُّ حُلةً ، ولا أحسن لِمّة منك ، ثم ها أنت ذا شَعِثُ الرأس في بُردة)) ..؟!

    وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق ((مصعب)) ، وقال :

    ((إنّ رسول الله يشهد أنّكم الشهداء عند الله يوم القيامة)) .

    ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :

    ((أيّها الناس زوروهم ، وَأتوهم ، وسَلّموا عليهم ؛ فوالذي نفسي بيده ، لا يُسلّم عليهم مُسَلِّمٌ إلى يوم القيامة ، إلا ردّوا عليه السلام)) .



    السلام عليك يا مصعب …

    السلام عليكم معشر الشهداء …

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول *صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  9. #29
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد:: صحابة و صحابيات

    عثمان بن مظعون

    راهبٌ ، صَوْمَعَتُهُ الحَيَاة

    ***



    إذا أردت أن ترتّب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقَ سَبقهم الزمني إلى الإسلام فاعلم إذا بلغت الرقم ((الرابع عشر)) أنّ صاحبه هو ((عثمان بن مظعون)) ..

    واعلم كذلك ، أنّ ابن مظعون هذا ؛ كان ((أوّل)) المهاجرين وفاة بالمدينة … كما كان أوّل المسلمين دَفناً بالبقيع …

    واعلم أخيراً ، أنّ هذا الصحابيّ الجليل الذي تُطالع الآن سيرته كان راهباً عظيماً .. لا مِن رُهبان الصوامع ، بل من رهبان الحياة ..!!

    أجل … كانت الحياة بكل جيشانها ، ومسؤلياتها وفضائلها ، هي صومعته .. وكانت رهبانيّته عملاً دائباً في سبيل الحق ، وتفانياً مثابراً في سبيل الخير والصلاح …

    ***

    عندما كان الإسلام يتسرّب ضوؤه الباكر النّديّ من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم … ومن كلماته ـ عليه الصلاة والسلام ـ التي يلقيها في بعض الأسماع سرّاً وخُفية … كان عثمان بن مظعون هناك .. واحداً من القلّة التي سارعت إلى الله والتفّت حول رسوله …

    ولقد نزل به من الأذى والضرّ ، ما كان يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين … وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية .. آمراً إيّاها بالهجرة إلى الحبشة ، مؤثراً أن يبقى في مواجهة الأذى وحده ، كان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأوّل من المهاجرين ، مُصطحباً معه ابنه ((السائب)) مولّياً وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله ((أبي جهل)) ، وضراوة قريش ، وهول عذابها …

    ***

    وكشأن المهاجرين إلى الحبشة في كلتا الهجرتين … الأولى والثانية ، لم يزدد ((عثمان بن مظعون)) ـ رضي الله عنه ـ إلا استمساكاً بالإسلام ، واعتصاماً به …

    والحقّ أنّ هجرتَي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة ، ومجيدة ، في قضية الإسلام … فالذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدّقوه ، واتّبعوا النور الذي أنزل معه ، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاتها ، وكانوا يحملون فِطرة سديدة لم تعُد تُسيغُ عبادة أصنام منحوتة من حجارة أو معجونة من صلصال …!!!

    وحين هاجروا إلى الحبشة واجهوا فيها ديناً سائداً ، ومنظماً … له كنائسه وأحبارُه ورهبانه … وهو ـ مهما تكن نظرتهم إليه ـ بعيد عن الوثنية التي ألِفوها في بلادهم ، وعن عبادة الأصنام بشكلها المعروف وطُقوسها التي خلّفوها وراء ظهورهم …

    ولا بدّ من أنّ رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهوداً لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم ، وإقناعهم بالمسيحية ديناً …

    ومع هذا كلّه نرى أولئك المهاجرين يبقون على ولائهم العميق للإسلام ولمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم … مترقبين في شوق وقلق ، ذلك اليوم القريب الذي يعودون فيه إلى بلادهم الحبيبة ، ليعبدوا الله وحده ، وليأخذوا مكانهم خلف رسولهم العظيم صلى الله عليه وسلم … في المسجد أيام السلام … وفي ميدان القتال ، إذا اضطرتهم قُوى الشّركِ للقتال ..

    في الحبشة ـ إذن ـ عاش المهاجرون ، آمنين مطمئنين … وعاش معهم عثمان بن مظعون الذي لم ينسَ في غربته مكايد ابن عمه ((أُميّة بن خلف)) وما ألحقه به وبغيره من أذى وضُرّ ، فراح يتسلى بهجائه ويتوعّده :

    تَرِيشُ نِبَالاً لا يُواتِيكَ ريشها

    وتبري نبالاً ريشها لك أجمعُ



    وحاربت أقواماً كراماً أعزّة

    وأهلكتَ أقواماً بهم كنت تَزعُ



    ستعلم إن نَابَتْكَ يوماً مُلِمَّةٌ

    وَأَسْلَمك الأوباشُ ما كنتَ تصنعُ

    ***

    وبينما المهاجرون في ديار هجرتهم يعبدون الله ، ويتديارسون ما معهم من القرآن ، ويحملون برغم الغربة ـ توهج روح منقطع النظير ـ .. إذ الأنباء تواتيهم أنّ قريشاً أسلمت ، وسجدت مع الرسول صلى الله عليه وسلم لله الواحد القهّار …

    هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا إلى مكّة تسبقهم أشواقهم ، ويحدُوهم حنينهم … بيدَ أنّهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبيّنوا كذب الخبر الذي بلغهم عن إسلام قريش …

    وساعتئذٍ سٌقِط في أيديهم ، ورأوا أنهم قد عَجِلوا .. ولكن أنّى يذهبون وهذه مكّة على مرمى البصر …!!!

    وقد سمع مشركو مكّة بمقدم الصيد الذي طالما طاردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه … ثم ها هو ذا الآن ، تحين فرصته ، وتأتي به مقاديره ..!!

    كان ((الجِوارُ)) ـ يومئذٍ ـ تقليداً من تقاليد العرب ذات القداسة والإجلال ، فإذا دخل رجل مستضعف في جوار سيد قرشي ، أصبح في حمى منيع لا يُهدَر له دم ، ولا يضطرب منه مأمن …

    ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار ..

    من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة ، كان من بين أفرادها عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار ((الوليد بن المغيرة)) .

    وهكذا دخل مكّة آمناً مطمئناً ، ومضى يعبر دروبها ، ويشهد ندواتها ، لا يُسَام خَشفاً ولا ضَيمَاً ..

    ولكنّ ((ابن مظعون)) .. الرجل الذي يصقله القرآن ، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم يتلفّت حواليه ، فيرى إخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين ، الذين لم يجدوا لهم جواراً ولا مجيراً … يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب .. والبغي يطاردهم في كل سبيل .. بينما هو آمن في سِربه ، بعيد من أذى قومه ، فيثور روحه الحر ، ويجيش وجدانه النبيل ، ويتفوّق بنفسه على نفسه ، ويخرج من دياره مصمّماً على أن يخلع جوار الوليد ، وأن ينضو عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمّل الأذى في سبيل الله ، وشرف الشّبَهِ بإخوانه المسلمين ، طلائع الدنيا المؤمنة ، وبشائر العالم الذي ستتفجر جوانبه غداً إيماناً ، وتوحيداً ، ونوراً …

    ولنَدعْ ((شاهد عيان)) يصف لنا ما حدث :

    ((لمّا رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء ، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة ، قال : والله ، إنّ غُدُوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك ؛ وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يُصيبني ، لنقص كبير في نفسي … فمشى إلى الوليد بن المغيرة ؛ فقال له :

    يا أبا عبد شمس وَفَتْ ذمتك .. وقد رددتُ إليك جوارك ..

    فقال له : لِمَ ، يا ابن أخي … لعله آذاك أحدٌ من قومي ..؟؟

    قال : لا ، ولكني أرضى بجوار الله ، ولا أريد أن أستجير بغيره .

    فانطلق إلى المسجد فاردُد عليَّ جِواري علانية ، كما أجرتني علانية .

    فانطلقا حتى أتيا المسجد ، فقال الوليد : هذا عثمان … قد جاء يردّ عليّ جواري ..

    قال عثمان: صدق … ولقد وجدته وفيّاً كريم الجوار ، ولكنني أحببتُ ألا أستجير بغير الله …

    ثمّ انصرف عثمان ، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقال لبيد :

    ((ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل))

    فقال عثمان: صدقت …

    قال لبيد: ((وكُلّ نعيم لا محَالَةَ زائل))

    قال عثمان: كذبت … نعيم الجنة لا يزول ..

    فقال لبيد : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ..؟؟

    فقال رجل من القوم : إنّ هذا سفيهٌ فارق ديننا .. فلا تجدنّ في نفسك من قوله .. فردّ عليه عثمان بن مظعون حتى شرِيَ أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابها ، والوليد بن المغيرة قريب ، يرى ما يحدث لعثمان ، فقال : أما والله يا بن أخي إن كانت عينُك عمّا أصابها لغنيّة ، لقد كنت في ذِمّة مَنيعة ..

    فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله .. وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس …!!!

    فقال له الوليد : هلم يابن أخي ، إن شئت فعد إلى جواري … قال ابن مظعون : لا …)) .

    وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضِجّ بالألم ، ولكنّ روحه تتفجّر عافية ، وصلابة ، وبشراً ..

    ولقد مضى في الطريق إلى دياره يتغنى بشعره هذا :

    فإن تكُ عيني في رضا الله نالها

    يَدَا مُلحِدٍ في الدين ليسَ بمهتدي



    فقد عوَّضَ الرحمنُ منها ثوابه

    وَمَنْ يُرضِهِ الرحمن يا قوم يسْعد



    فإنّي وإن قُلتم غَويّ مُضَلّلٌ

    لأحْيا على دين الرسول محمدِ



    أُرِيدُ بذاك الله والحقُ ديننا

    على رَغْمِ من يبغي علينا وَيَعْتَدي

    ***

    هكذا ضرب عثمان بن مظعون مثلاً ، هو له أهل ، وبه جدير …

    وهكذا شهدت الحياة إنساناً شامخاً يُعطّر الوجود بموقفه الفذّ هذا .. وبكلماته الرائعة الخالدة :

    ((والله ، إنّ عينِي الصحيحة ، لفقيرة إلى مثل ما أصاب أُختَها في الله .. وإنّي لفي جِوار من هو أعزّ منك وأقْدَر)) ..!!

    ولقد ذهب عثمان بعد ردّ جوار الوليد يتلقى من قريش أذاها ، وكان بهذا سعيداً جدّ سعيد … فقد كان ذلك الأذى بمثابة النار التي تُنضِج الإيمان وتصهره وتُزَكّيه ..

    وهكذا سار مع إخوانه المؤمنين ، لا يروعهم زَجْر … ولا يَصُدُّهم إثخان ..!!

    ***

    ويُهاجر عثمان إلى المدينة ، حيث لا يُؤَرّقه أبو جهل هناك ، ولا أبو لهب … ولا أميّة ، ولا عُتْبة … ولا شيء من هذه الغيلان التي طالما أرّقت ليلهم ، وأدْمَت نهارهم …

    يذهب إلى المدينة مع أولئك الأصحاب العِظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تناهت عُسْرَتُه ومَشَقّتُه ورَهبته ، والذين لم يهاجروا إلى المدينة ليستريحوا ويَكسلُوا .. بل لينطلقوا من بابها الفسيح الرحب إلى كل أقطار الأرض حاملين راية الله ، مبشرين بكلماته وآياته وهُداه … وفي ديار الهجرة المنوّرة ، يتكشّف جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة ، فإذا هو العابد ، الزاهد ، المتبَتّل ، الأوّاب …

    وإذا هو الرّاهب الجليل ، الذكيّ الذي لا يأوي إلى صومَعَةٍ يعتزل فيها الحياة .. بل يملأ الحياة بعمله ، وبجهاده في سبيل الله …

    أجَلْ …

    راهِب الليل ، فارس النهار ، بل راهِب الليل والنهار ، وفارسُهما معاً ..

    ولئن كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا سيّما في تلك الفترة من حياتهم ، كانوا جميعاً يحملون رُوح الزهد والتبتّل ، فإن ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص .. إذ أمعَن في زهده وتفانيه إمعاناً رائعاً ، أحال حياته كلها في ليله ونهاره إلى صلاةٍ دائمة مضيئة ، وتَسْبيحةٍ طويلةٍ عَذْبَة ..!!

    وما إن ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعِم الحياة … فمضى لا يلبس إلا الملبس الخَشِن ، ولا يأكل إلا الطعام الجشِب …

    دخل يوماً المسجد ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس ، وكان يرتدي لباساً تمزّق ، فرقّعه بقطعة من فروة … فرَقّ له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودمعت عيون أصحابه ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :

    ((كيف أنتم يوم يغدو أحدكُم في حُلة ، ويروح في أخرى .. وتُوضعُ بين يديه قصْعة ، وتُرفع أخرى .. وسَتَرتُم بُيُوتكم كما تُستر الكعبة ..؟!))

    قال الأصحاب : ((وَدِدْنا أنّ ذلك يكون يا رسول الله ، فنُصيب الرخاء والعيش)) …

    فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً :

    ((إنّ ذلك لكائِن .. وأنتم اليوم خيرٌ منكم يومئذٍ)) ..

    وكان بديهيّاً ، وابن مظعون يسمع هذا ، أن يزداد إقبالاً على الشّظَف وهرباً من النعيم ..!!

    بل حتّى الرّفَث إلى زوجته نأى عنه وانتهى ، لولا أن عَلِمَ الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك فناداه وقال له :

    ((إنّ لأهلِكَ عليك حقّاً)) ..

    ***

    وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، حُبّاً عظيماً …

    وحين كانت رُوحه الطاهرة تتهيّأ للرحيل ؛ ليكون صاحبها أوّل المهاجرين وفاةً بالمدينة ، وأوّلهم ارتياداً لطريق الجنّة ، كان الرسول عليه الصلاة والسلام ، هناك إلى جواره ..

    ولقد أكبّ على جبينه يُقَبّلُه ، ويُعَطّره بدموعه التي هطَلَت من عينيهِ الوَدُودَتين فضمّخَتْ وجه ((عثمان)) الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات إشراقه وجلاله .. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يُوَدّع صاحبه الحبيب :

    (( رحمكَ الله أبا السّائب … خرجتَ من الدنيا ، وما أصبْتَ منها ، ولا أصابَتْ منك )) ..

    ولم ينسَ الرسول الودود صلى الله عليه وسلم صاحبه بعد موته ، بل كان دائم الذّكر له ، والثناء عليه …

    حتى لقد كانت كلمات وداعه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لابنته رُقَيّة ، حين فاضَتْ رُوحُها :

    (( الحَقِي بِسَلفِنَا الخيّر ، عثمان بن مظعون )) ..!!!





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول *صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

  10. #30
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو بلاتيني
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: : صحابة و صحابيات

    ثابت بن قيس | خَطيب رَسول الله صلى الله عليه وسلم

    كان ((حسّان)) شاعر رسول الله والإسلام …

    وكان ((ثابت)) خطيب رسول الله والإسلام …

    وكانت الكلمات تخرج من فمه قوية ، صادعة ، جامعة ، رائعة ..

    وفي عام الوفود ، وَفد على المدينة وفد ((بني تميم)) وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

    ((جئنا نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا)) … فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال لهم :

    ((قد أذنتُ لخطيبكم ، فليقل)) … وقام خطيبهم ((عطارد بن حاجب)) ووقف يزهو بمفاخر قومه .. ولما آذن بانتهاء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس : قم فأجِبه … ونهض ((ثابت)) فقال :

    ((الحمد لله ، الذي السماوات والأرض خلقُهُ ، قضى فيهن أمره ، ووسع كُرسيّه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله …

    ((ثم كان من قدرته أن جعلنا أئمة .. واصطفى من خير خلقه رسولاً … أكرمهم نسباً ، وأصدقهم حديثاً ، وأفضلهم حَسَباً ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين …

    ((ثم دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمِهِ … أكرم الناس أحساباً ، وخيرهم فعالاً …

    ثم كنا ـ نحن الأنصار ـ أول الخلق إجابة .. فنحن أنصار الله ، ووزراء رسوله)) …

    * * *

    شهد ((ثابت)) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ((أحد)) والمشاهد بعدها .. وكانت فدائيته من طراز عجيب ..

    جد عجيب .. !!

    في حروب الردّة ، كان في الطليعة دائماً ، يحمل راية الأنصار ، ويضرب بسيف لا يكبو ، ولا ينبو …

    وفي موقعة اليمامة ، التي سبق الحديث عنها أكثر من مرة ، رأى ثابت وقع الهجوم الخاطف الذي شنّه جيش ((مسيلمة الكذّاب)) على المسلمين أول المعركة ، فصاح بصوته النذير الجهير :

    ((والله ، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)) … ثم ذهب غير بعيد ، وعاد وقد تحنّط ، ولبس أكفانه ، وصاح مرة أخرى :

    ((اللهم إنّي أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء …

    - يعني تراخي المسلمين في القتال)) …

    وانضم إليه ((سالم)) مولى أبي حذيفة ، وكان يحمل راية المهاجرين … وحفر الاثنان لنفسيهما حفرة عميقة ثم نزلا فيها قائمين ، وأهالا الرمال عليهما حتى غطّت وسط كل منهما …

    وهكذا وقفا … طَوْدَين شامخين ، نصف كل منهما غائص في الرمال مُثبت في أعماق الحفرة … في حين نصفهما الأعلى ـ صدراهما وجبهتاهما وذراعهما ـ يستقبلان جيوش الوثنية والكذب .. وراحا يضربان بسيفيهما كل من يقترب منهما من جيش مُسيلمة حتى استشهدا في مكانهما ، ومالت شمسُ كلّ منهما للغروب ..!!

    وكان مشهدهما ـ رضي الله عنهما ـ هذا أعظم صيحة أسهمت في ردّ المسلمين إلى مواقعهم ، حيث جعلوا من جيش ((مُسيلمة الكذاب)) تراباً تطؤه الأقدام ..!!

    * * *

    وثابت بن قيس … هذا الذي تفوّق خطيباً ، وتفوّق محارباً كان يحمل نفساً أوّابة ، وقلباً خاشعاً مُخبِتاً ، وكان من أكثر المسلمين وَجَلاً من الله ، وحياءً منه …

    * * *

    لما نزلت الآية الكريمة:

    ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) :لقمان: 18

    أغلق ثابت باب دياره ، وجلس يبكي … وطال مُكثُه على هذه الحال ، حتى نمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ، فدعاه وسأله .

    فقال ثابت : ((يا رسول الله ، إنّي أحب الثوب الجميل ، والنّعل الجميل ، وقد خشيت أن أكون بهذا من المختالين)) … فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك راضياً :

    ((إنّك لست منهم …

    بل تعيش بخير …

    وتدخل الجنة))

    ولما نزل قول الله تعالى :

    ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)) :الحجرات: 2

    أغلق ثابت عليه دياره ، وطفِقَ يبكي .. وافتقده الرسول صلى الله عليه وسلم فسأل عنه ، ثم أرسل من يدعوه ..

    وجاء ثابت .. وسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سبب غيابه ، فأجابه :

    ((إنّي امرؤ جهير الصوت ..

    وقد كنتُ أرفع صوتي فوقَ صوتك يا رسول الله ..

    وإذن فقد حَبِط عملي ، وأنا من أهل النار)) ..!!

    وأجابه الرسول عليه الصلاة والسلام :

    ((إنّك لست منهم ..

    بل تعيش حميداً ..

    وتقتل شهيداً ..

    ويدخلك الله الجنة)) .

    * * *

    بقي في قصة ثابت واقعة ، قد لا يستريح إليها أولئك الذين حصروا تفكيرهم وشعورهم ورُؤاهم داخل عالمهم الماديّ الضيّق الذي يلمسونه ، أو يبصرونه ، أو يَشمّونه ..!!

    ومع هذا ، فالواقعة صحيحة ، وتفسيرها مُبين ومُيسّر لكل مَنْ يستخدم مع البصر ، البصيرة .. بعد أن استشهد ثابت في المعركة ، مرّ به واحد من المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام ورأى على جثمان ثابت درعه الثمينة ، فظن أن من حقه أن يأخذها لنفسه ، فأخذها … ولْنَدع راوي الواقعة يرويها بنفسه :

    ((… وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له إنّي أوصيك بوصية ، فإياك أن تقول : هذا حُلم فتضيعه .

    إنّي لمّا استشهدت بالأمس ، مَرّ بي رجل من المسلمين .. فأخذ درعي ..

    وإنّ منزله في أقصى الناس وفرسُه يَسْتَنّ في طِوَلِه ـ أي في لجامه وشكيمتَه .

    وقد كفَأ على الدرع بُرْمة ، وفوق البرمة رَحْل … فأتِ خالداً ، فمره أن يبعث فيأخذها …

    فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر ، فقل له : إنّ عليّ من الدين كذا وكذا … فليقُم بسداده …))

    ((فلما استيقظ الرجل من نومه ، أتى خالد بن الوليد ، فقصّ عليه رُؤياه .. فأرسل خالد من يأتي بالدّرع ، فوجدها كما وصف ثابت تماماً … ولمّا رجع المسلمون إلى المدينة ، قصّ المسلم على الخليفة الرؤيا ، فأنجز وَصيّة ثابت … وليس في الإسلام وصية ميّتٍ أنجزت بعد موته على هذا النحو ، سوى وصية ثابت بن قيس)) …

    * * *

    حقّاً إنّ الإنسان لَسِرّ كبير …

    ((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) :آل عمران: 169





    المصدر

    كتاب رجال حول الرسول*صلى الله عليه وسلم* للمؤلف خالد محمد خالد

    يتبع

صفحة 3 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سحابة الأحساء الإستوائيه الغزيره الجمعه 21-5-1433هـ
    بواسطة النايفه في المنتدى المواسم والفلك
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2012-04-15, 13:47

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •