جمعية تحفيظ القرآن بالرياض
صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 55
صحابة وصحابيات
  1. #11
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    عَبدُ الله بنُ أُمِّ مَكتُومِ | الصحابيّ الذي عُوتب فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم

    من هذا الذي عوتب فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات أقسى عتاب وأوجعه ؟!

    من هذا الذي نزل بشأنه جبريل الأمين على قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بوحي من عند الله ؟!

    إنّه عبد الله بن أم مكتوم مؤذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه .

    وعبد الله بن أم مكتوم مكّيّ قرشيّ تربطه بالرسول عليه الصلاة والسلام رَحِم، فقد كان ابن خال أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها ، أما أبوه فقيس بن زائدة ، وأما أمه فعاتكة بنت عبد الله ، وقد دُعيت بأمِّ مكتوم لانها ولدته أعمى مكتوما .

    شهد عبد الله بن أم مكتوم مطلع النور في مكة ، فشرح الله صدره للإيمان ، وكان من السابقين الى الاسلام.

    عاش ابن أم مكتوم محنة المسلمين في مكة بكل ما حفلت به من تضحية وثبات وصمود وفداء …وعانى من أذى قريش ما عاناه أصحابه ، وبلا من بطشهم وقسوتهم((اي ذاق وقاسى)) ما بلوه ؛ فما لانت له قناة ((ما ضعف ولا تزعزع)) ، ولا فترت له حماسة ، ولا ضعف له ايمان …وانما زاده ذلك استمساكا بدين الله ؛ وتعلقا بكتاب الله ؛ وتفقها بشرع الله ، وإقبالا على الرسول صلوات الله وسلامه عليه .

    وقد بلغ من إقباله على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وحرصه على حفظ القرأن العظيم أنه كان لا يترك فرصة الا اغتنمها ، ولا سانحة الا ابتدرها ((أسرع اليها)) …بل كان إلحاحه على ذلك يغريه احيانا بأن يأخذ نصيبه من الرسول صلى الله عليه وسلم ونصيب غيره

    وقد كان الرسول صلوات الله عليه في هذه الفترة كثير التصدّي لسادات قريش ، شديد الحرص على اسلامهم ، فالتقى ذات يوم بعتبة بن ربيعة ، وأخيه شَيبة بن ربيعة ، وعمرو بن هشام المكنَى بأبي جهل ، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة(والد سيف الله خالد) ، وطفق يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الاسلام ، وهو يطمع في أن يستجيبوا له ، أو يكفّوا أذاهم عن أصحابه .

    وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم يستقرئه آية من كتاب الله ، ويقول:

    يا رسول الله ؛ علّمني مما علّمك الله .

    فأعرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عنه وعبس في وجهه ، وتولّى نحو أولئك النفر من قريش ، وأقبل عليهم أملا في أن يسلموا فيكون في اسلامهم عزّ لدين الله وتأييد لدعوة رسوله ، وما إن قضى رسول الله صلوات الله عليه حديثه معهم وفرغ من نجواهم ، وهمَّ في أن ينقلب الى أهله((يعود اليهم)) حتى أمسك الله عليه بعضا من بصره ، وأحسَّ كأن شيئا يخفق برأسه((يضرب رأسه)) …ثم أنزل سبحانه وتعالى عليه قوله :

    ( عَبَسَ وَتَوَلَى * أَنْ جَاءَهُ اْلأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزََّكَّى * أَوْ يَذََََّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدََّى * وَمَا عَلَيْكَ ألا يَزَّكَّى * وأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهََّى * كلا إنََّهَا تَذْكِرَةُ ُ* فَمَنْ شَاْءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفِ ِمُكَرَّمَةِ ِ* مَرْفُوعَةِ ِمُطَهَّرَةِ ِ* بِأَيْدِي سَفَرَةِ ِ* كِرَامِ ِبَرَرَةِ ِ) سورة عبس : الآية 1- 16



    ستّ عشرة آية نزل بها جبريل الأمين على قلب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أم مكتوم ، لا تزال تتلى منذ نزلت إلى اليوم ، وستظلّ تتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

    ومنذ ذلك اليوم ما فتئ الرسول صلوات الله عليه يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوم اذا نزل ، ويدني مجلسه اذا أقبل ، ويسأله عن شأنه ؛ ويقضي حاجته ….ولا غرو ((لا عجب)) ؛ أليس هو الذي عوتب فيه من فوق سبع سماوات أشدّ عتاب وأعنفه ؟! …

    ولمّا كلبت قريش ((اشتدّت)) على الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه ، واشتدّ أذاها لهم ، أذن الله للمسلمين بالهجرة ؛ فكان عبد الله بن أم مكتوم أسرع القوم مفارقة، فقد كان هو ومصعب بن عمير أوّل من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم …وما إن بلغ عبد الله (يثرب) حتى بدأ هو وصاحبه مصعب يختلفان الى الناس((يترددان على الناس)) ويُقرآنهم القرأن ويفقّهانهم في دين الله .

    ولمّا قدم الرسول عليه الصلاة والسلام الى المدينة اتّخذ عبد الله بن أم مكتوم ؛ وبلال بن رباح ؛مؤذِّنَين للمسلمين يصدعان ((يجهران)) بكلمة التوحيد كل يوم خمس مرات، ويدعوان الناس الى خير العمل ، ويحضّانهم الى الفلاح … فكان بلال يؤذّن ، وابن أم مكتوم يقيم الصلاة ، وربما أذّن ابن أم مكتوم وأقام بلال …

    وكان لبلال وابن أم مكتوم شأن آخر في رمضان ، فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما ويمسكون على أذان الآخر…وكان بلال يؤذن بالليل ويوقظ الناس، وكان عبد الله يتوخّى الفجر((يترقّبه ويتطلّبه)) فلا يخطئه.

    وقد بلغ من إكرام النبي عليه الصلاة والسلام لابن أم مكتوم أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع عشرة مرة ؛ كانت إحداها عندما غادرها لفتح مكّة.

    وفي أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه من آي القرأن ما يرفع شأن المجاهدين ، ويفضّلهم على القاعدين لينشط المجاهد الى الجهاد ، ويأنف القاعد من القعود ؛ فأثّر ذلك في نفس ابن أم مكتوم ، وعزَّ عليه أن يحرم من هذا الفضل ؛ فقال :

    (يا رسول الله ؛ لو استطعت الجهاد لجاهدت….ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنا في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، وجعل يدعو في ضراعة : اللهم أنزل عُذري… اللهم أنزل عُذري ….فما أسرع أن استجاب الله عزّ وجلّ لدعائه ).

    حدّث زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :

    كنت الى جنب الرسول صلوات الله عليه ، فغشيته السكينة ؛ فوقعت فخذه على فخذي ؛ فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سرِّي عنه((كشف عنه ما نزل به من شدة الوحي)) فقال : اكتب يا زيد …فكتبت :

    ( لا يَسْتَوِي القَاعِدُوْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِ اللهِ )

    فقام ابن أم مكتوم وقال : يا رسول الله ؛ فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟!….فما انقضى كلامه حتّى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فوقعت فخذه على فخذي ؛ فوجدت من ثقلها ما وجدته في المرة الأولى، ثم سرّي عنه ؛ فقال : اقرأ ما كتبته يا زيد ….فقرأت :

    ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) ….

    فقال : اكتب ….( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ)

    (( لا يَستَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَََّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ )) سورة النساء : آية –95

    فنزل الاستثناء الذي تمنّاه ابن أم مكتوم …

    وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد ، فقد أبت نفسه الطّموح أن يقعد مع القاعدين ، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله … ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع الا بكبار الأمور .

    فحرص منذ ذلك اليوم على أن لا تفوته غزوة ، وحدّد لنفسه وظيفة في ساحات القتال ، فكان يقول : أقيموني بين الصّفين ((أوقفوني بينهما)) ، وحمّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه … فأنا أعمى لا أستطيع الفرار .

    وفي السنة الرابعة للهجرة عقد عمر بن الخطّاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة؛ تُديل دولتهم ((تقلب دولتهم)) وتزيل ملكهم ، وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين ؛ فكتب الى عمّاله يقول : لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة، أو رأي ؛ الا انتخبتموه ثم وجّهتموه إليَّ ، والعجل العجل .

    وطفقت جموع المسلمين تلبّي نداء الفاروق ، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب((من كل ناحية)) ، وكان في جملة هؤلاء المجاهد عبد الله بن أم مكتوم .

    فأمَّر الفاروق على الجيش الكبير سعد بن أبي وقّاص ، وأوصاه وودّعه .

    ولمّا بلغ الجيش (القادسية) برز عبد الله بن أم مكتوم لابسا درعه ، مستكملا عدّته ، ونَدَبَ نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ عليها ؛ أو الموت دونها .

    والتقى الجيشان في أيام ثلاثة قاسية عابسة … واحترب الفريقان حربا لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلا حتى انجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر((قوي)) للمسلمين ، فدالت دولة من أعظم الدول …وزال عرش من أعرق عروش الدنيا …

    ورفعت راية التوحيد في أرض الوثنية … وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء …

    وكان من بين هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم …

    فقد وجد صريعا مضرّجا بدمائه وهو يعانق راية المسلمين .



    رحم الله الصحابيّ الجليل وجزاه عن أمّة الإسلام كلّ خير



    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  2. #12
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    عبد الله بن عباس | حَبْرُ أمَّةِ محمد*صلى الله عليه وسلم*

    ((إنّه فتى الكهول ، له لسان سؤول ، وقلب عقول)) … ]عمر بن الخطّاب رضي الله عنه[

    .………





    هذا الصّحابيّ الجليل مَلَكَ المجد من أطرافه ، فما فاته منه شيء :

    فقد اجتمع له مجد الصُّحبة ، ولو تأخّر ميلاده قليلاً لما شَرُف بصُحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    ومجد القرابة ، فهو ابن عمّ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه .

    ومجد العِلم ، فهو حَبْرُ أمة محمد وبحر علمها الزّاخر .(حَبْرُ: العالم المتبحّر في العلم)

    ومجد التُّقى ، فقد كان صوّاماً بالنهار قوّاماً بالليل ، مُستغفراً بالأسحار ، بَكَّاءً من خشية الله حتّى خدّد(أي: حفَر) الدمع خدَّيه .



    إنّه عبد الله بن عبّاس ربَّانيُّ أمّة محمد (الرّبانيّ: العالم العارف بالله) ، وأعلمها بكتاب الله ، وأفقهها بتأويله ، وأقدرها على النفوذ إلى أغواره ، وإدراك مراميه وأسراره .



    وُلِد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنوات ، ولمّا توفّي الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، كان له ثلاث عشرة سنة فقط … ومع ذلك فقد حفظ للمسلمين عن نبيّهم ألفاً وستمائة وستّين حديثاً أثبتها البُخاريّ ومُسلم في صحيحهما .

    ولمّا وضعته أمُّه حملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنَّكه بريقه(حنّكه:دلّك حلقه بريقه قبل أن يرضع) ، فكان أول ما دخل جوفه ريق النبي المبارك الطّاهر ، ودخلت معه التقوى والحكمة …



    ((( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ))) : البقرة: 269



    وما أن حلَّت عن الغلام الهاشميِّ تمائمه ، ودخل سنَّ التمييز (سن التمييز: هو سن السابعة، وقيل غير ذلك) حتّى لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُلازمة العين لأختها …

    فكان يُعِدُّ له ماء وضوئه إذا همَّ أن يتوضَّأ … ويقف خلفه إذا وقف للصلاة … ويكون رديفه إذا عزم على السفر (رديف الرجل: من يركب خلفه) .

    حتّى غدا كظلّه يسير معه أنّى سار ، ويدور في فلكه كيفما ديار .

    وهو في كل ذلك يحمل بين جنبيه قلباً واعياً ، وذهناً صافياً ، وحافظة دونها كل آلات التسجيل التي عرفها العصر الحديث .

    حدَّث عن نفسه قال :

    همَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بالوضوء ذات مرّة ؛ فما أسرع أن أعددت له الماء ، فسُرَّ بما صنعت …

    ولمّا همَّ بالصلاة أشار إليَّ : أن أقف بإزائه(أي: بجنبه) ، فوقفت خلفه .

    فلمّا انتهتِ الصلاة مال عليَّ وقال :

    ((ما منعكَ أن تكون بإزائي يا عبد الله ؟!)) .

    فقلت : أنت أجلُّ في عيني وأعز من أن أوازيك يا رسول الله .

    فرفع يديه إلى السماء وقال : (( اللّهم آتِهِ الحِكمة )) .

    وقد استجاب الله دعوة نبيّه عليه الصلاة والسلام فآتى الغُلام الهاشميّ من الحكمة ما فاق به أساطين الحكماء (أساطين الحكماء: أكابر الحكماء والمتفرّدون منهم) .



    ولا ريب في أنّك تودُّ أن تقف على صورة من صور حكمة عبد الله بن عبّاس … فإليك هذا الموقف ، ففيه بعض ممّا تريد :

    لمّا اعتزل بعض أصحاب علي وخذلوه في نزاعه مع معاوية رضي الله عنهما ، قال عبد الله بن عبّاس لعلي رضي الله عنه :

    ائذن لي ، يا أمير المؤمنين ، أن آتي القوم وأكلّمهم .

    فقال : إنّي أتخوّف عليك منهم .

    فقال : كلا إن شاء الله .

    ثمّ دخل عليهم فلم يَرَ قوماً قطُّ أشدّ اجتهاداً منهم في العبادة .

    فقالوا : مرحباً بك يا بن عبّاس … ما جاء بِكَ ؟!

    فقال : جئت أحدّثكم .

    فقال بعضهم : لا تحدّثوه … وقال بعضهم : قُل نسمع منك .

    فقال : أخبروني ما تنقِمون على ابن عمّ رسول الله ، وزوج ابنته ، وأوّل من آمن به ؟! .

    قالوا : ننقم عليه ثلاث أمور .

    قال : وما هي ؟! .

    قالوا : أوّلها : أنّه حكَّم الرّجال في دين الله (يشيرون بذلك إلى قبول علي بأن يحكم بينه وبين معاوية كلّ من أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص) …

    وثانيهما : أنّه قاتل عائشة ومعاوية ولم يأخذ غنائم ولا سبايا …

    وثالثهما : أنّه محا عن نفسه لقب أمير المؤمنين مع أنّ المسلمين قد بايعوه وأمَّروه .

    فقال : أرأيتم إن أسمعتكم من كتاب الله ، وحدّثتكم من حديث رسول الله ما لا تنكرونه ، أفترجعون عمّا أنتم فيه ؟ .

    قالوا : نعم .

    قال : أمّا قولكم : إنّه حكَّم الرجال في دين الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول :



    ((( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ))) : المائدة: 95





    أُنشدكم الله ، أفَحُكمُ الرّجال في حقنِ دمائهم وأنفسهم ، وصلاح ذات بينهم أحقُّ ، أم حُكمهم في أرنب ثمنها رُبع درهم ؟! .

    فقالوا : بل في حقن دماء المسلمين وصلاح ذات بينهم .

    فقال : أَخرَجنا من هذه ؟(أي: هل انتهينا من هذه؟) … فقالوا : اللَّهمَّ نعم .



    قال : وأمّا قولكم : إنَّ عليَّاً قاتَلَ ولم يَسبِ ، كما سَبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    أفكنتم تريدون أن تسبوا أمّكم عائشة وتستحلّونها كما تُستحلّ السّبايا ؟! …

    فإن قلتم : نعم ؛ فقد كفرتم …

    وإن قلتم : إنّها ليست بِأُمّكم كفرتم أيضاً ؛ فالله سبحانه وتعالى يقول :



    ((( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ))) :الأحزاب:6



    فاختاروا لأنفسكم ما شئتم .

    ثمّ قال : أخرجنا من هذه أيضاً ؟ … قالوا : اللّهمّ نعم .



    قال : وأمّا قولكم : إنّ عليَّاً قد محا عن نفسه لقب إمرة المؤمنين ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلب من المشركين يوم ((الحُدَيبيّة)) أن يكتبوا في الصُّلح الذي عقده معهم ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) .. قالوا : لو كنّا نؤمن أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب ((محمد بن عبد الله)) ، فنزل عند طلبهم وهو يقول :



    والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني .



    فهل خرجنا من هذه ؟ … فقالوا : اللّهمّ نعم .



    وكان من ثمرة هذا اللّقاء ، وما أظهره فيه عبد الله بن عبّاس من حكمة بالغة وحجّة دامغة أن عاد منهم عشرون ألفاً إلى صفوف علي ، وأصرّ أربعة آلاف على خصومتهم له عناداً وإعراضاً عن الحقّ .



    وقد سلك الفتى عبد الله بن عبّاس إلى العلم كل سبيل ، وبذل من أجل تحصيله كل جهد .

    فقد ظلَّ ينهل من معين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما امتدّت به الحياة ، فلمّا لحِق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بجوار ربّه اتّجه إلى البقيّة الباقية من علماء الصّحابة وطفق يأخذ منهم ويتلقّى عنهم .

    حدّث عن نفسه قال :

    كان إذا بلغني الحديث عند رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتيت باب بيته في وقت قيلولته وتوسّدت ردائي عند عتبة دياره ، فيسفي عليَّ الرّيح من التراب ما يسفي (يسفي: يحمل) ، ولو شئت أن أستأذن عليه لأذن لي …وإنّما كنت أفعل ذلك لأطيّب نفسه .

    فإذا خرج من بيته رآني على هذه الحال ؛ وقال : يا بن عمّ رسول الله ، ما جاء بِكَ ؟ … هلّا أرسلت إليَّ فآتيك ؟ .

    فأقول: أنا أحقُّ بالمجيء إليك ، فالعلم يُؤتى ولا يأتي ، ثمّ أسأله عن الحديث .



    وكما كان عبد الله بن عبّاس يُذِلُّ نفسه في طلب العلم ؛ فقد كان يُعلي من قدر العلماء .

    فها هو ذا زيد بن ثابت كاتب الوحي ورأس أهل المدينة في القضاء والفقه والقراءة والفرائض (الفرائض: عِلم قسمة التركة على مستحقّيها) يهِمُّ بركوب دابّته فيقف الفتى الهاشميّ عبد الله بن عبّاس بين يديه وقفة العبد بين يدي مولاه ، ويُمسك له رِكابه ، ويأخذ بزمام دابّته .

    فقال له زيد : دَعْ عنك يا بن عمِّ رسول الله .

    فقال ابن عبّاس : هكذا أُمرنا أن نفعل بِعُلمائنا .

    فقال له زيد : أرني يدك … فأخرج له ابن عبّاس يده ، فمال عليها وقبَّلها وقال :

    هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا .



    وقد دأب ابن عبّاس على طلب العلم حتّى بلغ فيه مبلغاً أدهش الفُحول … فقال فيه مسروق بن الأجدع أحد كبار التّابعين ((التّابعين: هم الرعيل الأول بعد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قسمهم علماء الحديث إلى طبقات ، أوّلهم من لحِق العشرة المبشّرين بالجنّة ، وآخرهم من لقي صغار الصحابة أو من تأخّرت وفاتهم)) :



    يتبع

  3. #13
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    كنت إذا رأيت ابن عبّاس قُلت : أجملُ الناس …

    فإذا نطقَ قلت : أفصحُ الناس …

    فإذا تحدّثَ قلت: أعلمُ الناس .



    ولمّا اكتمل لابن عبّاس ما طمح إليه من العلم تحوّل إلى معلّم يُعلّم الناس .

    فأصبح بيته جامعة للمسلمين …

    نعم أصبح جامعةً بكلِّ ما تعنيه الكلمة في عصرنا الحديث …

    وكل ما بين جامعة ابن عبّاس وجامعاتنا من فرق ، هو أنّ جامعات اليوم يُحشد فيها عشرات الأساتذة ، وأحياناً المئات …

    أمّا جامعة ابن عبّاس فقد قامت على أكتاف أستاذ واحد ؛ هو ابن عبّاس نفسُهُ .



    روى أحد أصحابه قال :

    لقد رأيت من ابن عبّاس مجلساً لو أنّ جميع قريش افتخرت به لكان لها مفخرةً …

    فلقد رأيت الناس اجتمعوا في الطّرق المؤدّية إلى بيته حتّى ضاقت بهم ، وسدُّوها في وجوه الناس ، فدخلتُ عليه وأخبرته باحتشاد الناس على بابه ، فقال : ضع لي وَضوءاً ( الوَضوء بفتح الواو: الماء الذي يتوضّأ به) … فتوضّأ وجلس ، وقال :

    اخرج وقُل لهم :

    من كان يريد أن يسأل عن القُرآن وحروفه فليدخل …

    فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

    أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



    ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل … فخرجت فقلت لهم .

    فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

    أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .

    ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل … فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

    أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



    ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل … فخرجت فقلت لهم ، فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر ، ثمّ قال لهم :

    أفسحوا الطريق لإخوانكم ، فخرجوا .



    ثمّ قال لي : اخرج فقل : من أراد أن يسأل عن العربيَّة والشعر وغريب كلام العرب فليدخل … فدخلوا حتّى ملأوا البيت والحُجرة ، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به ، وزادهم مثله .

    قال راوي الخبر : فلو أنّ قريشاً فخرت بذلك لكان ذلك لها فخراً .



    وكأنّ ابن عبّاس رضي الله عنه رأى أن يوزّع العلوم على الأيام حتّى لا يحدث على بابه مثلُ ذلك الزّحام …

    فصار يجلس في الأسبوع يوماً لا يُذكر فيه إلا التَّفسير .



    ويوماً لا يُذكر فيه إلا الفقه .



    ويوماً لا تُذكر فيه إلا المغازي .(المغازي: غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم) .



    ويوماً لا يُذكر فيه إلا الشِّعر .



    ويوماً لا تُذكر فيه إلا أيَّام العرب .



    وما جلس إليه عالم قطُّ إلا خضع له … وما سأله سائل قطُّ إلا وجد عنده عِلماً .



    وقد غدا ابن عبّاس ، بفضل عِلمه وفقهه ، مستشاراً للخلافة الرّاشدة على الرّغم من حداثَةِ سِنِّه .

    فكان إذا عرض لعمر بن الخطّاب أمر أو واجهته مشكلة دعا جِلَّةَ الصحابة(أي: شيوخهم ومتقدّموهم) ودعا معهم عبد الله بن عبّاس ، فإذا حضرَ رفعَ منزِلته وأدنى مجلِسَهُ وقال له :

    لقد أعضل علينا أمر أنت له ولأمثالِهِ .

    وقد عُوتِب مرّة في تقديمه له وجعله مع الشّيوخ ، وهو ما زال فتى ، فقال :

    إنَّه فتى الكُهُول ، لهُ لِسانٌ سؤول وقلبٌ عقولٌ .



    على أنّ ابن عبّاس حين انصرف إلى الخاصَّة ليُعلِّمهم ويُفقِّههم ، لم ينسَ حقَّ العامّة عليه ، فكان يعقد لهم مجالس الوعظ والتّذكير . فمن مواعظه قوله مخاطباً أصحاب الذّنوب :



    يا صاحب الذّنب لا تأمن عاقبة ذنبك ، واعلم أنّ ما يتبع الذّنب أعظم من الذّنب نفسه .

    فإنّ عدم استِحيائك ممَّن على يمينك وعلى شمالك وأنت تقترف الذّنب لا يقلُّ عن الذّنب .

    وإنّ ضحكك عند الذّنب وأنت لا تدري ما الله صانع بكَ أعظم من الذّنب .

    وإنّ فرحك بالذّنب إذا ظفرت به أعظم من الذّنب .

    وإنّ حزنك على الذّنب إذا فاتك أعظم من الذّنب .

    وإنّ خوفك من الرّيح إذا حرّكت سِترَك ، وأنت ترتكب الذّنب مع كونك لا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذّنب .

    يا صاحب الذّنب : أتدري ما كان ذنب أيّوب عليه السلا م حين ابتلاه الله عزَّ وجلَّ بجسده وماله ؟…

    إنّما كان ذنبه أنَّه استعان بِهِ مسكين ليدفَعَ عنه الظُّلمَ فلم يُعِنهُ .



    ولم يكن ابن عبّاس من الذين يقولون ما لا يفعلون ، وينهون الناس ولا ينتهون ، وإنّما كان صوّام نهارٍ قوّامَ ليلٍ .

    أخبر عنه عبد الله بن مُليكة قال :

    صحِبت ابن عبّاس رضي الله عنه من مكّة إلى المدينة ، فكنّا إذا نزلنا منزلاً قام شطرَ اللّيل والناس نيام من شدّة التّعب . ولقد رأيته ذات ليلة يقرأ :



    ((( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ))) :ق:19



    فظلَّ يُكرِّرها وينشِجُ حتّى طلع عليه الفجر .(ينشِج: يبكي بصوت عالٍ) .

    وحسبُنا بعد ذلك كلُّه أنّ عبد الله بن عبّاس كان من أجمل النّاس جمالاً ، وأصبحهم وجهاً ، فما زال يبكي في جوف اللّيل من خشية الله حتّى خدَّد الدَّمعُ الهَتُونُ(أي: المتصبِّب بغزارة) خدَّيهِ الأسِيلَينِ .(الأسِيلَينِ: المستويين النّاعِمَين) .



    وقد بلغ ابن عبّاس من مجد العلم غايته .

    ذلك أنّ خليفة المُسلمين معاوية بن أبي سفيان خرج ذات سنة حاجَّاً … وخرج عبد الله بن عبّاس أيضاً ، ولم يكن له صولة ولا إمارة . فكان لمعاوية موكب من رجال دولته ، وكان لعبد الله بن عبّاس موكب يفوق موكب الخليفة من طلاب العِلم .



    عُمِّر ابن عبّاس إحدى وسبعين سنة ملأ فيها الدُّنيا عِلماً وفهماً وحكمةً وتقىً .

    فلمّا أتاه اليقين(أي: الموت) صلَّى عليه محمد بن الحنفيّة .

    والبقيّة الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجِلَّةُ التّابعين …



    وفيما كانوا يُوارونه تُرابه ، سمعوا قارئاً يقرأ :



    ((( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي{30} ))) : الفجر









    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  4. #14
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    عَمْرُو بْنُ العَاصِ

    (( أسلم عمرو بن العاص بعد تفكير طويل وتدبّر كبير….. وقد قال الرسول الأعظم عنه : أسلَمَ الناس ، وآمن عمرو بن العاص )) رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ ، ولعل المقصود بالناس : المتأخّرون في إسلامهم من الناس

    ……….

    ((( اللهم أمرتنا فعصينا … ونهيتنا فما انتهينا … ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين ))) .

    بهذا الدعاء الضارع الرّاجي ودَّع عمرو بن العاص الحياة ، واستقبل الموت .

    وقصة حياة عمرو بن العاص غنية حافلة … كَسَبَ خلالها للإسلام قُطرين كبيرين من أقطار المعمورة هما : ((فلسطين)) و((مصر)) …

    وترك للمسلمين سيرة ضخمة ملأت الدنيا ، وشغلت الناس دهراً طويلاً .

    تبدأ هذه القصة قبل الهجرة بنحو نصف قرن من الزمان ، حيث وُلد عمرو … وتنتهي في سنة ثلاث وأربعين بعد الهجرة حيث وافاه اليقين ((أي: جاءه الموت)) .

    أما أبوه فهو (العاص بن وائل) أحد حكّام العرب في الجاهليّة ، وسيّد من ساداتهم المرموقين ..

    وواحد من الذين يرتفع نسبهم إلى الذؤابة من قريش ((أي: في المرتبة العليا من قريش))… وأما أمه فلم تكن كذلك ، وإنما كانت أَمَةً سبيّة.

    لذا كان حسّاده يلاحقونه بذكرها وهو جالس على كرسي الإمارة ، أو مرتق فوق منابر الخطابة … حتّى أن أحدهم قد أغرى رجلا على أن يقوم إليه وهو مرتق على المنبر ، وأن يسأله عن أمّه ، وذلك لقاء مبلغ جزل (أي: مبلغ كبير) من المال أغدقه عليه .

    فقام الرجل وقال : من أم الأمير ؟!

    فضغط عمرو على نفسه ، وتذرّع بِحِلمه (احتمى بعقله وحكمته) ، ثم قال : هي النابغة بنت عبد الله … أصابتها رماح العرب في الجاهليّة ، فبيعت بسوق عُكاظ … فاشتراها عبد الله بن جدعان … ثم وهبها للعاص بن وائل ((يعني أباه)) ..فولدت له فأنجبت… فإن كان بعض من مزّق الحسد قلبه قد جعل لك شيئا من المال فخُذه.



    وحين أخذ المعذّبون من المسلمين يهاجرون إلى الحبشة للتخلّص من بطش قريش ونكالها ، ويستقرُّون في رحابها فرارا من بني قومهم عَزَمت قريش على استعادتهم إلى مكة ، وإذاقتهم ألوانا من العذاب .

    وقد اختارت عمرو بن العاص للقيام بهذه المهمّة ؛ لما كان بينه وبين النَّجاشيّ من أواصر ودٍّ قديم . وزوّدته بما كان يُؤثره النَّجاشيّ وبَطَارِقَتُهُ من الهدايا .

    فلما وفد على النَّجاشيّ حيّاه وبيَّاه ((حيّاه وبيّاه: قال له حياك الله ، وبياك أي رفع مقامك)) ، وقال له : إنَّ نفراً من قومنا قد كفروا بدين آبائهم وأجدادهم ، واستحدثوا لأنفسهم ديناً جديداً … وقد أرسلتني قريش لاستئذانك باستعادتهم إلى قومهم ؛ ليردّوهم إلى دينهم ، ويعيدوهم إلى ملَّتهم .

    فاستدعى النَّجاشيّ نفرا من الصّحابة ، سألهم عن دينهم الذي يدينون ، وإلههم الذي به يؤمنون ، ونبيّهم الذي جاءهم بهذا الدِّين … فسمع من كلامهم ما ملأ قلبه يقيناً واطمئناناً ، ووعى من عقيدتهم ما أفعم فؤاده تعلّقاً بهم وإيماناً بدينهم . فأبى أن يُسلِّمهم إلى عمرو بن العاص أشدّ الإباء ، وأعاد له ما أتحفه به من الهدايا .

    ولمّا عزم عمرو بن العاص على الرحيل إلى مكّة قال له النَّجاشيّ :

    كيف يعزُبُ(أي:يبعد) عنك أمر محمد يا عمرو على ما أعرفه من رجاحة عقلك وبُعدِ نظرِكَ ؟! …فوالله إنه لرسول الله إليكم خاصَّة ، وإلى الناس كافَّة .

    فقال له عمرو : أأنت تقول ذلك أيّها الملك ؟!

    فقال((النّجاشيّ)) : إي والله … فأطعني يا عمرو وآمن بمحمد وما جاءكم به من الحق .

    ودّع عمرو بن العاص الحبشة ومضى على وجهه لا يدري ما يفعل . فقد أخذت كلمات النّجاشيّ تهزُّ فؤاده هزّاً … وظلّ حديثه عن محمد وما جاء به من الحق يدفعه إلى لقائه دفعا .. لكنه لم يكتب له ذلك إلا في السّنة الثامنة للهجرة .

    حيث شرح الله صدره للدّين الجديد ، فمضى يحثّ الخطا نحو المدينة المنوّرة للقاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وإعلان إسلامه بين يديه … وفيما هو في بعض طريقه التقى بخالد بن الوليد ، وعثمان بن طلحة وهما يمضيان إلى حيث يمضي ، ويقصدان ما يقصد . فانضم إليهما ومضى معهما ..

    فلمّا قدموا على النبي صلوات الله وسلامه عليه ؛ بايعه كل من خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة .

    ثمّ بسط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يده لعمرو ؛ فقبض عمرو يده عن النبي صلى الله عليه وسلم …. فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام : مالَكَ يا عمرو ؟! .

    فقال : أُبايعك على أن يُغفر لي ما تقدّم من ذنبي .

    فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إنّ الإسلام والهجرة يَجُبَّان ما قبلهما (يجب: يقطع ويمحو)…فبايعه عند ذلك .

    لكن هذه الحادثة تركت أثرها في نفس عمرو بن العاص فكان يقول : والله ما مَلأت عينيَّ من الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا تملّيت من النظر إلى وجهه حتى لحق بِرَبِّهِ .

    وقد نظر الرسول إلى عمرو بن العاص بنور النُّبوّة ، وعرف ما يتمتّع به من طاقات فذّة ، فأمَّره على جيش المسلمين في غزوة ((ذات السّلاسل)) على الرغم ممَّن كان في الجيش من المهاجرين والأنصار وأصحاب السّابقة إلى الإسلام .

    ولما استأثر الله بنبيّه صلى الله عليه وسلم ، وآلت الخلافة إلى الصّدّيق رضوان الله عليه أبلى عمرو بن العاص في حروب الرِّدَّة أعظم البلاء … وبادر الفتنة بحزم يُذكِّر بحزم الصّدّيق رضي الله عنهما … فقد نزل عمرو بن العاص ببني عامر ، فإذا بزعيمهم ((قُرَّة بن هُبَيْرَة)) يهمُّ بالردَّة ويقول له : يا عمرو ، إن العرب لا تطيب لهم نفساً بهذه الإتاوة التي فرضتموها على الناس (يقصد بها الزكاة) … فإن أعفيتموها من ذلك سَمِعَت لكم وأطاعت .. وإن أبيتم فلا تجتمع عليكم بعد اليوم .

    فصاح عمرو بزعيم بني (عامر) ، وقال : ويحك !! أكفرت يا قُرَّة ؟! …. وهل تُخوّفنا بردّة العرب ؟! …

    فوالله لأُوطِّئَنَّ عليك الخيل في خباء أُمِّك .

    ولما لبّى الصّدّيق نداء ربه ، وأسلم الزّمام إلى يد الفاروق - خير يد تلقى إليها الأزمَّة – استعان الفاروق بقدرات عمرو بن العاص وخبراته ، ووضعها في خدمة الإسلام والمسلمين … ففتح الله على يديه سواحل ((فلسطين)) بلداً بعد بلد .. وهزم جيوش الروم جيشاً بعد جيش ، ثم اتّجه إلى حصار ((بيت المقدس)) .

    وقد شدّد عمرو الحصار على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ؛ حتى زرع اليأس في نفس ((أرطَبُون)) قائد جيش الروم .. وحمله على التّخلّي عن المدينة المقدّسة ، واللّواذ بالفرار ؛ فاستسلمت ((القُدس)) للمسلمين .

    عند ذلك رغب بِطْرِيقُهَا(البِطريق:رجل الدين وكبيرهم عند النصارى) أن يتمَّ التسليم بحُضور الخليفة نفسه .

    فكتب عمرو بن العاص للفاروق رضوان الله عليه ؛ يستدعيه لاستلام ((بيت المقدس)) … فحضر ووقّع وثيقة الاستلام(وثيقة الاستلام: الصك المكتوب باستلام بيت المقدس) .

    وآلت القدس إلى المسلمين في السنة الخامسة عشرة للهجرة على يدي عمرو بن العاص رضي الله عنه .. وكان الفاروق إذا ذُكر أمامه حصار بيت المقدس ، وما أبدى فيه عمرو بن العاص من براعة يقول :

    لقد رمينا ((أرطبون)) الروم ((بأرطبون)) العرب .

    ثم توَّج عمرو بن العاص انتصاراته الكبرى بفتح ((مِصر)) ، وضمَّ هذه الدُّرّة الثمينة إلى عقد الإسلام .. وبذلك فتح أمام جيوش المسلمين أبواب إفريقية ، وبلاد ((المغرب)) ثم ((إسبانيا)) بعد ذلك … وقد تمّ لهم هذا كلّه في نحو نصف قرن من الزمان .

    وليست هذه هي كلّ مزايا عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وإنما كان عمرو أحد دهاة العرب المعدودين(دهاة: الماكرين المخادعين) ، وواحداً من عباقرتهم الأفذاذ النّادرين .

    ولعلَّ من أطرف صور دهائه وذكائه ما سلكه في فتح ((مصر)) ؛ فقد ظلَّ يُغري الفاروق رضوان الله عليه بفتحها حتّى أذِن له … وعقد له على أربعة آلاف من جند المسلمين .

    فمضى عمرو بجنده لا يلوي على شيء(أي: لا يلتفت إلى ما وراءه ولا يتردّد في فعله) ،لكنّه لم يمض على رحيله إلا قليل حتى دخل عثمان بن عفّان على عُمر وقال له :

    يا أمير المؤمنين إن عَمْراً لمقدام جريء … وإن فيه حُبَّاً للإمارة .. فأخشى أن يكون خرج إلى مصر في غير عدّة ولا عدد، فيعرِّض المسلمين للهلكة .

    فندم الفاروق على إذنه لعمرو بفتح مصر ، وبعث خلفه رسولاً يحمل إليه كتاباً منه بهذا الشأن .

    أدرك الرسول جيش المسلمين في ((رفح)) من أرض ((فلسطين)) ؛ فلمّا علم عمرو بقدوم الرسول من عند الفاروق ، وأنّه يحمل إليه كتاباً منه ، توجَّس خيفة من الكتاب الذي معه (توجّس خيفة: شكّ في الظأمر وتملّكه الوسواس) … فما زال يتشاغل عن استقباله ويُغذُّ السير(أي: يشتد فيه) حتى بلغ قرية من عريش مصر… عند ذلك استقبله وأخذ الكتاب الذي جاء به وفضَّه ؛ فإذا فيه :

    ((( إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر فارجع إلى موضعك … وإن كنت دخلت أرضها فامض لوجهك ))) .

    فدعا بالمسلمين وقرأ عليهم كتاب الفاروق ، وقال : ألستم تعلمون أننا في أرض مصر ؟!.. فقالوا : بلى … فقال : فلنمض على بركة الله وتوفيقه .

    وكان أن فتح الله على يديه ((مصر)) .

    ومن طرائف ذكائه ودهائه أيضاً ، أنه حين كان يُحاصِر أحد حصون مصر الممنّعة ، بعث بطريق الروم يطلب من قائد جيش المسلمين أن يبعث إليه برجل من عنده ؛ ليُناظره ويفاوضه … فندب بعض المسلمين أنفسهم لذلك .

    لكنَّ عَمْراً قال : إنّي سأكون رسول قومي إليه …ثم مضى إلى البِطريق ، ودخل عليه الحصن على أنه مرسل من عند قائد المسلمين .

    التقى بِطريق الروم بعمرو وهو لا يعرفه … وديار بينهما حوار نمّ عن عبقريّة عمرو ، وحنكته(خبرته وتجربته) ، وذكائه ، فعزم بِطريق الروم على الغدر به ، وزوّده بعطيّة سنيّة(أي: بجائزة كبيرة) ، وأمر حرّاس الحصن بأن يقتلوه قبل مغادرة الخندق .. لكنّ عمراً رأى في عيون الحرّاس ما أثار ريبته ، فعاد أدراجه وقال للبِطريق :

    إنّ الهبة التي وهبتنيها- أيها السيّد – لا تكفي أبناء عمّي جميعاً ، فهلّا أذنت لي بأن آتيك بعشرة منهم لينالوا من كريم عطائك ما نِلتُ ؟ .

    فسُرَّ البِطريق بذلك ، ومنّى نفسه بقتل عشرة منهم بدلاً من واحد … فأشار إلى حرّاس الحصن بأن يخلو سبيله .. وكتبت لعمرو بن العاص النّجاة .

    ولمّا فتحت ((مصر)) ، وتمّ استسلامها للمسلمين التقى بِطريق الروم بعمرو بن العاص ، فقال له في دهشة :

    أهذا أنت ؟! …فقال : نعم … على ما كان من غَدرِكَ .

    وكان عمرو بن العاص إلى ذلك من أحسن الناس بياناً ، وأفصحهم لساناً … حتى إنّ الفاروق رضوان الله عليه كان يرى في فصاحته آية على قدرة الله سبحانه وتعالى .

    فكان إذا رأى رجلاً يتلجلج قال : آمنت بالله .. إن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد .

    ومِن بليغ كلام عمرو بن العاص قوله : الرجال ثلاثة :

    رجلٌ تامٌّ.. ونصف رجل.. ولا شيء .

    أمّا الرجل التّامٌّ : فهو الذي كمل دينه وعقله .. فإذا أراد أن يقضي أمراً استشار أهل الرأي ؛ فلا يزال موفَّقاً .

    وأمّا نصف الرجل : فهو الذي يُكمل الله له دينه وعقله … فإذا أراد أمراً لم يستشر فيه أحداً ، وقال : أيُّ الناس أتبعه وأترك رأيي لرأيه ؟ فيصيب ويخطئ .

    وأمّا الذي لا شيء : فهو من لا دين له ولا عقل ؛ فلا يزال مُخطئاً مُدبراً ..

    والله إنّي لأستشير في الأمر حتى خَدَمِي .

    ولمّا مرض عمرو بن العاص مرض الموت وأحسَّ بدُنُو الأجل غلبته العَبْرَة (الدمعة) ، وقال لاِبنه : كُنت على ثلاث حالات عرفت نفسي فيها …

    كنت أوَّل شيءٍ كافراً ؛ فلو مِتُّ حينئذ لوجبت لي النار …

    فلمّا بايعت النبي عليه الصلاة والسلام ؛ كنت أشدَّ الناس حياءً منه حتى إني ما ملأت عينيَّ منه قطّ ؛ فلو مت حينئذ لقال الناس : هنيئاً لعمرو أسلم على خير ، ومات على خير …

    ثمَّ تلبّست بعد ذلك بأشياء ؛ فلا أدري أَعَليَّ أم لي ؟ .

    ثمّ أديار وجهه إلى الجديار وهو يقول :

    اللهم أمرتنا فعصينا …

    ونهيتنا فما انتهينا …

    ولا يسعنا إلا عفوك يا أرحم الراحمين .

    ثمّ وضع يده في موضع الغُلِّ من عنقه ، ورفع طَرفَه إلى السماء وقال :

    اللهم لا قويّ فأنتصر…

    ولا بريءٌ فأعتذر…

    وما أنا بمستكبر…

    وإنما مستغفر…

    فاغفر لي يا غفار.

    ولم يزل يردّدها حتى فاضت روحه.

    رحم الله عمرو بن العاص رحمة واسعة وجمعنا وإياه في جنات النعيم بجوار الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم

    وآله وصحبه أجمعين



    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  5. #15
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ

    ((لقد رأيتُ جعفراً في الجنّة له جناحان مُضرَّجان بالدّماء وهو مصبوغ القوادِمِ))…..(حديث شريف)

    *****



    كان في بني عبد مناف(عبد مناف: من أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبنوه هم العشرة الأقربون للنبي الكريم) خمسة رجال يُشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ الشّبه حتى إنّ ضعاف البَصر كثيراً ما كانوا يخلِطون بين النبي وبينهم .

    ولا ريب في أنّك تود أن تعرف هؤلاء الخمسة الذين يُشبهون نبيّك عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .

    فتعال نتعرّف عليهم .

    إنّهم : أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وهو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخوه من الرّضاع .

    وقُثمُ بن العبّاس بن عبد المطلب ، وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً .

    والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم جدُّ الإمام الشافعي رضي الله عنه .

    والحسن بن علي سِبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أشدّ الخمسة شَبهاً بالنبي صلوات الله عليه .

    وجعفر بن أبي طالب ، وهو أخو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . فتعال نقصّ عليك صوراً من حياة جعفر رضي الله عنه …

    كان أبو طالب ـ على الرغم من سُمو شرفه في قريش ، وعُلوّ منزلته في قومه ـ رقيق الحال كثير العيال .

    وقد ازدادت حاله سوءاً على سوء بسبب تلك السنة المُجدبة ، التي نزلت بقريش فأهلكت الزّرع والضرع ، وحملت الناس على أن يأكلوا العظام البالية .

    ولم يكن في بني ((هاشم)) ـ يومئذ ـ أغنى من محمد بن عبد الله ، ومن عمّه العبّاس .

    فقال محمد للعبّاس : يا عم ، إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من شدة القحط ومضَضِ الجوع ، فانطلق بنا إليه حتّى نحمل عنه بعض عياله ؛ فآخذ أنا فتىً من بنيه ، وتأخذ أنت فتىً آخر فنَكفيهُما عنه .

    فقال العبّاس : لقد دعوت إلى خير ، وحضضتَ على بِرٍّ .

    ثم انطلقا حتّى أتيا أبا طالب ، فقالا له : إنّا نريد أن نُخفّف عنك بعض ما تحمله من عبء عِيالك حتى ينكشف هذا الضّرّ الذي مسَّ الناس .

    فقال لهما : إذا تركتما لي عقيلاً (عقيل: هو عقيل بن أبي طالب أخو علي وهو أكبر منه) فاصنعا ما شئتما …

    فأخذ محمد عليّاً وضمّه إليه ، وأخذ العبّاس جعفراً وجعله في عياله .

    فلم يزل علي مع محمد حتّى بعثه الله بدين الهدى والحقّ ، فكان أوّل من آمن من الفتيان .

    وظلّ جعفر مع عمه العبّاس حتى شبّ وأسلم واستغنى عنه .

    انضمّ جعفر بن أبي طالب إلى ركبِ النّور هو وزوجه أسماء بنت عُميسٍ منذ أول الطريق .

    فقد أسلما على يدي الصّدّيق رضي الله عنه قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم ديار الأرقَمِ (ديار الأرقم: ديار بمكّة تسمّى ديار الإسلام ، كانت للأرقم بن عبد مناف المخزومي ، وفيها كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام) .

    ولقِيَ الفتى الهاشميّ وزوجه الشابّة من أذى قريش ونكالها ما لقيه المُسلمون الأوّلون ، فصبرا على الأذى لأنهما كانا يعلمان أنّ طريق الجنّة مفروش بالأشواك محفوف بالمكاره ؛ ولكن الذي كان يُنغِّصهما وينغّص إخوتهما في الله أنّ قريشاً كانت تحول دونهم ودون أداء شعائر الإسلام ، وتحرمهم من أن يتذوّقوا لذّة العبادة ؛ فقد كانت تقف لهم في كل مرصد ، وتُحصي عليهم الأنفاس .

    عند ذلك استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله صلوات الله عليه بأن يُهاجر مع زوجته ونفر من الصّحابة إلى ((الحبشة)) ، فأذِن لهم وهو أسوان حزين .

    فقد كان يعزّ عليه أن يُرغم هؤلاء الأطهار الأبرار على مفارقة ديارهم ، وترك مراتِع طفولتهم ومغاني شبابهم دون ذنب جنوه إلا أنّهم قالوا : ربُّنا الله .

    ولكنّه لم يملك من القوّة والحول ما يدفع به عنهم أذى قريش .

    مضى ركبُ المهاجرين الأوّلين إلى أرض ((الحبشة)) ، وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، واستقرّوا في كَنَفِ النّجاشيّ ملِكِها العادل الصّالِح .

    فتذوّقوا لأوّل مرة ـ منذ أسلموا ـ طعم الأمن ، واستمتعوا بحلاوة العبادة دون أن يُعكّر متعة عبادتهم مُعكّر ، أو يُكدّر صفو سعادتهم مُكدّر .

    لكنّ قريش ما كانت تعلم برحيل هذا النفر من المسلمين إلى أرض ((الحبشة)) ، وتقف على ما نالوه في حمى مليكها من الطمأنينة على دينهم ، والأمن على عقيدتهم ، حتّى هبّت تأتمر بهم لقتلهم أو تسترجعهم إلى السجن الكبير .

    فلنترك الحديث لأمِّ سلمة رضي الله عنها لِتروي لنا الخبر كما رأته عيناها وسمعته أذناها .

    قالت أمّ سلمة:

    لمّا نزلنا أرض ((الحبشة)) لقِينا فيها خير جِوار ، فأمنّا على ديننا ، وعَبدنا الله تعالى ربّنا من غير أن نُؤذى أو نسمع شيئاً نكرهه ، فلمّا بلغ ذلك قريشاً ائتمرت بنا فأرسلت إلى النجاشيّ رجلين جَلدَين(جلدين: قويين) من رِجالها ، هما : عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة ، وبعثت معها بهدايا كثيرة للنجاشيّ ولِبطَارِقَته (البطارقة: جمع بطريق: وهو رجُل الدين عند النّصارى) ممّا كانوا يستطرفونه من أرض الحجاز . ثمَّ أوصتهما بأن يدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن يُكلِّما ملك الحبشة في أمرِنا .

    فلمّا قدِما الحبشة لقِيا بطارقة النّجاشيّ ، ودفعا إلى كل بطريق هديّته ؛ فلم يبق أحد منهم إلا أهديا إليه وقالا له :

    إنّه قد حلّ في أرض الملك غِلمان من سُفهائنا ، صبؤوا عن دين آبائهم وأجدادهم ، وفرّقوا كلمة قومهم ؛ فإذا كلّمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يُسلّمهم إلينا دون أن يسألهم عن دينهم ؛ فإنّ أشراف قومهم أبصر بهم ، وأعلم بما يعتقدون … فقال البطارقة: نعم …

    قالت أمّ سلمة: ولم يكن هناك شيء أكره لعمرو وصاحبه من أن يستدعي النجاشيّ أحداً منَّا ويسمع كلامه .

    ثمَّ أتيا النجاشيّ وقدّما إليه الهدايا ، فاستطرفها وأعجب بها ، ثمّ كلّماه فقالا :

    أيها الملك إنّه قد أوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غِلمانِنا ، قد جاؤوا بدين لا نعرفه نحن ولا أنتم ؛ ففارقوا ديننا ولم يدخلو في دينكم … وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لِتردّهم إليهم ، وهم أعلم الناس بما أحدثوه من فتنة .

    فنظر النجاشي إلى بطارقته ، فقال البطارقة :

    صدقا ـ أيها الملك ـ … فإن قومهم أبصر بهم وأعلم بما صنعوا ، فرُدّهم إليهم ليروا رأيهم فيهم .

    فغضِب الملك غضباً شديداً من كلام بطارقته وقال :

    لا والله ، لا أسلمهم لأحد حتّى أدعوهم ، وأسألهم عمّا نُسِبَ إليهم ، فإن كانوا كما يقول هذان الرجلان أسلمتهم لهما ، وإن كانوا على غير ذلك حميتهم وأحسنت جِوارهم ما جاوروني .

    قالت أمّ سلمة: ثُمّ أرسل النجاشيّ يدعونا للقائه . فاجتمعنا قبل الذهاب إليه وقال بعضنا لبعض :

    إنَّ الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به ، وَليتكَلَّم عنكم جعفر بن أبي طالب ، ولا يتَكلَّم أحد غيره .

    قالت أمّ سلمة: ثمّ ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعا بطارقته ، فجلسوا عن يمينه وعن شماله ، وقد لبِسوا طَيالِستهم (الطيالسة: جمع طيلسان: وهو كساء أخضر يلبسه الأشراف ورجال الدين) ، واعتمروا قلانِسهم (أي: وضعوا على رؤوسهم) ، ونشروا كتبهم بين أيديهم …

    ووجدنا عنده عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة .

    فلمّا استقرَّ بنا المجلس التفت إلينا النجاشيّ وقال :

    ما هذا الدين الذي استحدثتموه لأنفسكم وفارقتم بسببه دين قومكم ، ولم تدخلو في ديني ، ولا في دين أي من هذه المِلل ؟ … فتقدّم منه جعفر بن أبي طالب وقال :

    أيّها الملك … كُنَّا قوماً أهل جاهليّة ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونُسيء الجِوار ، ويأكل القوي منّا الضعيف ، وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منَّا نعرِف نسبَه ، وصدقه وأمانته وعفافه …

    فدعانا إلى الله ؛ لنوحِّده ونعبده ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان …

    وقد أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصِلة الرَّحِم وحُسن الجِوار ، والكفِّ عن المحارم وحقن الدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزّور ، وأكل مال اليتيم وقذف المُحْصَنات .

    وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً ، وأن نقيم الصلاة ، ونُؤتي الزكاة ، ونصوم رمضان … فصدَّقناه وآمنَّا به ، واتّبعناه على ما جاء به من عند الله ، فحلَّلنا ما أحلّ لنا ، وحرّمنا ما حرّم علينا .

    فما كان من قومنا أيها الملك إلا أن عدوا علينا ؛ فعذّبونا أشدّ العذاب لِيفتنونا عن ديننا ويردُّونا إلى عبادة الأوثان …

    فلمَّا ظلمونا وقهرونا ، وضيَّقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بِلادك ، واخترناك على من سِواك ، ورغِبنا في جِوارك ، ورجونَا ألا نُظلم عِندك .

    قالت أمّ سلمة :

    فالتفت النجاشيّ إلى جعفر بن أبي طالب ، وقال : هل معك شيء ممَّا جاء به نبيّكم عنِ اللهِ ؟ .. قال : نعم . ، قال : فاقرأهُ عليَّ ؛ فقرأ عليه :

    ((( كهيعص{1} ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا{2} إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً{3} قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً{4} ))) : سورة مريم

    حتّى أتمَّ صدراً من السّورة .

    قالت أمّ سلمة : فبكى النجاشيّ حتّى اخضلَّت لِحيته بالدّموع ، وبكى أساقِفتُه حتّى بلّلوا كُتُبهم ؛ لِما سمعوه من كلام الله …

    وهنا قال لنا النجاشي : إنّ هذا الذي جاء به نبيّكم والذي جاء به عيسى لَيخرُج من مِشكاةٍ واحدة (المشكاة: ما يوضع عليه المِصباح، والمراد يخرجان من نور واحد) … ثّمَّ التفت إلى عمرو وصاحبه وقال لهما :

    انطلِقا ، فلا والله لا أسلِمُهُم إليكما أبداً .

    قالت أمّ سلمة : فلمّا خرجنا من عند النجاشيّ توعَّدنا عمرو بن العاص وقال لِصاحبه:

    والله لآتينَّ الملك غداً ، ولأذكُرنَّ له من أمرهم ما يملأ صدره غيظاً منهم ويشحن فؤاده كُرهاً لهم ، ولأحمِلنَّه على أن يستأصلهم من جُذورهم .

    فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل يا عمرو ، فإنّهم من ذوي قُربانَا ، وإن كانوا قد خالفونا .

    فقال له عمرو: دع عنك هذا … والله لأخبرنّه بما يُزلزِلُ أقدامهم … واللهِ لأقولنَّ له : إنّهم يزعمون أنَّ عيسى بن مريم عَبدٌ …

    فلمّا كان الغد دخل عمرو على النجاشيّ وقال له :

    أيّها الملك … إنَّ هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم ، يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً … فأرسِل إليهم ، وسلهم عمَّا يقولونه فيه .

    قالت أمّ سلمة: فلمّا عرفنا ذلك ، نزلَ بنا من الهمّ والغمّ ما لم نتعرَّض لِمثله قطّ … وقال بعضنا لبعض :

    ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكُم عنه الملك ؟ .

    فقلنا: واللهِ لا نقول فيه إلا ما قال اللهُ ، ولا نخرج في أمره قيدَ أُنمُلة عمّا جاءنا به نبيّنا ، وليكن بسبب ذلك ما يكون .

    ثمَّ اتّفقنا على أن يتولَّى الكلام عنَّا جعفر بن أبي طالب أيضاً … فلمّا دعانا النجاشيّ دخلنا عليه فوجدنا عنده بطارِقته على الهيئة التي رأيناهم عليها من قبل . ووجدنا عنده عمرو بن العاص وصاحبه .

    فلمّا صِرنا بين يديه بادَرنا بِقوله : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ .

    فقال له جعفر بن أبي طالب : إنّما نقولُ فيه ما جاء به نبيّنا صلى الله عليه وسلم .. فقال النجاشيّ : وما الذي يقوله فيه ؟ .

    فأجاب جعفر : يقول عنه : إنّه عبدُ الله ورسوله ، ورُوحه وكلِمتُهُ التي ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول .

    فما إن سمِع النجاشيّ قول جعفر حتّى ضرب بيده الأرض وقال :

    واللهِ ، ما خرج عيسى بن مريم عمَّا جاء به نبيّكم مِقديار شعرة … فتناخرت البطارِقة (أي: أخرجوا أصواتاً من أنوفهم) من حول النجاشيّ استِنكاراً لِما سمِعوه منه … فقال : وإن تناخرتم … ثمَّ التفت وقال : اذهبوا فأنتم آمنون … مَن سبَّكم غَرِمَ ، ومَن تعرَّض لكم عُوقِبَ … وَوَاللهِ ما أُحبُّ أن يكون لي جبل من ذهب ، وأن يُصاب أحد مِنكم بِسوء … ثمّ نظرَ إلى عمرو وصاحبه وقال :

    رُدُّوا على هذين الرجلين هداياهما ؛ فلا حاجة لي بها .

    قالت أمّ سلمة: فخرج عمرو وصاحبه مكسورين مقهورين يجُرَّان أذيال الخيبة … أمَّا نحن فقد أقمنا عِند النجاشيّ بِخير ديار مع أكرم جار .

    قضى جعفر بن أبي طالب هو وزوجته في رِحاب النجاشيّ عشر سنوات آمنين مُطمئنّين . وفي السنة السابعة للهجرة غادرا بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين مُتّجهين إلى يثرب ، فلمّا بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائِداً لِتوّه من خيبر ، بعد أن فتحها الله له . ففرِح بلقاء جعفر فرحاً شديداً حتّى قال :

    يتبع

  6. #16
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    تابع

    ((ما أدري بأيّهما أنا أشدّ فرحاً !! …

    أبِفتحِ خيبر أم بِقدوم جعفر ؟)) .

    ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصّة بعودة جعفر بأقلِّ مِن فرحة الرسول صلوات الله وسلامه عليه … فقد كان جعفر شديد العطف على الضعفاء كثير البرّ بهم ، حتّى إنّه كان يُلقَّب ((بأبي المساكين)) .

    أخبر عنه أبو هريرة رضي الله عنه فقال : كان خير الناس لنا ـ معشر المساكين ـ جعفر بن أبي طالب ، فقد كان يمضي بنا إلى بيته فيُطعمنا ما يكون عِنده ، حتّى إذا نفِذَ طعامه أخرج لنا العِكَّة التي يوضع فيها السّمن وليس فيها شيء ، فنشُقّها ونلعق ما علِق بداخِلها .



    لم يطل مُكث جعفر بن أبي طالب في المدينة . ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهَّز الرسول صلوات الله وسلامه عليه جيشاً لِمُنازلة الرّوم في بلاد الشام ، وأمَّر على الجيش زيد بن حارِثة وقال:

    (إن قُتِل زيد أو أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن قُتل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة ، فإن قتل عبد الله بن رواحة أو أصيب فليختر المُسلمون لأنفسهم أميراً منهم) .

    فلمّا وصل المسلمون إلى مُؤتة وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن ؛ وجدوا أنّ الرّوم قد أعدّوا لهم مائة ألف تُسانِدهم مائة ألف أخرى من نصارى العرب مِن قبائل ((لَخم ، وجُذام ، وقُضاعة)) وغيرها . أمّا جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف …

    وما إن التقى الجمعان وديارت رحى المعركة حتّى خرَّ زيد بن حارثة صريعاً مُقبِلاً غير مُدبِر … فما أسرع أن وثَبَ جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء ، ثمَّ عَقرها(عقرها: ضرب قوائمها) بِسيفه حتّى لا ينتفع بها الأعداء من بعده . وحمل الرّاية ودخل بعيداً في صفوف الرّوم وهو يُنشِد :



    يا حبَّذا الجنَّةُ وَاقتِرابُهـــــا

    طيِّبَةٌ وبَارِدٌ شرَابُهـــــــــــا

    وَالرُّومُ رُومٌ قدْ دَنَا عذَابُهــا

    كَافِرةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهــــــــــــا

    عَلَيَّ إِذْ لاقَيْتُهَا ضِرَابُهَـــــــا



    وظلَّ في صفوف الأعداء بسيفه يصول حتّى أصابته ضربة قطعت يمينه ، فأخذ الرّاية بشِماله ، فما لبِثَ أن أصابته أخرى قطعت شماله ، فأخذَ الرّاية بصدره وعضديه ، فما لبِثَ أن أصابته ثالِثة شطرتهُ شَطرين …فأخذ الرّاية منه عبد الله بن رواحة فما زال يُقاتل حتّى لحِقَ بصاحِبيه .

    بلَغَ الرّسول صلوات الله عليه مصرع قُوّاده الثلاثة فحزِن عليهم أشدّ الحزن وأمضّه وانطلق إلى بيت ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ، فألفى زوجته أسماء بنت عُميس تتأهّب لاستقبال زوجها الغائب .. فهي قد عجنت عجينها ، وغسلت بَنِيهَا ودهنتهم وألبستهم … قالت أسماء :

    فلمّا أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم غُلالة من الحُزن تُغطّي وجهه الكريم ، فسَرَتِ المخاوف في نفسي ، غير أنّي لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره .

    فحيَّا وقال : (ائْتيني بأولاد جعفر) … فدعوتهم له .

    فهبّوا نحوه فرحين مُزغردين ، وأخذوا يتزاحمون عليه ؛ كُلٌّ يريد أن يستأثر به .. فأكبَّ عليهم ، وجعل يتشمَّمُهم ، وعيناه تذرفان من الدمع .

    فقلت: يا رسول الله ـ بأبي أنت وأمي ـ ما يُبكيك ؟! … أبَلَغَكَ عن جعفر وصاحبيه شيء ؟! .

    قال : (نعم … لقد استشهدوا هذا اليوم) …

    عند ذلك غاضت البسمة من وجوه الصّغار لمَّا سمِعوا أُمَّهم تبكي وتنشج ، وجمدوا في أماكنهم كأنَّ على رؤوسهم الطَّير … أمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى وهو يمسح دموعه ويقول :

    ((اللّهمَّ اخلُف جعفراً في ولدِهِ …

    اللَّهمَّ اخلُف جعفراً في أهلِهِ …)) .

    ثُمَّ قال :

    ((لقد رأيتُ جعفراً في الجنَّةِ ، لهُ جناحانِ مُضرَّجانِ بِالدِّماءِ ، وهوَ مَصبُوغُ القَوادِمِ)) .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  7. #17
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    أَبُو الدَّردَاءِ | عُوَيْمِرُ بنُ مَالِكٍ الخَزْرَجِيُّ

    ((كان أبو الدّرداء يدفع عنه الدُّنيا بِالرَّاحتين والصَّدرِ)) ……. (عبدُ الرحمنِ بنُ عَوفٍ)

    ………..



    نَهض عويمر بن مالك الخزرجيّ المُكنَّى بأبي الدّرداء من نومه مُبكِّراً ، ومضى إلى صنمِهِ الذي نصبه في أشرف مكان في بيته ، فحيَّاه ودَهَنهُ بأنفسِ ما حواه متجرُهُ من الطِّيب ، ثمَّ ألقى عليه ثوباً جديداً من فاخِر الحرير ، أهداه إليه بالأمس أحد التُّجّار القادمين عليه من ((اليَمن)) .

    ولمَّا ارتفعت الشمس غادر أبو الدّرداء منزِله متوجّهاً إلى مَتجرِهِ .

    فإذا شوارع ((يثرِب)) وطرقاتُها تضيق بأتباع محمد ، وهم عائدون من ((بدر)) ، وأمامهم أفواج الأسرى من قريش ، فأعرض عنهم ؛ لكنَّه ما لبِثَ أن أقبل على فتى منهم ينتمي إلى الخزرج وسأله عن عبد الله بن رواحة ، فقال له الفتى الخزرجيّ :

    لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء وعاد سالِماً غانِماً ، وطمأَنَهُ عليه .

    ولم يستغرب الفتى سؤال أبي الدّرداء عن عبد الله بن رواحة ؛ لِما كان يعلم الناس جميعاً من أواصر الأخوَّة التي كانت تربط بينهما ؛ ذلك أنَّ أبا الدّرداء وعبد الله بن رواحة كانا مُتآخيين في الجاهليَّة ، فلمّا جاء الإسلام اعتنقه ابن رواحة ، وأعرض عنه أبو الدّرداء .

    لكِنَّ ذلك لم يقطع ما بين الرّجُلين من وثيق الأواصر ؛ إذ ظلَّ عبد الله بن رواحة يتعهَّد أبا الدّرداء بالزّيارة ، ويدعوه إلى الإسلام ، ويُرغِّبه فيه ، ويأسف على كل يوم يمضي مِن عمره وهو مُشرك .

    وَصلَ أبو الدّرداء إلى متجره ، وتربَّع على كُرسيه العالي ، وجعل يبيع ويشتري ، ويأمر غِلمانه وينهاهم … وهو لا يعلم شيئاً ممّا يجري في منزله …

    ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدّرداء وقد عزم على أمر …

    فلمّا بلغ البيت رأى بابه مفتوحاً وأبصر أمّ الدّرداء في باحتِهِ ، فقال :

    السلام عليك يا أَمَة الله .

    فقالت : وعليك السلام يا أخا أبي الدّرداء .

    فقال : أين أبو الدّرداء ؟ .

    فقالت : ذهب إلى متجره ، ولا يلبثُ أن يعود .

    فقال : أتأذنينَ ؟ .

    فقالت : على الرّحب والسّعة ، وأفسحت له الطّريق ، ومضت إلى حُجرتها ، وانشغلت عنه بإصلاح شأن بيتها ورعاية أطفالِها .

    دخل عبد الله بن رواحة إلى الحُجرة التي وضع فيها أبو الدّرداء صنمَه ، وأخرج قدُّوماً أحضرهُ معه ، ومال على الصَّنم وجعل يُقطِّعه به وهو يقول :

    ألا كُلُّ ما يُدعى مع الله باطِل … ألا كُلُّ ما يُدعى مع الله باطِل …

    فلمَّا فرغ من تقطيعه غادر البيت .

    دخلت أمُّ الدّرداء إلى الحُجرة التي فيها الصَّنم ، فصُعِقت حين رأته قد غدا قِطعاً … ووجدت أشلاءه مُبعثرة على الأرض … وجعلت تلطِمُ خدّيها وهي تقول :

    أهلكتَنِي يا ابن رواحة … أهلكتَنِي يا ابن رواحة …

    لم يمض غير قليل حتّى عاد أبو الدّرداء إلى منزله ؛ فرأى امرأته جالِسةً عِند باب الحُجرة التي فيها الصَّنم وهي تبكي وتنشِجُ ، وعلامات الخوف منه بادِيةٌ على وجهِها ، فقال : ما شأنُكِ ؟ … فقالت :

    أخوك عبد الله بن رواحة جاءنا في غيبتِكَ ، وصنَع بصنَمِكَ ما ترى .

    فنظر إلى الصَّنم فوجده حُطاماً ، فاستشاط غضباً ، وهمَّ أن يثأر له ، لكنَّه ما لبِث قليلاً حتّى هدأت ثائرته ، وسكتَ عنه غضبَهُ ؛ ففكَّر فيما حدث ، ثمَّ قال :

    لو كان في هذا الصَّنم خير لدفع الأذى عن نفسه .

    ثُمَّ انطلق من توِّه إلى عبد الله بن رواحة ، ومضيا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلن دُخوله في دين الله ، فكان آخر أهل حيِّه إسلاماً .

    آمن أبو الدّرداء ـ مُنذُ اللّحظة الأولى ـ بالله ورسوله إيمان خالَطَ كُلَّ ذرَّة في كيانِه .

    وندِم ندماً كبيراً على ما فاته من خير ، وأدرك إدراكاً عميقاً ما سبقه إليه أصحابه من فِقه لِدين الله ، وحِفظ لِكتاب الله ، وعِبادة وتقوى ادَّخروهما لأنفسهم عِند الله .

    فعزم على أن يستدرك ما فاته بالجهد الجاهد ، وأن يواصل تعب الليل بتعب النّهار حتّى يَلحق بِالرَّكب ويتقدَّم عليه .

    فانصرف إلى العبادة انصراف المنقطع عن الدّنيا ؛ المنصرف إلى الله ، وأقبل على العلم إقبال الظمآن ، وأكبَّ على كتاب الله يحفظ كلماته ، ويتعمَّق فهم آياته .

    ولمّا رأى التّجارة تُنغِّص عليه لذَّة العِبادة ، وتُفوِّت عليه مجالس العلم ؛ تركها غير متردّد ولا آسِفٍ .

    وقد سأله في ذلك سائل فأجاب :

    لقد كُنت تاجراً قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا أسلمت أردت أن أجمع بين التّجارة والعبادة فلم يستقم لي ما أردت ، فتركت التّجارة وأقبلت على العبادة … والذي نفس أبي الدّرداء بيده ، ما أُحبُّ أن يكون ليَ اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة ، ثمَّ أبيع وأشتري فأربح كُلَّ يوم ثلاثمائة دينار . ثمَّ نظرَ إلى سائله وقال :

    إنِّي لا أقول : إنَّ الله عزَّ وجلّ حرَّمَ البيع … ولكنِّي أحبُّ أن أكون من الذين لا تُلهيهم تِجارة ولا بيع عن ذِكر الله .

    لم يترك أبو الدّرداء التّجارة فحسب وإنّما ترك الدّنيا ، وأعرض عن زينتها وزُخرُفها ، واكتفى منها بِلُقمة خشنة تُقيم صُلبه ، وثوبٍ صفيق يستر جسده .

    فقد نزلَ بهِ جماعة في ليلة شديدة البرد ، فأرسل إليهم طعاماً ساخِناً ، ولم يبعث إليهم باللُّحُفِ ، فلمّا همُّوا بالنّوم جعلوا يتشاورون في أمر اللُّحف ، فقال واحد منهم : أنا أذهب إليه وأُكلِّمَهُ … فقال له آخر : دعهُ ، فأبى ، ومضى حتّى وقف على باب حُجرته فرآه قد اضطجع ، وامرأته جالسة قريباً منه ليس عليها وعليه إلا ثوب خفيف لا يقي من حرٍّ ولا يصون من برد ، فقال الرّجل لأبي الدّرداء :

    ما أراك بتَّ إلا كما نبِيتُ نحنُ !! … أين متاعُكم ؟! .

    فقال : لنا ديار هناك نُرسل إليها تِباعاً كل ما نحصل عليه من متاع ، ولو كُنَّا استبقينا في هذه الدَّار شيئاً منه لَبَعَثْنَا بِهِ إليكم …

    ثمَّ إنَّ في طريقنا الذي سنسلكه إلى تلك الدّار عقبةً صعبة المُرتقى ؛ المُخِفُّ فيها خيرٌ من المُثقَلِ ، فأردنا أن نتخفَّف من أثقالنا علَّنا نجتاز .

    ثمَّ قال للرجل : أَفَهِمتَ ؟ .

    فقال : نعم فهِمتُ ، وجُزِيتَ خيراً .

    وفي خلافة الفاروق رضوان الله عليه أراد من أبي الدّرداء أن يتولّى له عملاً في الشّام فأبى ، فأصرَّ عليه فقال أبو الدّرداء :

    إذا رضيت منِّي أن أذهب إليهم لأععلِّمهم كتاب ربِّهم ، وسنَّة نبيّهم وأصلِّي بهم ذهبتُ ، فرضي منه عمر بذلك ، ومضى هو إلى ((دِمشق)) ، فلمَّا بلغها وجد النّاس قد أولِعوا بالتَّرف ، وانغمسوا في النَّعيم ، فهاله ذلك ، ودعا النّاس إلى المسجد ؛ فاجتمعوا عليه فوقف فيهم وقال :

    يا أهل ((دمشق)) أنتم الإخوانُ في الدِّين ، والجِيرانُ في الدَّار ، والأنصار على الأعداء …

    يا أهل ((دمشق)) ؛ ما الذي يمنعُكم من مودَّتي والاستجابة لِنصيحتي وأنا لا أبتغي مِنكم شيئاً ؛ فنصيحتي لكم ، ومؤنتي (مؤنتي:نفقتي) على غيركم .

    ما لِي أرى عُلماءَكم يذهبون (أي: يأخذهم الموت) ، وجُهَّالكم لا يتعلَّمون ؟! …

    وأراكم قد أقبلتم على ما تكفَّل لكم به الله عزَّ وجلّ ، وتركنم ما أُمِرتم به ؟! …

    ما لِي أراكم تجمعون ما لا تأكلون !! …

    وتبنون ما لا تسكنون !! …

    وتُؤَمِّلُون ما لا تَبْلُغون !! …

    لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمَّلت … فما هو إلا قليل حتّى أصبح جمعهم بُوراً (بوراً: هالِكاً خرباً) … وأملهم غروراً … وبيوتهم قبوراً …

    هذه ((عاد)) ـ يا أهل دمشق ـ قد ملأت الأرض مالاً وولداً … فمن يشتري منِّي تَرِكة ((عادٍ)) اليوم بِدرهمين ؟ .

    فجعل الناس يبكون حتّى سُمِعَ نشيجُهُم من خارج المسجد . (نشيجهم: صوت بكائهم)

    ومنذ ذلك اليوم طفق أبو الدّرداء يؤمُّ مجالس الناس في دمشق ويطوف بأسواقهم ، فيجيب السّائل ، ويُعلِّم الجاهل ، ويُنبِّه الغافل ، مُغتنماً كل فرصة مُستفيداً من كل مناسبة .

    فها هو ذا يمرُّ بجماعة قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه ، فأقبل عليهم وقال : مَا الخَبر ؟! .

    قالوا : رجل وقع في ذنب كبير .

    قال : أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه ؟ .

    قالوا : بلى .

    قال : لا تسُبُّوه ولا تضربوه وإنَّما عِظوه وبصِّروه ، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في ذنبه .

    قالوا : أفلا تُبغِضه ؟! .

    قال : إنَّما أبغض فعله ؛ فإذا تركه فهو أخي .

    فأخذ الرّجل ينتحب ويُعلِن توبته .

    وهذا شاب يُقبل على أبي الدّرداء ويقول : أوصِني يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول له :

    يا بني ، اذكر الله في السّرّاء يذكُرك في الضّرّاء …

    يا بني ، كُن عالِماً أو مُتعلّماً أو مُستمعاً ولا تكن الرّابع فتهْلكَ (أراد بالرابع: الجاهل) .

    يا بني ، ليكن المسجد بيتك ، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

    (المساجد بيت كل تقي) ، وقد ضمِن الله عزّ وجلّ لِمن كانت المساجد بيوتهم الرّوح (الرّوح: الرّاحة والسّعة) ، والرّحمة ، والجواز على الصِّراط إلى رضوان الله عزَّ وجلّ .



    وهؤلاء جماعة من الشُّبّان جلسوا على الطّريق يتحدَّثون وينظرون إلى المارِّين ، فيُقبِل عليهم ويقول :

    يا بَنِيَّ ، صَومعةُ الرجل المُسلم بيتُه ، يَكُفُّ فيه نفسه وبصره ، وإيَّاكم والجّلوس في الأسواق فإنّه يُلهي ويُلغِي .

    وفي أثناء إقامة أبي الدّرداء ((بدمشق)) بعث إليه والِيها معاوية بن أبي سفيان يخطُب ابنته ((الدّرداء)) لابنه يزيد ، فأبى أن يُزوّجها له ، وأعطاها لشاب من عامّة المسلمين رضِيَ دينه وخُلُقه .

    فسار ذلك في الناس ، وجعلوا يقولون :

    خطب يزيد بن معاوية بنت أبي الدّرداء فردَّه أبوها ، وزوَّجها لرجل من عامة المسلمين .

    فسأله سائل عن سبب ذلك ؟! .

    فقال : إنّما تَحَرّيتُ فيما صنعته صلاح أمر الدّرداء .

    فقال : وَكَيفَ ؟ .

    فقال : ما ظنُّكم بالدّرداء إذا قام بين يديها العبيد يخدِمونها ، ووجدت نفسها في قُصور يخطِف لألاؤها البَصر …

    أين يصبح دينُها يومئذٍ ؟! .



    وفي خلال وجود أبي الدّرداء في بلاد الشام قدِم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب مُتفقِّداً أحوالها ، فزار صاحبه أبا الدّرداء في منزله ليلاً ، فدفع الباب ، فإذا هو بغير غَلَقٍ ، فدخل في بيت مُظلم لا ضوء فيه ، فلمّا سمِع أبو الدّرداء حِسَّه قام إليه ، ورحَّب به وأجلسه .

    وأخذ الرجلان يتبادلان الأحاديث ، والظّلام يحجب كلاً منهما عن عيني صاحِبه .

    فجسَّ عمر وِساد أبي الدّرداء فإذا هو برذَعة(برذعة: كساء يُلقى على ظهر الدّابّة) … وجسَّ فراشه فإذا هو حصى … وجسَّ دِثاره فإذا هو كساء رقيق لا يفعل شيئاً في برد ((دمشق)) .

    فقال له : رَحِمكَ الله ألم أوسِّع عليك ؟! ألم أبعث إليك ؟! .

    فقال له أبو الدّرداء : أَتَذْكُر ـ يا عمر ـ حديثاً حدَّثناهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .

    قال : وما هو ؟ .

    قال : ألم يقُل : ((لِيكن بلاغُ أحدِكم من الدّنيا كَزادِ راكبٍ)) ؟ ـ (بلاغ أحدكم: كِفاية أحدكم وماله) ـ .

    قال : بلى .

    قال : فماذا فعلنا بعده يا عمر ؟!! …

    فبكى عمر وبكى أبو الدّرداء … وما زالا يتجاوبان بالبكاء حتّى طلع عليهما الصُّبح .



    ظلَّ أبو الدّرداء في دمشق يعظ أهلها ويُذكّرهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة حتّى أتاه اليقين (أي: حتى أتاه الموت) … فلمّا مَرِضَ مَرَضَ الموت ، دخل عليه أصحابه ، فقالوا : ما تشتكي ؟ .

    قال : ذُنوبي .

    قاوا : وما تشتهي ؟ .

    قال : عَفْوَ ربِّي .

    ثمَّ قال لمن حوله : لقِّنوني : لا إِلَهَ إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ
    .

    فما زال يُردِّدها حتّى فارق الحياة .

    ولمّا لحِق أبو الدّرداء بجوار ربِّه رأى عوف بن مالك الأشجعيّ فيما يراهُ النّائم ؛ مَرجاً أخضرَ فسيح الأرجاء وارِف الأفياء فيه قُبَّة عظيمة من أَدَمٍ (من أدَمٍ: أي من جلد) ، حولها غنمٌ رابضة لم ترَ العينُ مِثلها قطُّ ، فقال :

    لِمن هذا ؟! .

    فقيل له : لِعبد الرحمن بن عوف .

    فطَلَعَ عليه عبد الرحمن من القُبَّة ، وقال له : يا بن مالِكٍ ، هذا ما أعطانا الله عزَّ وجلّ بالقرآن . ولو أَشرَفتَ على هذه الثَنيَّة (الثنيّة: أي الطريق) لرأيت ما لم ترَ عينُكَ ، وسَمِعتَ ما لم تسمع أذُنُكَ ، ووجدت ما لم يخطر على قلبِكَ .

    فقال ابن مالك : ولِمَن ذلك كلُّهُ يا أبا محمد ؟! .

    فقال : أعدَّه الله عزَّ وجلّ لأبي الدّرداء لأنّه كان يدفعُ عنهُ الدُّنيا بِالرَّاحتين وَالصَّدرِ .







    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  8. #18
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد:صحابة و صحابيات

    ذُو البِجَادَينِ | عبد الله المُزَنِيّ

    ((لقد نادت الدنيا ذا البجادين ، فأصمَّ أذنيه عن سماع أصواتها ، وأقبل على الآخرة يطلبها من كل سبيل))

    ………..



    على يمين الرّاكب من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة جبل أخضرُ السُّفوح … نضير الذُّرى … وارف الظلال …

    يدعى جبل ((ورْقَان)) ..وكان يسكن هذا الجبل بطن من بطون قبيلة ((مُزَينة)) .



    في شعبٍ من شعاب ذلك الجبل القريب من ((يثرب)) وُلد ((عبد العُزّى بن عبد نهم المُزنيّ)) لأبوين فقيرين .

    وقد كان ميلاده قبيل مطلع النور في مكّة المكرّمة بزمنٍ يسير . غير أنَّ يد المنون ما لبثت أن استأصلت والد الطفل المزنيّ وهو لم يمشِ بعدُ ، فتحالف عليه اليُتم والفقر .

    لكنّه كان للطفل الصغير عمّ على حظّ كبير من وفرة الغنى ، وبسطة العيش … ولم يكن لعمّه هذا ولد يُزيّن حياته … أو عقِبٌ يرث أمواله … فأولع بابن أخيه الصغير ، وأنزله من نفسه وماله منزلة الولد من أبيه .

    شبَّ الغلام المُزنيّ في أحضان جبل ورقان المُونقة المورقة ؛ فمنحه الجبل النضير رِقّة من رقّته … وأوسع عليه صفاءً من صفائه … فنشأ مُرهف الحِسّ ، صافي النّفس ، نقيّ الفِطرة …

    فكان ذلك سبباً آخر لأن يزداد عمّه ولعاً به ، وإيثاراً له .

    وعلى الرغم من أنّ الفتى المُزنيّ قد بلغ مبلَغ الرجال . فإنّه لم يسمع بالدين الجديد ، ولم يصل إلى علمه شيء من أخبار صاحبه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه .

    وقد استطال ذلك حتى سعِدت يثرب بيومها المُبارك الأغرّ الذي قدِمَ فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عليها مُهاجِراً .

    فطفِق الفتى المُزنيّ يتتبّع أخبار الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه ويتسقّط أحواله ؛ حتّى أنّه كثيراً ما كان يمكث طول نهاره على جانب الطريق المُفضية إلى المدينة ليسأل الذّاهبين إليها والغادين منها سُؤال الملهوف عن الدين الجديد وأنصاره … والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأخباره ، إلى أن شرح الله صدره الطّاهر للإسلام … وفتح قلبه الغضّ لأنوار الإيمان .

    فشهِد أَن لا إلَهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمَّداً رسُولُ اللهِ .

    وذلك قبل أن تكتحل عيناه بمرأى الرسول صلوات الله وسلامه عليه … أو تنعم أذناه بسماع حديثه …

    فكان أوّل امرئٍ يُسلم من بني قومه في جبل ورقان .

    كتمَ الفتى المُزنيّ إسلامه عن قومه عامّة ، وعن عمّه خاصّة ، وجعل يخرج إلى الشّعاب البعيدة ليعبد الله عزَّ وجلّ في أكنافها بعيداً عن أنظار النّاس .

    وكان يترقّب بلهفة وشوق اليوم الذي يُسلِم فيه عمّه ليتمكّن من إعلان إسلامه … وليمضي بصحبته إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بعد أن غدا الشوق إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم يملِكُ عليه قلبه ، ويشغلُ منه عقلهُ .

    ولما وجد الفتى المؤمن أنّ صبره قد طال … وأنّ عمّه بعيد عن الإسلام … وأنَّ المَشاهد مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، تفوته واحِداً بعد آخر ، حزَمَ أمره ـ غير غافل عن عواقب ما أقدم عليه ـ وأقبل على عمّه وقال :

    يا عمّ ، لقد انتظرت إسلامك طويلاً حتى نفذ صبري ، فإن كُنت ترغب في أن تُسلِم ويكتُب الله لك السعادة فنِعمَ ما تصنع ، وإن كانت الأخرى ؛ فأْذن لي بأن أُعلِم إسلامي بين الناس .

    ما كادت كلمات الفتى تُلامس أُذُني عمّه حتى استشاط غضباً وقال :

    أُقسم باللاتِ والعُزّى لئن أسلمتَ لأنزعنَّ من يدك كل شيء كنت أعطيته لك ، ولأُسلِّمنّك للفاقة (الفاقة: الفقر) … ولأتركنّك فريسة للعَوز والجوع .

    فلم يحرك هذا التهديد في الغلام المؤمن ساكناً … ولم يفتت من عزمه شيئاً … فاستعان عمّه عليه بقومه … فهبُّوا يُرهّبونه ويُرغِّبونه … وطفقوا يُهدِّدونه ويتوعَّدونه ؛ فكان يقول لهم :

    افعلوا ما شئتم ، فأنا واللهِ مُتَّبعٌ محمداً .. وتارك عبادة الأحجار .. ومنصرف إلى عبادة الواحد القهَّار .. وليكن منكم ومن عمّي ما يكون ..

    فما كان من عمّه إلا أن جرَّده من كل ما أعطاه … وقطع عنه عطاؤه ، وحرمه من جدْواه … ولم يترك له غير بِجادٍ (البجاد: الكساء الغليظ) يستر به جسده .

    مضى الفتى المُزنيّ مهاجراً بدينه إلى الله ورسوله ، مُخلِّفاً وراءه مغاني الطفولة ومراتِع الصِّبا … مُعرِضاً عمَّا في يد عمِّه من الثّراء والنعمة … راغباً فيما عند الله من الأجر والمثوبة .

    وجعل يحثُّ الخُطى نحو المدينة ، تدفعه إليها أشواق باتت تفرِي فُؤاده فرياً .

    فلمّا غدا قريباً من يثرب شقَّ بِجادَهُ شِقّين … فاتّزرَ بأحدهما … وارتدى بالآخر .

    ثمّ مضى إلى مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه وبات فيه ليلته تلك … فلمّا انبلَجَ الفجر وقف قريباً من باب حُجرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وجعل يترقّب ـ في لهفة وشوق ـ طلعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من حُجرته .

    فما إن وقع بصره عليه حتّى انهدرت على خديه دموع الفرح وشعر كأنّ قلبه يريد أن يقفز من بين جنبيه لِتحيّته والسلام عليه .

    ولمّا قُضِيت الصلاة ، قام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ـ على عادته ـ يتصفَّح وجوه الناس فنظر إلى الفتى المُزنيّ ، وقال :

    (ممّن أنت يا فتى؟) .

    فانتسب له .

    فقال له : (ما اسمُكَ؟) .

    فقال : عبدُ العُزّى .

    فقال له : (بل عبدَ اللهِ) .

    ثمَّ دنا منه وقال : (انزِل قريباً منَّا ، وكُن في جُملة أضيافِنا) … فصار الناس منذ ذلك اليوم ينادونه عبد الله .. ولقّبه الصحابة الكِرام ((بِذي البِجَادين)) بعد أن رأوا بِجاديه ، ووقفوا على قصَّته … فعُرِف في التاريخ أكثر ما عُرف بهذا اللقب .



    لا تَسلْ ـ أيّها القارئ الكريم ـ عن سعادة ذي البجادين حين أصبح يعيش في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشهد مجالسه … ويُصلّي خلفه … وينهل من هديه … ويتملَّى من شمائله …

    لقد نادته الدنيا فأصمَّ أذنيه عن سماع أصواتها … وأقبل على الآخرة يطلبها من كل سبيل :

    لقد طلبها بالدّعاء الذي كان يجأر به في خشية وخشوع … حتّى سمَّاه الصحابة ((الأوَّاه)) .

    وطلبها بالقُرآن … فكان لا يفتأ يُعطِّر بشذى آياته البيّنات أرجاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم …

    وطلبها بالجهاد … فكانت لا تفوته غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وفي غزوة ((تبوك)) ، سأل ذو البِجادين الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يدعو له بالشّهادة .. فدعا له بأن يعصم دمه من سيوف الكُفَّار .

    فقال له : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، ما هذا أردت .

    فقال له عليه الصلاة والسلام :

    ((إذا خرجتَ غازياً في سبيل الله فمَرِضتَ فمُتَّ فأنت شهيد … وإذا جمَحت بِكَ دابَّتكَ فسقطتَ فقُتِلتَ فأنت شهيد …)).

    لم يمض على هذا الحديث غير يوم وليلة حتّى حُمَّ الفتى المُزنيّ ومات …

    لقد مات مُهاجِراً إلى الله …

    مُجاهداً في سبيل الله …

    بعيداً عن الأهل والعشير …

    غريباً عن الوطن والدّار …

    فعوَّضه الله عن ذلك كلّه خير العِوض .

    فلقد خطَّ له الصحابة الكِرام قبره بِسواعِدهم الطّاهرة …

    ونزل في قبره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بِنفسِهِ …

    وسوَّاه له بيديه الشَّريفتين .

    ولقد دلّاه إلى القبر الشّيخان أبو بكر وعمر حيث قال لهما الرسول صلوات الله وسلامه عليه :

    (قرِّبا إليَّ أخاكُما) فأنزلاهُ إليه .. فتناوله منهما ، وأسكنه في لحدِهِ …

    وكان عبد الله بن مسعود واقفاً يشهدُ ذلكَ كُلَّه . فقال :



    ((ليتني كُنتُ صاحِبَ الحفرة … واللهِ ، ودِدْتُ لو كُنتُ مكانه وقد أسلمتُ قبلَهُ بِخمس عشرة سنةً)) .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  9. #19
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    عَمرُو بنُ الجَمُوحِ

    ((شيخ عزم على أن يطأَ بِعرجَتِهِ الجَنَّة))

    ………



    عمرو بن الجَموح زعيم من زعماء يثرب في الجاهليّة ، وسيّد بني ((سَلَمَة)) المُسوَّد ، وواحد من أجواد المدينة وذوي المروءات فيها … وقد كان من شأن الأشراف في الجاهليّة أن يتّخذ كل واحد منهم صنماً لنفسه في بيته ؛ لِيتبرَّك به عند الغُدوِّ والرواح … ولِيذبح له في المواسم … ولِلجأ له في المُلمَّات !!! .

    وكان صنم عمرو بن الجموح يدعى ((مَنَاةَ)) ، وقد اتّخذه من نفيس الخشب … وكان شديد الإسراف في رعايته ، والعناية به وتضميخه بنفائس الطِّيب(ضمخ الشيء بالطّيب: دهنه به) .

    كان عمرو بن الجموح قد جاوز الستين من عمره حين بدأت أشعّة الإيمان تغمر بيوت يثرب بيتاً فبيتاً على يد المُبشّر الأوّل مُصعب بن عُمير ، فآمن على يديه أولاده الثلاثة : مُعوَّذ ، ومُعاذ ، خَلاد ، وتَربٌ لهم يُدعى معاذ بن جبل (ترب الرجل: لدته وأصحابه ، ولِدة الرجل: من ولد معه في زمن واحد) …

    وآمنت مع أبنائه الثلاثة أمّهم هِند ، وهو لا يعرف من أمر إيمانهم شيئاً .

    رأت هند زوجة عمرو بن الجموح ، أنّ يثرب غلب على أهلها الإسلام ، وأنّه لم يبق من السّادة الأشراف أحد على الشّرك سوى زوجها ونفر قليل معه … وكانت تحبّه وتُجِلّه ، وتُشفِقُ عليه من أن يموت على الكُفر ، فيصير إلى النار .

    وكان هو في الوقت نفسه يخشى على أبنائه أن يرتدّوا عن دين آبائهم وأجدادهم ، وأن يتّبعوا هذا الدّاعية مُصعب بن عُمير ، الذي استطاع في زمن قليل أن يحوّل كثيراً من الناس عن دينهم ، وأن يُدخِلهم في دين محمد .

    فقال لزوجته : يا هند ، اِحذري أن يلتقيَ أولادك بهذا الرجل (يعني مُصعب بن عُمير) حتّى نرى رأينا فيه .

    فقالت : سمعاً وطاعةً ، ولكن هل لكَ أن تسمعَ من ابنكَ مُعاذ ما يرويه عن هذا الرجل ؟ .

    فقال : وَيحَكِ ، وهل صبَاَ (صَبَأ: رجع) معاذ عن دينه وأنا لا أعلم ؟ … فأشفقت المرأة الصّالحة على الشّيخ وقالت :

    كلا ، ولكنّه حضرَ بعض مجالس هذا الدّاعية ، وحفِظَ شيئاً ممَّا يقوله .

    فقال : ادعُوه إلَيَّ … فلمّا حضر بين يديه قال : أسمِعني شيئاً ممَّا يقوله هذا الرجل ، فقال :



    (( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ{1} الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2} الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ{3} مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{4} إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{5} اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ{7} )) :سورة الفاتحة



    فقال : ما أحسن هذا الكلام وما أجمله ؟! أَوَ كُلُّ كلامه مِثلُ هذا ؟! .

    فقال مُعاذ : وأحسن من هذا يا أبتاه ، فهل لكَ أن تُبايِعهُ ، فقومك جميعاً قد بايعوه … سكت الشيخ قليلاً ثمَّ قال :

    لَستُ فاعلاً حتّى أستشير ((مَنَاة)) فأنظر ما يقول .

    فقال له الفتى : وما عسى أن يقول ((مناة)) يا أبتاه ، وهو خشب أصمّ لا يعقِل ولا ينطِق .

    فقال الشيخ ـ في حِدّةٍ ـ : قُلتُ لك لن أقطع أمراً دونه(أي: لن أحسم أمراً دون الرجوع إليه) .

    ثم قام عمرو بن الجموح إلى ((مناة)) ـ وكانوا إذا أرادوا أن يكلّموه جعلوا خلفه امرأة عجوزاً ، فتُجيب عنه بما يُلهمها إيَّاه ـ في زعمهم ـ ، ثمّ وقف أمامه بقامته الممدودة ، واعتمد على رجله الصّحيحة ، فقد كانت الأخرى عرجاء شديدة العرج ، فأثنى عليه أطيب الثّناء ، ثمّ قال :

    يا ((مناة)) لا ريب أنّك قد علمت بأنّ هذا الدّاعية الذي وفد علينا من مكّة لا يريد أحداً بسوء سِواك … وأنّه إنّما جاء لينهانا عن عبادتك … وقد كرهت أن أبايعه ـ على الرّغم ممّا سمعته من جميل قوله ـ حتّى أستشيرك ، فأشِر عليَّ ، فلم يردَّ عليه ((مناة)) بشيء .

    فقال : لعلَّك قد غضبت … وأنا لم أصنع شيئاً يؤذيك بعد … ولكن لا بأس ، فسأتركك أيَّاماً حتّى يسكت عنك الغضب .

    كان أبناء عمرو بن الجموح يعرفون مدى تعلّق أبيهم بصنمه ((مناة)) ، وكيف أنّه غدا مع الزّمن قطعة منه ، ولكنَّهم أدركوا أنَّه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه ، وأنَّ عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعاً ، فذلك سبيله إلى الإيمان .

    سار أبناء عمرو بن الجموح مع صديقهم معاذ بن جبل إلى ((مناة)) في اللّيل ، وحملوه من مكانه ، وذهبوا به إلى حفرة لبني ((سلمة)) يرمون فيها أقذارهم ، وطرحوه هناك ، وعادوا إلى بيوتهم دون أن يعلم بهم أحد … فلمّا أصبح عمرو مشى بهدوء إلى صنمه لتحيَّته ، فلم يجده فقال :

    ويلَكم ، من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟! … فلم يُجبه أحد بشيء .

    فطفِق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه ، وهو يُرغي ويزبُد (كناية عن شدّة الغضب وهيجان النفس) ويتهدَّد ويتوعّد حتّى وجده مُنَكَّساً على رأسه في الحُفرة ، فغسله وطهّره ، وطيّبه وأعاده إلى مكانه وقال له :

    أمَّا واللهِ لو أعلم من فعل بِكَ هذا لأخزيتهُ .

    فلمَّا كانت الليلة الثانية عدا الفتية على ((مناة)) ففعلوا فيه مثل فعلتهم بالأمس ، فلمّا أصبح الشيخ التَمَسهُ فوجده في الحفرة مُلطَّخاً بالأقذار ، فأخذه وغسله وطيَّبه ، وأعاده إلى مكانه .

    وما زال الفتية يفعلون بالصّنم مثل ذلك كل يوم ، فلمَّا ضاق بهم ذرعاً ؛ راح إليه قبل منامه ، وأخذ سيفه فعلَّقه بِرأسه وقال له :

    يا ((مناة)) ، إنّي والله ما أعلم من يصنع بكَ هذا الذي ترى ، فإن كان فيك خير فادفع الشرَّ عن نفسك ، وهذا السّيف معك … ثم أوى إلى فراشه .

    فما إن استيقن الفتية من أنّ الشيخ قد غطَّ في نومه حتّى هبّوا إلى الصّنم ؛ فأخذوا السّيف من عنقه وذهبوا به خارج المنزل ، وربطوه إلى كلب ميّت بحبل ، وألقوا بهما في بئر لبني ((سلمة)) تسيل إليها الأقذار وتتجمَّع فيها .

    فلمّا استيقظ الشيخ ولم يجد الصّنم خرج يلتمسه ؛ فوجده مُكِبَّاً على وجهه في البئر ، مقروناً إلى كلب ميّت ، وقد سُلِب منه السّيف ، فلم يُخرجه هذه المرّة من الحُفرة ، وإنّما تركه حيث ألقوه ، وأنشأ يقول :

    واللهِ لوْ كُنتَ إلهــــــاً لم تكُنْ

    أنتَ وَكلبٌ وَسْطَ بِئرٍ فِي قَرَنْ

    ثُمَّ ما لبِثَ أن دخل في دين الله .

    تذوَّق عمرو بن الجموح من حلاوة الإيمان ، ما جعله يعضُّ بنان النّدمِ على كل لحظة قضاها في الشّرك ، فأقبل على الدّين الجديد بجسده وروحه ، ووضع نفسه وماله وولده في طاعة الله ورسوله .

    وما هو إلا قليل حتّى كانت ((أُحُد)) ، فرأى عمرو بن الجموح أبناءه الثلاثة يتجهَّزون للقاء أعداء الله ، ونظر إليهم غادين رائحين كأُسْد الغابة وهم يتوهّجون شوقاً إلى نيل الشّهادة والفوز بمرضاة الله ، فأثار الموقف حميّته ، وعزم على أن يغدوَ معهم إلى الجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    لكِنَّ الفتية أجمعوا على منع أبيهم ممَّا عزم عليه … فهو شيخ كبير طاعن في السنّ ، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج ، وقد عذره الله عزَّ وجلّ فيمن عذرهم ، فقالوا له :

    يا أبانا إنّ الله عذَركَ ، فعلام تُكلّف نفسك ما أعفاك الله منه ؟! .

    فغضب الشيخ من قولهم أشدَّ الغضب ، وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم فقال :

    يا نبيّ الله ، إنَّ أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يحتجّون بأنّي أعرج ، والله إنّي لأرجو أن أطَأَ بعرجتي هذه الجنَّة .

    فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبنائه : (دعوه ؛ لعلَّ الله عزَّ وجلَ يرزقه الشّهادة) … فخلُّوا عنه إذعاناً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وما إن حان وقت الخروج ، حتى ودَّع عمرو بن الجموح زوجته وداع مُفارِق لا يعود … ثمَّ اتّجه إلى القبلة ورفع كفّيه إلى السماء وقال :

    اللّهمّ ارزقني الشّهادة ولا تَرُدَّني إلى أهلي خائباً .

    ثم انطلق يحيط به أبناؤه الثلاثة ، وجموع كبيرة من قومه بني ((سلمة)) .

    ولمّا حمِيَ وطيس المعركة ، وتفرّق الناس عن رسول الله صلوات الله عليه ، شوهِد عمرو بن الجموح يمضي في الفوج الأول ، ويثب على رِجله الصّحيحة وَثباً وهو يقول :

    إنّي لمشتاق إلى الجنّة … إنّي لمشتاق إلى الجنّة …

    وكان وراءه ابنه ((خَلاد)) … وما زال الشيخ وفتاه يُجالدان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى خرَّا صريعين شهيدين على أرض المعركة ، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات .

    وما إن وضعت المعركة أوزارها حتّى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء أُحد ليواريهم تُرابهم ، فقال لأصحابه :

    (خلّوهم بدمائهم وجراحهم ، فأنا الشّهيد عليهم).

    ثمّ قال :

    (ما من مُسلم يُكلَم في سبيل الله ، إلا جاء يوم القيامة يسيل دماً ، اللّون كلون الزّعفران ، والرّيح كريح المِسك) .

    ثمَّ قال :

    (ادفنوا عمرو بن الجموح مع عبد الله بن عمرو ؛ فقد كانا مُتحابّينِ مُتصافيينِ في الدنيا) .





    رضي الله عن عمرو بن الجموح وأصحابه من شهداء ((أُحُدٍ)) …

    ونوَّر لهم في قبورهم .





    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

  10. #20
    شاعر الأفراح غير متواجد حالياً عضو
    تاريخ التسجيل
    الدولة
    أمريكا
    المشاركات
    1,940

    افتراضي رد: صحابة و صحابيات

    بِلالُ بنُ رَبَاحٍ | مُؤذّن رسول الله *صلى الله عليه وسلم*

    ((أبو بكر سيّدنا وأعتَقَ سَيِّدنَا)) ـ يعني بِلالاً ـ …….((عُمر الفاروق رضي الله عنه))

    …………..



    لِبلال بن رباح مؤذن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، سيرة من أروع سير النّضال في سبيل العقيدة …

    وقصّة لا يملّ الزّمان من ترديدها …

    ولا تشبع الآذان من سِحر نشيدها .

    ولد بلال في ((السَّراة)) قبل الهجرة بنحو ثلاث وأربعين سنة لأب كان يُدعى ((رباحاً)) ، أمّا أمُّه فكانت تُدعى ((حَمَامَة)) …وهي أمَة(أي: جارية) سوداء من إماء مكّة …ولذا كان بعض الناس يدعونه بابن السّوداء .

    نشأ بلال في ((أمّ القُرى)) ، وكان مملوكاً لأيتام من بني ((عبد الدَّار)) أوصى بهم أبوهم إلى أميّة بن خلف أحد رؤوس الكُفر .

    ولمّا أشرقت مكّة بأنوار الدّين الجديد …

    وهتف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بكلمة التوحيد … كان بلال من السّابقين الأوّلين إلى الإسلام .

    فقد أسلم ولم يكن على ظهر الأرض من مُسلم إلا هو وبضعة نفر من السّابقين الأوّلين .. على رأسهم خديجة بنت خويلد أمّ المؤمنين ..

    وأبو بكر الصّدّيق ، وعلي بن أبي طالب .. وعمّار بن ياسر ؛ وأمّه سُميّة .. وصُهيب الرّومي .. والمقداد بن الأسوَد .

    وقد لقِيَ بلال من أذى المشركين ما لم يلقه سواه … وعانى من قسوتهم وبطشهم وغِلظ قلوبهم ما لم يعانِهِ غيره … وصبر هو ومن معه من المستضعفين على الابتلاء في سبيل الله كما لم يصبر أحد .

    فلقد كانت لأبي بكر الصّدّيق ، وعلي بن أبي طالب ، عصبيّة تمنعهما وقوم يحمونهما ، أمّا أولئك المُستضعفون من الأرقّاء والإماء ؛ فقد نكَّلت بهم قريش أشدَّ التنكيل …

    فلقد أرادت أن تجعلهم عِبرة لِمن تُحدِّثه نفسه بِنبذ آلهتهم واتّباع محمد صلى الله عليه وسلم .

    وقد تصدّى لتعذيب هؤلاء طائفة من أغلظ كُفَّار قريش كبِداً ، وأقساهم قلباً … فلقد باء أبو جهل ـ أخزاه الله ـ بإثم ((سُميّة)) فوقف عليها يسبُّ ويشتم ، ثم طعنها برمُحه طعنة دخلت من أسفل بطنها وخرجت من ظهرها … فكانت أوّل شهيدة في الإسلام … وأمّا الآخرون من إخوتها في الله وعلى رأسهم بلال بن رباح فقد أطالت قريش تعذيبهم …

    كانوا إذا توسّطت الشمس كَبِدَ السماء ، والتهبت رمال مكّة … ينزعون عنهم ثيابهم ، ويلبسونهم دروع الحديد ، ويصهرونهم بأشعة الشمس المُتَّقدة … ويُلهِبون ظهورهم بالسّياط ، ويأمرونهم بأن يسبّوا محمداً عليه الصلاة والسلام .

    فكانوا إذا اشتدّ عليهم التعذيب ، وعجزت طاقاتهم عن تحمّله يستجيبون لهم فيما يريدونه منهم ، وقلوبهم معلّقة بالله ورسوله إلا بلالاً رضي الله عنه وأرضاه ؛ فقد كانت نفسه تهون عليه في الله عزَّ وجلّ .

    وكان الذي يتولّى كِبْرَ تعذيبه أميّة بن خلف وزبانيته(زبانيته: جنوده الغلاظ القلوب) .

    لقد كانوا يُلهبون ظهره بالسياط ؛ فيقول : أحد أحد … ويطبقون على صدره الصّخور ؛ فيُنادي : أحدٌ أحد … ويشتدّون عليه في النّكال ؛ فيهتف : أحدٌ أحد …

    كانوا يحملونه على ذكر اللات والعزّى ؛ فيذكر الله ورسوله …ويقولون له : قل كما نقول … فيجيبهم : إنَّ لساني لا يُحسِنه …

    فيلجّون في إيذائه ، ويُمعنون في تعذيبه …

    وكان الطّاغية الجبّار أميّة بن خلف إذا ملَّ من تعذيبه طوّق عُنقه بحبل غليظ ، وأسلمه إلى السّفهاء والوِلدان ، وأمرهم أن يطوفوا به في شعاب مكّة ، وأن يجرّوه في أباطحها …

    فكان بلال رضوان الله عليه يستعذب العذاب في سبيل الله ورسوله ، ويُردّد على الدّوام نشيده العُلْوِيَّ :

    أحدٌ أحد … أحدٌ أحد … فلا يملُّ من ترداده ، ولا يشبع من إنشاده .

    وقد عرض أبو بكر الصّدّيق رضوان الله عليه على أميّة بن خلف أن يشتريه منه فأغلى به الثمن ، وهو يظنّ أنّ أبا بكر لا يأخذه …فاشتراه منه بتسعِ أواق من الذّهب … فقال له أميّة بعد أن تمَّت الصفقة :

    لو أبيت أخذه إلا بأوقيّة لبِعته .. فقال له الصّدّيق : لو أبيت بيعه إلا بمائة لاشتريته …

    ولمّا أخبر الصّدّيق الرسول صلوات الله وسلامه عليه باشترائه ((بلالاً)) ، وإنقاذه من أيدي معذّبيه قال له النبي عليه الصلاة والسلام :

    (الشّرِكَة يا أبا بكر) ـ أي شارِكني فيه ـ … فقال له الصّدّيق رضوان الله عليه : لقد أعتقته يا رسول الله .

    ولمّا أذِنَ الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة … هاجر بلال رضوان الله عليه في جُملة من هاجر … ونزل هو والصّدّيق وعامر بن فِهر في بيت واحد ، فأصيبوا بالحمّى جميعاً فكان بلال إذا أقلعت عنه الحمّى رفع صوته ، وجعل يترنّم بصوته العذب قائلاً :

    ألا ليتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً

    بِفَخٍّ وحَولِي إذخَرٌ وجَليلُ



    وهل أرِدَنْ يوماً مِياهَ مِجنَّةٍ

    وهل يَبدوَنْ لِي شامةٌ وطَفِيلُ

    ولا عجبَ إذا حنَّ بلال إلى مكّة وشعابها ، واشتاق وِديانها وجِبالها … فهناك ذاقَ حلاوة الإيمان …وهناك استعذب العذاب ابتغاء لوجه الله …وهناك انتصر على الشّيطان .

    استقرَّ بلال في يثرب بعيداً عن أذى قريش ، وتفرّغ لنبيّه وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه .

    فكان يغدو معه إذا غدا ، ويعود معه إذا عاد … ويُصلّي معه إذا صلَّى ، ويغزو معه إذا غزا …حتّى أصبح ألزمَ لهُ من ظلِّه .

    ولمَّا شيَّد الرسول صلى الله عليه وسلم مسجِده في المدينة ، وشُرِعَ الأذان … كان بلال أوَّل مؤذِّن في الإسلام .

    وكان إذا فرغَ من الأذان وقف على باب بيت الرسول عليه الصلاة والسلام وقال :

    حيَّ على الصَّلاة .. حيَّ على الفلاح …

    فإذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من حجرته ورآه بلال مُقبلاً ابتدأ بالإقامة .

    وقد أهدى ((النجاشي)) ملك الحبشة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة رِماح قصيرة من نفائس ما يقتنيه الملوك ، فاحتفظ لنفسه بواحد منها ، وأعطى علي بن أبي طالب واحداً ، وأعطى عمر بن الخطّاب واحداً … ثمّ اختصَّ بِرمحه بلالاً ، فجعل بلال يسعى به بين يديه أيّام حياته كُلّها …

    فكان يحمله في العيدين ، وفي صلوات الاستسقاء ، ويركزه أمامه إذا أقيمت الصلاة في غير المسجد .

    ولقد شهد بلال مع نبيّه ((بدراً)) ؛ فرأى بعينيه كيف أنجز الله وعده ، ونصر جُنده ، وشهِد مصارع الطّغاة الذين كانوا يُعذّبونه سوء العذاب …

    وأبصر أبا جهل ، وأميّة بن خلف صريعين تصيبهما سيوف المسلمين ، وتنهل من دمائهما رِماح المُعذّبين .

    ولمّا دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكّة فاتحاً على رأس كتيبته الخضراء كان معه داعي السماء بلال بن رباح .

    وحين دخل الكعبة المُعظّمة لم يكن في صحبته إلا ثلاثة رجال هم :

    عثمان بن طلحة حامل مفاتيح الكعبة المُشرَّفة .

    وأسامة بن زيد حِبُّ رسول الله وابن حبِّه .

    وبلال بن رباح مُؤذّن رسول الله .

    ولمّا حانت صلاة الظّهر كانت الألوف المؤلّفة تُحيط بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه .

    وكان الذين أسلموا من كفّار قريش طوعاً أو كَرهاً ؛ يشهدون ذلك المشهد الكبير … عند ذلك دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح ، وأمره أن يصعد على ظهر الكعبة … وأن يُعلن من فوقها كلمة التوحيد ، فصدع بلال بالأمر … وأرسل صوته الجهير بالأذان .

    فامتدّت آلاف الأعناق نحوه تنظر إليه ، وانطلقت آلاف الألسن تُردِّد وراءه في خشوع .

    أمّا الذين في قلوبهم مرض فقد أخذ الحسد ينهشُ قلوبهم نهشاً ، وجعلت الضَّغينة تُمزّق قلوبهم تمزيقاً .

    فما إن وصل بلال في الأذان إلى قوله :

    ((أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ)) حتّى قالت ((جويريّة بنت أبي جهل)) :

    لَعَمرِي لقد رفع اللهُ لكَ ذِكركَ … أمّا الصلاة فنُصلّي ولكنّنا ـ واللهِ ـ ما نُحبُّ من قتلَ الأحِبَّة . وكان أبوها قد قُتل في ((بدر)) .

    وقال خالد بن أُسيد : الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يشهد هذا اليوم ، وكان أبوه قد مات قبل الفتح بيوم واحد …

    وقال الحارث بن هشام : وَاثكلاه … ليتني متُّ قبل أن أرى بلالاً فوق الكعبة .

    وقال الحكم بن أبي العاص : هذا ـ والله ـ الخطبُ الجلل أن يُصبح عبدُ بني ((جُمح)) ينهق على هذه البنيّة ـ يقصد الكعبة المشرّفة ـ .

    وكان معهم أبو سفيان بن حرب فقال : أمَّا أنا فلا أقول شيئاً … فإنّي لو فُهت بكلمة ؛ لنقلتها هذه الحصاة إلى محمد بن عبد الله .

    ولقد ظلَّ بلال يُؤذّن للرسول صلوات الله وسلامه عليه طوال حياته .. وظلَّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأنس إلى هذا الصوت الذي عذّب في الله أشدّ العذاب وهو يُردّد : أحدٌ … أحد .

    ولمّا انتقل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وحان وقت الصلاة … قام بلال يُؤذّن في الناس ـ والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم مُغطّى لم يُدفن بعد ـ فلمّا وصل إلى قوله :

    ((أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله)) … خنَقتهُ العَبَرَات … واحتبس صوته في حلقه … وأجهش المسلمون في البكاء ، وأَغرقوا في النّحيب .

    ثمّ أذّن بعد ذلك ثلاثة أيام .. فكان كلّما وصل إلى قوله : ((أشهد أنّ محمداً رسول الله)) ؛ بكى وأبكى …

    عند ذلك طلب من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعفيه من الأذان بعد أن أصبح لا يحتمله .. واستأذنه في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله ، والمرابطة في بلاد الشّام … فتردّد الصّدّيق رضوان الله عليه في الاستجابة لطلبه ، والإذن له بمغادرة المدينة … فقال له بلال :

    إن كُنت اشتريتني لنفسك فأمسكني … وإن كنت أعتقتني لله فخلّني لمن أعتقتني له .

    فقال أبو بكر : والله ما اشتريتك إلا لله … وما أعتقتك إلا في سبيله .

    قال بلال : إنّي لا أُؤذّن لأحد بعد رسول الله .

    فقال أبو بكر : لكَ ذلك .

    رحلَ بلال عن المدينة المنوّرة مع أوّل بعث من بعوث المسلمين ، وأقام في ((دياريّا)) بالقُرب من ((دمشق)) .. ولقد ظلَّ مُمسكاً عن الأذان حتّى قدِمَ عمر بن الخطّاب بلاد الشام … فلقِيَ بلالاً رضوان الله عليه بعد غياب طويل …وكان عمر شديد الشّوق إليه ، عظيم الإجلال له ، حتّى إنّه كان إذا ذُكِر الصّدّيق أمامه يقول :

    ((إنَّ أبا بكر سيّدنا وهو الذي أعتق سيّدَنا)) ـ يعني بلالاً رضوان الله عليه ـ .

    وهناك عزم الصحابة على بلال أن يُؤذّن في حضرة الفاروق … فما إن ارتفع صوته بالأذان حتّى بكى عمر ، وبكى معه الصحابة حتّى اخضلّت اللّحى بالدّموع .

    فلقد أهاج بلال أشواقهم إلى عهود المدينة المنوّرة ، سُقياً لها من عهود …

    ولقد ظلَّ داعي السماء يقيم في منطقة ((دمشق)) حتّى وافاه الأجل المحتوم ؛ فكانت امرأته تُعوِل إلى جانبه في مرض الموت ، وتصيح قائلةً :

    وَاحَزَنَاه .

    وكان هو يفتح عينيه في كلّ مرة ويُجيبها قائلاً :

    وَافَرَحَاه …

    ثمَّ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرة وهو يُردِّد :

    غداً نلقى الأحِبَّهْ … محمداً وصَحبَهْ



    غداً نلقى الأحِبَّهْ … محمداً وصَحبَهْ .







    المصدر

    كتاب صور من حياة الصحابة للدكتورعبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله

    يتبع

صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 123456 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. سحابة الأحساء الإستوائيه الغزيره الجمعه 21-5-1433هـ
    بواسطة النايفه في المنتدى المواسم والفلك
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2012-04-15, 13:47

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Tweets by dyar966